اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك
فتح مكة المكرمة سنة 10هـ

بعد ذلك الجهاد الطويل للرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته والمخلصين من صحابته الميامين بدأت في السنة العاشرة للهجرة الشريفة علائم الفتح والنصر تلوح في الاُفق، وقد كانت قبل هذا ومنذ السنة السادسة للهجرة الشريفة مفاوضات للصلح بين خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله) وقريش. وكانت تتصاعد النتائج لصالح النبي (صلى الله عليه وآله)، فانضمت قبيلة كنانة الى معسكر قريش، وانضمت قبيلة خزاعة الى معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان هناك حلفان خلال فترة الصلح هذه.
وقد قدّر الله سبحانه لنبيّه أن تتهيأ عوامل النصر النهائي والفتح المبين، فنشب الصراع بين قبيلتي كنانة وخزاعة على أثر هجوم كنانة على خزاعة، فانحازت قريش الى كنانة. فأحس أبو سفيان بخطر انتصاره لكنانة فاتجه صوب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليكلّمه فما ردّ النبي (صلى الله عليه وآله) عليه شيئاً، وبدأ يطلب العون من بعض الصحابة في محاولة يائسة بائسة, ثم لم يجد بدّاً فاستنجد بأهل البيت (عليهم السلام) فلم يقبلوه، وعاد العتل الى مكة خائباً.
وشرع الرسول (صلى الله عليه وآله) وأصحابه يتهيّؤون لمحاربة الكفار من أهل مكة، وقد وصل عددهم الى عشرة آلاف مقاتل، وحرص الرسول (صلى الله عليه وآله) أن لا يقع القتال بينه وبين قريش داخل مكة المكرمة؛ لأنها حرم الله تعالى. وفي اليوم الثاني من شهر الله المبارك، شهر رمضان سنة (10هـ) (على رواية) سار النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وجيشه الإسلامي الى مكة، وأخذوا بالإحاطة وإشعال النار في صحاريها المجاورة لها، مما أدى الى خوف ورعب الطغاة وفيهم ورأسهم أبوسفيان الاُموي.
وقد أدى ذلك الى استسلام أبي سفيان للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ونطق بالشهادتين ليحفظ نفسه ومن لفّ لفّه، وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله) العباس بن عبدالمطلب أن يوقف أبا سفيان عند المكان الذي تمر به جنود الله تعالى؛ ليرى باُمّ عينيه عظمة ومكانة الإسلام، دين الله تعالى. فقال أبوسفيان للعباس: (لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً)، فرد عليه العباس قائلاً: (ويحك، إنّها النبوّة).
لقد منّ الله تعالى على دينه الحنيف ورسوله الرؤوف (صلى الله عليه وآله) بالنصر المبين والفتح الكبير، فدخل الرسول (صلى الله عليه وآله) مكة المكرمة فاتحاً مظفراً بغير حرب وقتال ولا سفك للدماء، بتواضع وتسبيح واستغفار وحمد لله تعالى. قال تعالى في سورة النصر، واصفاً ذلك الفتح والنصر: (إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً* فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّاباً)
(1).
اللهم انصر الإسلام وأهله، واخذل الكفر وأهله.
والصلاة والسلام على الفاتح من الناصر تعالى وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.



(1) سورة النصر.