اليوم الحادي والعشرون من شهر رمضان المبارك
شهادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) سنة 40هـ

ذكر الطبري وابن الأثير في تاريخيهما أنّ سبب قتل الإمام علي (عليه السلام) هو اجتماع ثلاثة من الخوارج كان واحداً منهم هو عبدالرحمن بن ملجم المرادي، حيث ذكروا أمر الناس وأخذوا على الولاة، وتذاكروا أمر أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم، فلو شرينا أنفسنا لله، وقتلنا أئمة الضلال وأرحنا منهم البلاد. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليّاً، فأخذ سيفه وسمّه، وأتى الكوفة فلقي أصحابه بها، وكتمهم أمره، ورأى ابن ملجم أصحاباً له من تيم الرباب، ومعهم امرأة منهم اسمها (قطام)، قتل أبوها وأخوها في معركة النهروان، وكانت فائقة الجمال. فخطبها ابن ملجم فقالت: لا أتزوّجك إلاّ على ثلاثة آلاف، وعبد وقينة، وقتل علي. قال: والله ماجاء بي إلاّ قتل علي، فلك ما سألت.
وقد حصل الذي حصل بين قطام وابن ملجم، فقام ابن ملجم بالتخفّي في المسجد, وبينما أميرالمؤمنين وخليفة رب العالمين علي (عليه السلام) يصلي إذ هجم ابن ملجم هجمته الجبانة اللئيمة على علي أميرالمؤمنين وضربه بسيفه المسموم على اُمّ رأسه في مسجد الكوفة.
روى الشيخ المفيد (رحمه الله): (أن ابن ملجم بعد أن ضرب الإمام (عليه السلام)، لحقه رجل من قبيلة همدان فطرح عليه قطيفة ثم صرعه وأخذ السيف من يده, وجاء به الى أميرالمؤمنين (عليه السلام)).
وفي أمالي الشيخ الطوسي: (وخرج الحسن والحسين (عليهما السلام) وأخذا ابن ملجم وأوثقاه، واحتُمِل أميرالمؤمنين (عليه السلام) فاُدخل الى داره، فقعدت لبابة عند رأسه وجلست اُمّ كلثوم عند رجليه، ففتح عينيه فنظر إليهما فقال: الرفيق الأعلى خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً. ثم عرق ثم اُغمي عليه، ثم أفاق فقال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمرني بالرواح إليه عشاءً ثلاث مرات).
وقال ابن الأثير: اُدخل ابن ملجم على أميرالمؤمنين (عليه السلام) وهو مكتوف، فقال: (أي عدوّ الله، ألم أحسن إليك؟)، قال: بلى، قال (عليه السلام): (فما حملك على هذا؟)، قال ابن ملجم شحذته أربعين صباحاً [يقصد بذلك سيفه]، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. قال علي (عليه السلام): (لا أراك إلاّ مقتولاً به، ولا أراك إلاّ من شرّ خلق الله. ثم قال (عليه السلام): النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي.
يا بني عبدالمطلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أميرالمؤمنين، ألا لا يقتلنّ إلاّ قاتلي. اُنظر يا حسن، إذا أنا متّ من ضربتي هذه فضربة بضربة، ولا تمثلنّ بالرجل فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور).
قال الشاعر:

ولم أرَ مهراً ساقه ذو سماحة *** كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة *** وضرب عليّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا *** ولا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم

 

وفي (الخرائج): قال عمرو بن الحمق: (دخلت على علي (عليه السلام) حين ضرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس إنما هو خدش، قال: لعمري، إنّي لمفارقكم، ثم اُغمي عليه فبكت اُمّ كلثوم، فلما أفاق قال (عليه السلام): لا تؤذيني يا اُمّ كلثوم، فإنك لوترين ما أرى، إنّ الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيين يقولون: انطلق يا علي، فما أمامك خير لك مما أنت فيه).
بقي الإمام علي (عليه السلام) يصارع الألم بعد الضربة ثلاثة أيام، وأخيراً وفي الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة 40هـ أشرف على نهاية حياته المليئة بالجهاد والصبر والعبادة، والذي ظلم فيها ظلامتين كبيرتين؛ أولها: تنحيته عن الخلافة الربانية من قبل حسّاده والحاقدين عليه. والثانية: اغتياله في شهر الله، شهر رمضان الكريم، الذي هو من أعظم الشهور وأفضلها، فمضى الى ربّه مقتولاً بالسيف والسمّ معاً، مضى شهيداً وخسر مناوئوه.
فكانت مصيبة فقده من أشدّ المصائب ألماً عند المسلمين والإسلام العزيز من بعد فقد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بل ومن فقد زوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام)
.
 

فسلام على شهيد المسجد والمحراب يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً