اليوم الثالث من رجب الأصبّ
شهادة الإمام علي الهادي (عليه السلام) عام 254 هـ

تمهيد:

تسلّم إمامنا الهادي (عليه السلام) منصب الإمامة بعد استشهاد أبيه الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، وذلك في سنة (220هـ)، وكان عمره الشريف وقتئذ ثماني سنوات.
وكان ـ كما نقل ـ متوسط القامة وذا وجه أبيض اللون مشرّباً بحمرة، وذا عينين كبيرتين وحواجب كبيرة واسعة، وأسارير وجهه النوراني تبعث على السرور لرؤية النور. وكان أطيب الناس وأصدقهم لهجة وأوسعهم صدراً ومهجة، إذا صمت علته سمة الوقار، وإذا نطق علاه البهاء والاستبشار، ثم هو من بيت الطهر والإخلاص والرسالة الإسلامية المباركة والإمامة الحقّة.

مناقبه وفضائله:

أولاً: العلم: لقد روي عنه (عليه السلام) في تنزيه الله وتوحيده، وكذلك في أجوبة المسائل ومختلف العلوم الشيء الكثير، فقد جاء عنه (عليه السلام) في تنزيه الله تعالى قال (عليه السلام): (إنّ الله لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواسّ أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الإحاطة به. نأى في قربه, وقرب في نأيه, كيّف الكيف بغير أن يقال كيف، وأيّن الأين بلا أن يقال أين...).
ثانياً: الهيبة في القلوب: روى محمد بن الحسن قال: كنت مع أبي على باب المتوكّل في جمع من الناس ونحن وقوف؛ إذ جاء الإمام الهادي (عليه السلام)، فترجّل الناس (وقفوا على أرجلهم احتراماً) كلّهم، حتى دخل. فقال بعضهم: لم نترجّل لهذا الغلام وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا، والله لا ترجّلنا له.
فقال أبو هاشم الجعفري ـ وكان حاضراً ـ: والله لتترجّلنّ له صغرةً إذا رأيتموه، فما أن أقبل الإمام (عليه السلام) حتى ترجّل له الناس كلّهم. فقال لهم أبو هاشم: أليس .زعمتم أنّكم لا تترجّلون له؟ فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا. وله صفات اُخرى (عليه السلام): كالكرم والسخاء، والتعبّد والورع... وغيرها

حكمه ومواعظه:

(قال (عليه السلام): (من جمع لك ودّه ورأيه فاجمع له طاعتك
(وقال (عليه السلام): (من هانت عليه نفسه فلا تأمن شرّه
(وقال (عليه السلام): (الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر فيها آخرون

مواجهته للحكم العباسي:

لقد دوهم بيت الإمام (عليه السلام) ليلاً من قبل شراذم السلطة في مدينة سامراء، وتم تفتيشها فلم يجدوا فيها شيئاً يحسبونه وثيقة إدانة له، بل وجدوا الإمام (عليه السلام) جالساً على الحصى والرمل وهو متّجه صوب القبلة الى الله جلّ وعزّ, وكان يتلو آيات من القرآن الكريم. فحملوه على حالته هذه الى المتوكل العباسي وهو أطغى سلاطين عصرهم، وأدخلوه عليه بحالته تلك، وكان الطاغية المتوكل في مجلس شراب ولهو، وكان بيده كأس الخمر، فناوله الى الإمام (عليه السلام) فامتنع الإمام (عليه السلام) منه وقال: (والله ما خامر لحمي ولا دمي قط، فاعفني). فأعفاه وقال له: أنشدني شعراً، فقال الإمام (عليه السلام): (أنا قليل الرواية للشعر)، فقال المتوكل: لا بد، :(فأنشده الإمام (عليه السلام

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلبُ الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** واُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهم *** أين الأساور والتيجان والحللُ
أين الوجوه التي كانت منعّمة *** من دونها تضربُ الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد اُكلوا

فبكى المتوكل العباسي حتى بلّت لحيته، كما بكى الحاضرون أيضاً.
لقد كرّس هذا الإمام الهادي كل حياته لأجل الله سبحانه وخدمة الدين الحنيف، كما واجه السلطة العباسية الغاشمة ولاقى منها الملاحقة والمزاحمة والإرهاب والتضييق عليه. كل ذلك وقد اُخرج من قبل من مدينة الرسول الأكرم جدّه (صلى الله عليه وآله) ـ حيث كان يمارس أدواراً هامة في الشؤون العلمية والسياسية والاجتماعية ـ الى مدينة سامراء مركز الخلافة العباسية، وذلك ليكون تحت مراقبة السلطة الغاشمة مباشرة، وليعزل عن الاُمة الإسلامية الساعية حثيثاً نحو أهل بيت النبوة والرسالة من .ناحية اُخرى
وقد أبقت السلطة الظالمة هذا الإمام (عليه السلام) شطراً من حياته الكريمة في سامراء، حتى دسّت له السم، ففي (3 رجب الأصبّ سنة 254هـ) قبض الإمام مسموماً .شهيداً على يد المتوكل العباسي
.فسلام على أبي الحسن الهادي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا
ً