الرئيسية      أرسل استفتائك    المفضلة  اتصل بنا 
 
  
رجب المرجّب
 هو آخر الأشهر الحُرُم في السّنة، إذ أنّ أوّل شهورها شهر رمضان. وشهر رجب عظيم البركة، شريف، لم تَزَل الجاهلية تعظّمه قبل مجيء الإسلام، ثمّ تأكد شرفه وعِظَمه في شريعة العرب لم تكن تُغِير فيه، ولا ترى الحرب وسفك الدماء، وكان لا يُسمع فيه حركة السّلاح، ولا صهيل الخيل، ولا أصوات الرجال في اللّقاء والاجتماع.
ويستحب صيامه ، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه كان يصومه ويقول: رجب شهري، وشعبان شهر رسول الله صلّى الله عليه وآله، وشهر رمضان شهر الله عزّوجلّ.([1])
أول يوم منه كان مولد مولانا وسيدنا أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام. ([2])
روى جابر الجعفي قال: ولد الباقر أبو جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام يوم الجمعة غرّة رجب سنة سبع وخمسين من الهجرة.
وروي أنّ مَن صام من أوّله سبعة أيام متتابعات غُلِّقت عنه سبعة أبواب النار، فإنْ صام ثمانية أيّام فُتحت له ثمانية أبواب الجنان، فإنْ صام منه خمسة عشر يوماً أُعطي سُؤله، فإنْ صام الشهر كلّه أعتق الله الكريم رقبته من النار وقضى له حوائج الدنيا والآخرة، وكتبه في الصدّيقين والشهداء. ([3]) هذا إذا كان الانسان مؤمناً مجتنباً للكبائر الموبقات، كما قال الله عزّ اسمه: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».([4])
وللعُمرة فيه فضل كبير قد جاءت به الآثار([5])، ويُستحبّ فيه زيارة سيّدنا أبي عبدالله الحسين عليه السّلام في أول يوم منه، فقد روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: (مَن زار الحسينَ بن عليّ عليهما السّلام في أوّل يوم من رجب غَفَر الله له البتّة). ([6])
ومَن لم يتمكّن من زيارة أبي عبدالله عليه السّلام في هذا اليوم فلْيَزُر بعض مشاهد السادة عليهم السّلام، فإنْ لم يتمكّن من ذلك فلْيُومئ اليهم بالسّلام، ويجتهد في أعمال البِرّ والخيرات.
وفي اليوم الثالث منه سنة أربع وخمسين ومئتين من الهجرة كانت شهادة سيّدنا أبي الحسن عليّ بن محمّد الهادي صاحب العسكر عليه السّلام، وله يومئذ أربعون سنة.
و في اليوم العاشر منه سنة خمس و تسعين و مئة من الهجرة ولد النور التاسع من انوار الامامة ابوجعفر الثاني محمد بن علي الجواد عليه السلام.
وفي اليوم الثاني عشر منه سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة كانت وفاة العباس بن عبدالمطلّب عمّ النبيّ صلّى الله عليه وآله.
وفي اليوم الثالث عشر منه ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسّلام بمكة في البيت الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل، وهو يوم مسرّة لأهل الإيمان.
وفي يوم النصف منه لخمسة أشهر من الهجرة عَقَد رسول الله صلّى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليّ عليه السّلام على ابنته فاطمة عليها السّلام عقدةَ النكاح فيه، الأشهاد له ولها الأملاك، وسِنّها يومئذ إحدى عشرة أو ثلاث عشرة سنة عليها التحية والرضوان.
ويُستحبّ في هذا اليوم الصيام، وزيارة المشاهد على أصحابها السّلام، ويُدعى فيه بدعاء أُمّ داوود، وهو موجود في كتاب (الإقبال) للسيّد عليّ بن طاووس، وفي كتاب (مفاتيح الجنان).
وفي هذا اليوم سنة اثنتين من الهجرة حُوِّلت القبلة من بيت المَقدِس إلى الكعبة، وكان الناس في صلاة العصر، فتحوّلوا منها إلى البيت الحرام. ([7])
وفي هذا اليوم سنة اثنتين وستّين من الهجرة توفّيت عقيلة آل أبي طالب السيّدة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
وفي اليوم الثاني والعشرين منه سنة ستّين من الهجرة كان هلاك معاوية بن أبي سفيان، وسنّه يومئذ ثمان وسبعون سنة.
وفي اليوم الرابع والعشرين منه سنة سبعة من الهجرة تمّ فتح خيبر على يد أسد الله الغالب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، بعد أن قَتَل مرحب اليهوديّ وقَلَع بابَ الحصن العظيم بمفرده.
وفي اليوم الخامس والعشرين منه سنة ثلاث وثمانين ومئة من الهجرة كانت وفاة سيّدنا أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام([8]) قتيلاً في حبس السِّندي بن شاهك سجّان العباسيّين وله عليه السّلام يومئذ خمس وخمسون سنة، وهو يوم تتجدّد فيه أحزان آل محمد عليهم السّلام.
وفي اليوم السابع والعشرين منه كان مبعث النّبيّ صلّى الله عليه وآله، ومن صامه كتب الله له صيام ستّين سنة. ([9])
وروي عن الصادقِين عليهم السّلام إنّهم قالوا: مَن صلّى في اليوم السابع والعشرين من رجب اثنتَي عشرة ركعة يَقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة يس، فإذا فرغ من هذه الصلاة قرأ في عقبها فاتحة الكتاب ثلاث مرات والمعوّذات الثلاث أربع مرات وقال:«سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» أربع مرّات، وقال: «الله ربّي لا أُشرك به شيئاً» أربع مرّات، ثمّ دعا استجيب له في كلّ ما يدعو به إلاّ أن يدعو بجائحةِ قومٍ أو قطيعةِ رحم. ([10])
وهو يوم شريف عظيم البركة، ويستحبّ فيه الصدقة، والتطوع بالخيرات، وإدخال السرور على أهل الإيمان.
وفي اليوم الثامن والعشرين منه سنة ستّين من الهجرة كانت هجرة الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السّلام من المدينة إلى مكّة بعد أن رفض البيعة للطاغية يزيد.
 
