اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك
المختار بن أبي عبيدة الثقفي ( رضي الله عنه )

اسمه ونسبه :

المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي .

ولادته :
ولد المختار في السنة الأُولى من الهجرة بمدينة الطائف .

 نشأته :
نشأ المختار مقداماً شجاعاً ، يتعاطى معالي الأُمور ، وكان ذا عقل وافر ، وجواب حاضر ، وخلال مأثورة ، ونفس بالسخاء موفورة ، وفطرة تدرك الأشياء بفراستها ، وهمّة تعلو على الفراقد بنفاستها ، وحدس مصيب ، وكفٍّ في الحروب مجيب ، مارس التجارب فحنّكته ، ولابس الخطوب فهذّبته .

 أقوال الأئمة ( عليهم السلام ) فيه : نذكر منهم ما يلي :

1ـ قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت ، حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين ( عليه السلام )) (1) .

2ـ قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( لا تسبّوا المختار ، فإنّه قتل قتلتنا ، وطلب بثأرنا ، وزوّج أراملنا ، وقسّم فينا المال على العسرة ) (2) .

3ـ قال عمر بن علي بن الحسين : ( إنّ علي بن الحسين ( عليهما السلام ) لمّا أتي برأس عبيد الله بن زياد ، ورأس عمر بن سعد فخرّ ساجداً وقال : الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي ، وجزى الله المختار خيراً ) (3) .

سجنه :

تعرف في المختار شمائل النخوة والإباء ورفض الظلم ، ويرى فيه مواقف الشجاعة والتحدّي أحياناً ، وهذا أشدّ ما تخشاه السلطات الأُموية ، فألقت القبض عليه ، وأودعته في سجن عبيد الله بن زياد في الكوفة .

وكان هذا تمهيداً لتصفية القوى والشخصيات المعارضة ، والتفرّغ لإبادة أهل البيت بعد ذلك حيث لا أنصار لهم ولا أتباع .

وتقتضي المشيئة الإلهية أن يلتقي المختار في السجن بميثم التمّار ـ هذا المؤمن الصالح ، الذي أخذ علومه من الإمام علي ( عليه السلام ) ـ فيبشّره بقوله : إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين ( عليه السلام ) ، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه ـ أي ابن زياد ـ وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدَّيه (4) .

ولم تطل الأيّام حتّى دعا عبيد الله بن زياد بالمختار من سجنه ليقتله ، وإذا برسالة من يزيد بن معاوية تصل إلى ابن زياد ، يأمره فيها بإخراج المختار من السجن ، وذلك أنّ أُخت المختار كانت زوجة عبد الله بن عمر ، فسألت زوجها أن يشفع لأخيها إلى يزيد ، فشفع فأمضى يزيد شفاعته ، فكتب بإخراج المختار .

ثورته :

أوجدت ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ردود فعل كبيرة في صفوف الأُمّة الإسلامية ، فتوالت الحركات الثورية مقاومة التسلّط البغيض للزمرة الظالمة الأُموية ، وعلى إضعافها .

فحدثت ثورة التوّابين ، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيّب بن نجبة الفزاري بالكوفة ، ورفعوا شعار التوبة والتكفير ، لتخلّفهم عن نصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ثمّ وقعت ثورة المختار الثقفي ، تحت شعار : ( يا لثارات الحسين ) .

فأخذ المختار يقتل كلّ من اشترك في قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) من أهل الكوفة .

حرقه لحرملة :

قال المنهال : دخلت على علي بن الحسين ( عليهما السلام ) قبل انصرافي من مكّة ، فقال لي : ( يا منهال ، ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي ) ؟ فقلت : تركته حيّاً بالكوفة ، فرفع يديه جميعاً ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( اللهُمّ أَذِقْه حرَّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرَّ النار ) .

قال المنهال : فقدمت الكوفة ، وقد ظهر المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، وكان صديقاً لي ، فركبت إليه ولقيته خارجاً من داره ، فقال : يا منهال ، لم تأتنا في ولايتنا هذه ، ولم تهنّئنا بها ، ولم تشركنا فيها ؟! فأعلمته أنّي كنت بمكّة ، وأنّي قد جئتك الآن .

وسايرته ونحن نتحدّث حتّى أتى الكناسة ، فوقف وقوفاً كأنّه ينظر شيئاً ، وقد كان أُخبر بمكان حرملة فوجّه في طلبه ، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون ، حتّى قالوا : أيُّها الأمير البشارة ، قد أُخذ حرملة بن كاهل !

فما لبثنا أن جيء به ، فلمّا نظر إليه المختار قال لحرملة : الحمد لله الذي مكّنني منك ، ثمّ قال : النار النار ، فأُتي بنار وقصب ، فأُلقي عليه فاشتعل فيه النار .

قال المنهال : فقلت : سبحان الله ! فقال لي : يا منهال ، إنّ التسبيح لحسن ، ففيم سبّحت ؟ قلت : أيّها الأمير ، دخلت في سفرتي هذه – وقد كنت منصرفاً من مكّة – على علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقال لي : ( يا منهال ، ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي ) ؟ فقلت : تركته حيّاً بالكوفة ، فرفع يديه جميعاً فقال : ( اللهمّ أذِقْه حرَّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرّ الحديد ، اللهمّ أذقْه حرّ النار ) .

