الليلة الثالثة والعشرون من شهر رمضان المبارك
نزول القرآن الكريم سنة 1 للبعثة

في رأي بعض العلماء أن القرآن الكريم قد نزل على الرسول (صلى الله عليه وآله) مرتين:
إحداهما: نزل في ليلة القدر جملة واحدة، إجمالاً.
والثانية: نزل على الرسول تدريجاً على سبيل التفصيل خلال ثلاث وعشرين سنة. ومعنى نزوله إجمالاً، هو نزول المعارف الإلهية المشتمل عليها القرآن الكريم، والأسرار الكبرى على قلب النبي (صلى الله عليه واله)؛ لكي تمتلئ روحه بنور المعارف القرآنية المباركة، قال تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر...)
.
ومعنى نزوله على سبيل التفصيل، هو نزوله بألفاظه المحدّدة وآياته المتتالية التي كانت في بعض الأحيان مرتبطة بالأحداث والوقائع المتصلة في زمن الرسالة المباركة، ومواكبة تطور الأحداث، قال تعالى: (كتاب اُحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير)
(1).

توضيح التدرج:

لقد تنوّعت الحالات التي مرّت على النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد تخللت مدة الثلاث والعشرين سنة الماضية, تبعاً لما مرّت به الدعوة الإسلامية من آلام ومحن، وما قاسته من الشدائد وحازته من تقدم، وما حققته من انتصارات، وهي الأحداث التي كان الإنسان متفاعلاً معها في أقواله وأفعاله. لكن القرآن الكريم قد واكب هذه الأحداث عبر تلك السنين, من ضعفها وقوتها وعسرها ويسرها وهزائمها وانتصاراتها وكان يسايرها، ومع ذلك كان ذا مستوى يعلو على جميع الاعتبارات القائمة ويأخذ بجذبها إليه والانجذاب لله تعالى. ولم يتأثر القرآن بشكل من أشكال الانفعال البشري، بل كان مؤثراً فيها.
إن تنزيل القرآن تدريجاً كان امتداداً وإمداداً معنوياً مستمراً للرسول (صلى الله عليه وآله)، كما قال الله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنثبّت به فؤادك ورتّلناه ترتيلاً)
(2).
فإن الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأعمق تأثيراً، وأكثر أهمية بالمرسل إليه, ويتطلب ذلك نزول الملك وتجديد العهد به، وتقوية آمال الرسول الخالصة، وتعاليه على كل المصائب والمصاعب والمشاكل التي تعترض الرسالة الكريمة. فكان القرآن الكريم يأمر الرسول بالصبر فيقول تعالى: (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً...) وينهى الرسول (صلى الله عليه وآله) عن أمر في قوله:
(ولا يحزنك قولهم إنّ العزّة لله جميعاً)
(3).
ليس القرآن كسائر الكتب العلمية التي تؤلف للتعليم والبحث العلمي، وإنما هو عملية تغييريّة شاملة للإنسان كله، في روحه وعقله وإرادته، والهدف الأساس بناء اُمة توحيديّة وصنع حضارة كريمة شاملة، ومثل هذا العمل الكبير لا يمكن أن يكون عفوياً ويقع مرة واحدة، بل لا بد من التدرّج فيه. ولهذا كان ضرورياً نزول القرآن الكريم تدريجاً لترسيخ عملية البناء وإنشاء جيل متين رصين، مجتثّاً بذلك جذور الجاهلية الاُولى ورواسبها وشوائبها بحكمة وأناة، وأوضح مثال لذلك هو عملية تحريم الخمر التدريجية.
كانت الرسالة الإسلامية المباركة تواجه الكثير من الاتهامات والشبهات وأسئلة المشركين، فلذا كان على الرسول أن يواجه التحدّيات بالموقف والتفسير المتناسبين، وذلك لا يتم بشكل سليم إلاّ بشكل تدريجي؛ لأن طبيعة هذه المواقف المعادية هي تدريجية, فتحتاج الى معالجة ميدانية فائقة. ولعل قوله تعالى يشير الى ذلك:
(ولا يأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحقّ وأحسن تفسيراً)
(4).
فالحمد لله الذي منّ علينا بهذا الكتاب العزيز الذي قال فيه: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون).


(1) هود: 1.
(2) الفرقان: 32.
(3) يونس: 65.
(4) الفرقان: 33.