فضائل شهر رجب وصيامه وأحكامه وفضل بعض لياليه وأيامه
قال رسول الله (ص) : ألا إن رجب شهر الله الأصمّ ، وهو شهرٌ عظيمٌ ، وإنما سُميّ الأصمّ لأنه لا يقارنه شهرٌ من الشهور حرمةً وفضلاً عند الله تبارك وتعالى ، وكان أهل الجاهلية يعظّمونه في جاهليتها ، فلما جاء الاسلام لم يزدد إلا تعظيماً وفضلاً.
ألا إن رجب وشعبان شهراي ، وشهر رمضان شهر اُمتي ، ألا فمن صام من رجب يوماً إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر ، وأطفأ صومه في ذلك اليوم غضب الله ، وأغلق عنه باباً من أبواب النار ، ولو أعطى مثل الأرض ذهباً ما كان بأفضل من صومه .
ولا يستكمل أجره بشيء من الدنيا دون الحسنات ، إذا أخلصه لله عزّ وجلّ ، وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات ، إن دعا بشيءٍ في عاجل الدنيا أعطاه الله عزّ وجلّ ، وإلا ادخر له من الخير أفضل مما دعا به داعٍ من أوليائه وأحبائه وأصفيائه ([11])
قيل : يا نبي الله !.. فمن عجز عن صيام رجب لضعفٍ أو لعلةٍ كانت به ، أو امرأة غير طاهر ، يصنع ماذا لينال ما وصفته ؟.. قال (ص) :
يتصدّق كل يومٍ برغيفٍ على المساكين .. والذي نفسي بيده !.. أنه إذا تصدق بهذه الصدقة كل يومٍ نال ما وصفت وأكثر ، إنه لو اجتمع جميع الخلائق كلهم من أهل السماوات والأرض على أن يقدّروا قدر ثوابه ، ما بلغوا عُشر ما يصيب في الجنان من الفضائل والدرجات.
قيل : يا رسول الله (ص) !.. فمن لم يقدر على هذه الصدقة ، يصنع ماذا لينال ما وصفت ؟.. قال (ص) : يسبّح الله عزّ وجلّ كلّ يومٍ مَن رجب إلى تمام ثلاثين يوماً بهذا التسبيح مائة مرة :
سبحان الإله الجليل ، سبحان من لاينبغي التسبيح إلا له ، سبحان الأعزّ الأكرمّ ، سبحان من لبس العزّ وهو له أهلٌ.([12])
دخلت على الصادق (ع) في رجب وقد بقيت منه أيام ، فلما نظر إلي قال لي :
يا سالم !.. هل صمت في هذا الشهر شيئاً ؟.. قلت : لا ، والله يا بن رسول الله (ص) !.. فقال لي (ع) :
لقد فاتك من الثواب ما لم يعلم مبلغه إلا الله عزّ وجلّ ، إن هذا شهر قد فضّله الله وعظّم حرمته ، وأوجب للصائمين فيه كرامته .. فقلت له :
يا بن رسول الله (ص) !.. فإن صمت مما بقي شيئاً هل أنال فوزاً ببعض ثواب الصائمين فيه ؟.. فقال (ع) :
يا سالم !.. من صام يوماً من آخر هذا الشهر ، كان ذلك أماناً من شدة سكرات الموت ، وأماناً له من هول المطّلع وعذاب القبر .. ومَن صام يومين من آخر هذا الشهر ، كان له بذلك جوازاً على الصراط .. ومَن صام ثلاثة أيام من آخر هذا الشهر ، أمن يوم الفزع الأكبر من أهواله وشدائده ، وأُعطي براءةً من النار. ([13])
 
