اليوم الثالث من صفر المظفر
ولادة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) (على رواية)
في مثل هذا اليوم
المبارك من سنة (57 هـ) ولد الإمام الباقر (عليه
السلام)، فغمر بيت الرسالة والنبوّة السرور والبهجة، احتفاءً
بميلاده الكريم، وهو قد سبق الأئمة المعصومين في كونه أول وليد ينتهي نسبه
الى علي (عليه السلام)، واُمه فاطمة بنت
الإمام الحسن (عليه السلام) التي وصفها
الإمام الصادق (عليه السلام) بأنّها صديقة لم
تدرك في آل الحسن امرأة مثلها، فهو هاشمي من هاشميين وعلويّ من علويين.
وهو خامس الأئمة المعصومين الذين نص عليهم رسول الله
(صلى الله عليه وآله) ليخلفوه في قيادة الاُمة الإسلامية، وقد عاش
في كنف جدّه الحسين خمس سنوات تقريباً، وترعرع في ظل أبيه السجاد علي بن
الحسين (عليه السلام)، وقد شهد واقعة الطّف
الأليمة مع أبيه وكان طفلاً. وقد لقبه رسول الله
(صلى الله عليه وآله) بالباقر قائلاً: إنّه يبقر العلم بقراً، بعد
أن بشّر المسلمين بولاته وبدوره العظيم في إحياء الشريعة بعد إذ يطمسها
حكام الجور.
لقد عاش الإمام الباقر طيلة حياته في المدينة المنورة، ولقد روى الصحابي
الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه)،
حيث قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له محمد، يبقر علم الدين
بقراً، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام).
ولقد عانى الباقر من ظلم وجور الاُمويين منذ أن ولد والى أن استشهد، ماعدا
فترة قصيرة جدّاً هي مدة خلافة عمر بن عبد العزيز التي قاربت السنتين
والنصف. فعاصر أشدَّ أدوار الظلم الاُموي، كما أشرف على نهاية هذه الطغمة
الجاهلية وتجرّع الآلام والمآسي.
لكنه مع كل ذلك استطاع أن ينشئ جيلاً إيمانياً كبيراً من الفقهاء والعلماء
والمفسرين، حيث كانوا يقصدونه من كل بقاع العالم ويتتلمذون له.
معالم من شخصيته (عليه السلام)
لقد تميّز هذا الإمام
العظيم (عليه السلام) بالمواهب الروحية
والعقلية العظيمة، وبالفضائل النفسانية والأخلاقية العالية، وتميّز لحسبه
ونسبه الوضّاء المشرق.
ولقد كان جامعاً للكمالات الإنسانية في سيرته وسلوكه، فكان مستحقاً للإمامة
الكبرى بعد أبيه زين العابدين (عليه السلام).
فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كان
أبي كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر الله، وآكل معه الطعام وإنه
ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه
لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلاّ الله. وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع
الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا ومن كان لا يقرأ أمره بالذكر).
والتعامل الاجتماعي مع الاُمة في عصره له مصاديق كثيرة، فعن الحسن بن كثير
قال: (شكوت الى أبي جعفر محمد بن علي الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بئس الأخ
يرعاك غنيّاً ويقطعك فقيراً)، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمئة درهم
فقال: (استنفق هذا، فإذا نفدت فأعلمني).
وفي العلوم الفكرية، هذا عبد الله بن عمر يسألوه عن مسألة فإذا عجز أرسل
السائل الى الإمام الباقر (عليه السلام)،
فيأتي السائل الى الإمام فيرى الإجابة كاملة، ثم يعود الى ابن عمر فيخبره،
فيقول: (إنهم أهل بيت مفهّمون). من حِكمه:
أ ـ قال (عليه السلام): (مادخل قلب امرئ شيء
من الكبر إلاّ نقص عقله مثل ما دخله من ذلك قلّ أوكثر).
ب ـ وقال (عليه السلام): (إيّاك والكسل
والضجر، فإنّهما مفتاح كلّ شرّ، إنّك إن كسلت لم تؤدِّ حقاً، وإن ضجرت لم
تصبر على الحق).
ج ـ وقال (عليه السلام): (الأعمال ثلاثة: ذكر
الله على كلّ حال، وانصافك الناس من نفسك، ومواساة الأخ في المال).
وكان الإمام (عليه السلام) كريماً سخياً يحب
الفقراء ويكرمهم، وكان يعتق العبيد، وكان واصلاً لأصحابه، فهو لا يمل من
صلة المؤمنين، مع أنه كان أقلّ أهل بيته مالاً وأكثرهم مؤونة.
وكان من الأئمة المتقين العابدين لله كثيراً، كثير الخشوع، كثير الدعاء،
خصوصاً في سجوده، وكان كثير المناجاة والذكر لله تعالى.
|