فقال لي المختار : أسمعت علي بن الحسين يقول هذا ؟! فقلت : والله لقد سمعته يقول هذا ، فنزل عن دابّته وصلّى ركعتين فأطال السجود ، ثمّ ركب وقد احترق حرملة (5) .

إرساله جيشاً لمقاتلة عبيد الله بن زياد :

شيّع المختارُ إبراهيمَ بن مالك الأشتر ماشياً يبعثه إلى قتال عبيد الله بن زياد ، فقال له إبراهيم : اركب رحمك الله ، فقال المختار : إنّي لأحتسب الأجر في خطاي معك ، وأحبُّ أن تغبرَّ قدماي في نصر آل محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) .

ثمّ ودّعه وانصرف ، فسار ابن الأشتر إلى المدائن يريد ابن زياد ، ثمّ نزل نهر الخازر بالموصل شمال العراق ، وكان الملتقى هناك ، فحضّ ابن الأشتر أصحابه خاطباً فيهم : يا أهل الحقّ وأنصار الدين ، هذا ابن زياد قاتل حسين بن علي وأهل بيته ، قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان ، فقاتلوهم بنية وصبر ، لعلّ الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم .

وتزاحفوا ، ونادى أهل العراق : يا لثارات الحسين ، فجال أصحاب ابن الأشتر جولة ، وحمل ابن الأشتر يميناً فخالط القلب ، وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم ، فانجلت الغمّة وقد قتل عبيد الله بن زياد ، وحصين بن نمير ، وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وأعيان أصحابهم .

وأمر إبراهيم بن الأشتر أن يطلب أصحابه ابن زياد ، فجاء رجل فنزع خفَّيه وتأمّله ، فإذا هو ابن زياد على ما وصف ابن الأشتر ، فاجتزّ رأسه ، واستوقدوا عامّة الليل بجسده ، ثمّ بعث إبراهيم بن الأشتر برأس ابن زياد ورؤوس أعيانه إلى المختار .

فجاءوا بالرؤوس والمختار يتغدّى ، فأُلقيت بين يديه ، فقال : الحمد لله ربّ العالمين ! فقد وضع رأس الحسين بن علي ( عليهما السلام ) بين يدي ابن زياد لعنه الله وهو يتغدّى ، وأُتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدّى !.

فلمّا فرغ المختار من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ، ثمّ رمى بالنعل إلى مولىً له وقال له : اغسلها فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر .

ثمّ بعث المختار برأس ابن زياد إلى محمّد بن الحنفية وإلى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، فأُدخل عليه وهو يتغدّى ، فقال ( عليه السلام ) : ( أُدخلت على ابن زياد ـ أي حينما أُسر وجيء به إلى الكوفة ـ وهو يتغدّى ، ورأسُ أبي بين يديه ، فقلت : اللهمّ لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدّى ، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي ) (6) .

قتله لعمر بن سعد :

كان المختار قد سئل في أمان عمر بن سعد ، فآمنه على شرط ألاّ يخرج من الكوفة ، فإن خرج منها هدر دمه .
فقال رجل لعمر بن سعد : إنّي سمعت المختار يحلف ليقتلنّ رجلاً ، والله ما أحسبه غيرك ! فلمّا سمع ذلك خرج عمر حتّى أتى الحمّام ـ الذي سمّي فيما بعد بحمّام عمر ـ فقيل له : أترى هذا يخفى على المختار ! فرجع ليلاً ، ثمّ أرسل ولده حفصاً إلى المختار الذي دعا أبا عمرة وبعث معه رجلين ، فجاءوا برأس عمر بن سعد فتأسّف حفص وتمنّى أن يكون مكان أبيه ، فصاح المختار يا أبا عمرة ، ألحقه به ، فقتله .

فقال المختار بعد ذلك : عمر بالحسين ، وحفص بعلي بن الحسين ـ أي علي الأكبر ـ ولا سواء !

واشتدّ أمر المختار بعد قتل ابن زياد ، وأخاف الوجوه ، وكان يقول : لا يسوغ لي طعام ولا شراب حتّى أقتل قتلة الحسين بن علي ( عليهما السلام ) وأهل بيته ، وما من ديني أترك أحداً منهم حيّاً .

وقال : أعلموني من شرك في دم الحسين وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، فلم يكن يأتونه برجل فيشهدون أنّه من قتلة الحسين أو ممّن أعان عليه ، إلاّ قتله .

 شهادته :

استشهد ( رضي الله عنه ) في الرابع عشر من شهر رمضان 67 هـ ، بعدما قاتل مصعب بن الزبير وجيشه أشد قتال ، حيث بعثه أخوه عبد الله بن الزبير إلى العراق للانتقام من المختار .

ـــــــــ

1ـ اختيار معرفة الرجال 1 / 341 .
2ـ المصدر السابق 1 / 340 .
3ـ المصدر السابق 1 / 342 .
4ـ الإرشاد 1 / 325 .
5ـ اللهوف في قتلى الطفوف : 196 .
6ـ الأمالي للشيخ الطوسي : 242 .