قال رسول الله (ص) : مَن صام أول يومٍ من رجب ، وجبت له الجنة. ([14]) 
قال الباقر (ع) : من صام سبعة أيامٍ من رجب ، أجازه الله على الصراط ، وأجاره من النار ، وأوجب له غرفات الجنان. ([15]) 
قال الصادق (ع) : من صام يوم سبعة وعشرين من رجب ، كتب الله له أجر صيام سبعين سنة. ([16])
قال الصادق (ع) : لا تدع صيام يوم سبعة وعشرين من رجب ، فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمّد (ص) ، وثوابه مثل ستين شهراً لكم. ([17])
قال رسول الله (ص) : رجب شهر الله الأصبّ ، يَصبُّ الله فيه الرّحمة على عباده ، وشهر شعبان تُشعّب فيه الخيرات.... الخبر . ([18])
كان أمير المؤمنين (ع) يعجبه أن يفرغ الرّجل أربع ليال من السّنة : أوّل ليلة من رجب ، و ليلة النّحر ، و ليلة الفطر ، و ليلة النّصف من شعبان. ([19])
كتب الحميريُّ إلى القائم (ع) : أن قِبلَنا مشايخ وعجائز يصومون رجب ثلاثين سنة وأكثر ، ويَصلون شهر شعبان بشهر رمضان ، وروى لهم بعض أصحابنا أنَّ صومه معصية.
فأجاب (ع) : قال الفقيه : يصوم منه أياماً إلى خمسة عشر يوماً ، ثمَّ يقطعه إلاّ أن يصومه عن الثلاثة الأيّام الفائتة للحديث : أن نعم شهر القضاء رجب. ([20])
قال أبوالحسن (ع) : رجب شهرٌ عظيمٌ يضاعف الله فيه الحسنات ، ويمحو فيه السيئات ، من صام يوماً من رجب تباعدت عنه النّار مسيرة مائة سنة ، ومن صام ثلاثة أيّام وجبت له الجنّة.([21])
قال رسول الله (ص): رجب شهر الاستغفار لأُمّتي أكثروا فيه الاستغفار ، فإنّه غفورٌ رحيم وشعبان شهري .
استكثروا في رجب من قول أستغفر الله ، وسلوا الله الإقالة والتّوبة فيما مضى ، والعصمة فيما بقي من آجالكم.
وسمّي شهر رجب شهر الله الأصبّ ، لأنّ الرَّحمة على أُمتي تُصبُّ صبّاً فيه ، ويقال : الأصمّ لأنّه نُهي فيه عن قتال المشركين ، و هو من الشهور الحرم. ([22])
قال الصّادق (ع) : إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش : أين الرجبيون ؟ .. فيقوم اُناسٌ يضيىء وجوههم لأهل الجمع على رؤوسهم تيجان الملك ، مكلّلة بالدرّ والياقوت ، مع كلِّ واحدٍ منهم ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره ، ويقولون :
هنيئاً لك كرامة الله عز َّوجلَّ يا عبد الله!..فيأتي النّداء من عند الله جلَّ جلاله :
عبادي وإمائي !.. وعزتي وجلالي لأكرمنَّ مثواكم ، ولأجزلنَّ عطاياكم ، ولأوتينَّكم من الجنَّة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ، إنّكم تطوَّعتم بالصّوم لي في شهرٍ عظّمتُ حرمته وأوجبتُ حقّه .. ملائكتي !.. أدخلوا عبادي و إمائي الجنّة.
ثمَّ قال الصادق (ع) : هذا لمن صام من رجب شيئاً ولويوماً واحداً في أوَّله أو وسطه أو آخره. ([23])  
عن الصادقين (ع) : أن الصدقة على مسكينٍ بمدٍّ من الطعام ، يقوم مقام يوم من مندوبات الصّيام ، وروي عوض عن يوم الصّوم درهم. ([24])
 
بيــان: ولعلّ التّفاوت بحسب سعة اليسار ودرجات الاقتدار ، وسيأتي روايةٌ في أواخر رجب أنَّه يتصدّق عن كلِّ يوم منه برغيفٍ عوضاً عن الصّوم الشّريف ، و لعلّه لأهل الاقتار تخفيفاً للتكليف ، و قدمرَّ عوض لأهل الإعسار في خبر أبي سعيد الخُدري من التسبيحات ، فلا ينبغي للموسر أن يترك الاستظهار بإطعام مسكين ٍعن كلِّ يوم من أيّام الصّيام المندوبات ، ويقتصر على التسبيحات ، بل يتصدَّق ويسبِّح احتياطاً للعبادات. ([25])
 
قال رسول الله (ص) : من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوَّله وفي وسطه وفي آخره ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته اُمه. ([26])

 



[1]- حكاه الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد: 734. وقال المفيد في المقنعة: 59 (وقال أمير المؤمنين عليه السّلام: شهر رمضان شهر الله وشهر شعبان شهر رسول الله ورجب شهري).
[2]- روى ذلك أبو جعفر الطبري في دلائل الامامة: 90 عن أبي محمّد الحسن بن عليّ الثاني عليه السّلام حيث قال: ولد أبو جعفر محمّد الباقر بالمدينة يوم الجمعة غرّة رجب سنة سبع وخمسين من الهجرة.
[3]- روى الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 55:2 الحديث 1، وثواب الاعمال: 77 باب (ثواب صوم رجب) الحديث الأول والشيخ الطوسيّ في مصباح المتهجد 734، نحو ما تقدم.
[4]- المائدة: 27.
[5]- قال الشيخ الطوسيّ في مصباح المتهجد: 735 (وروي عنهم عليهم السّلام ان العمرة في رجب تلي الحج).
[6]- كامل الزيارات: 182، ومصباح المتهجد: 737.
[7]- قال ابن كثير في السيرة النبوية 372:2. وبه قال قتادة وزيد بن أسلم وهو رواية عن محمّد بن اسحاق.
[8]- وبه قال ابن أبي الثلج في تاريخ الأئمّة: 11، والشيخ الصدوق في عيون الاخبار 104:1 الحديث 7.
[9]- روى الشيخ الكليني في الكافي 148:4 الحديث 1 ـ 2، والشيخ الصدوق في الفقيه 54:2، وفضائل الأشهر الثلاثة: 20 الحديث 6، والشيخ الطوسيّ في التهذيب 304:4 الحديث 919 بأسانيدهم عن الصادق والكاظم والرضا عليهم السّلام انّ ثوابه يعدل ستّين شهراً.
[10]- رواه الشيخ الكليني في الكافي 469:1 الحديث 7 باختلاف.
[11]- فضائل الأشهر الثلاثة ، ثواب الأعمال ص49 ، أمالي الصدوق ص319
[12]- فضائل الأشهر الثلاثة ، ثواب الأعمال ص49 ، أمالي الصدوق ص319
[13]- فضائل الأشهر الثلاثة ، أمالي الصدوق ص11
[14]- الإقبال ص634
[15]- فضائل الأشهر الثلاثة
[16]- أمالي الصدوق ص349
[17]- فضائل الأشهر الثلاثة
[18]- العيون 2/71
[19]- قرب الإسناد ص37
[20]- الاحتجاج ص273
[21]- فضائل الأشهر الثلاثة ، ثواب الأعمال ص49
[22]- كتاب الحسين بن سعيد
[23]- فضائل الأشهر الثلاثة
[24]- الإقبال
[25]- الإقبال
[26]- النوادر
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة زين الدين للمعارف الإسلامية