اليوم الأخير من صفر المظفر
شهادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة 203 هـ

لقد استشهد الإمام الكاظم (عليه السلام) في 25 رجب فتولّى الإمامة بعده الإمام الرضا (عليه السلام)، وكان قبل ذلك يعرّف به الإمام الكاظم (عليه السلام) ويمهّد له.
وكان (سلام الله عليه) يمتاز بصفات جليلة عظيمة، فإنه ماجفا أحداً قط، ولا قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما ردّ عن حاجة قدر عليها البتة، ولامدّ رجليه بين يدي جليس له قط، ولم يسمع منه أحد في يوم ما أنّه شتم أحداً من مواليه أو مماليكه. كان ضحكه التبسّم، وكان قليل النوم بالليل، كثير الصوم بالنهار، كثير الصدقة بالسرّ.
ومن فضائله ومناقبه: العلم، والتواضع، والكرم والسخاء، والهيبة في قلوب الناس.
لقد برز الإمام الرضا بروزاً ظاهراً وواسعاً في عهد (المأمون) العبّاسي حتى خشي (المأمون) منه على سلطته وعرشه، ولذلك اتخذ نهجاً مع العلويين معيّناً، وسياسة اُخرى غير أسلافه، حيث لم يجد بدّاً من ذلك، وهي التهادن والاعتراف لهم بحق الولاية؛ لا متصاص النقمة وإقناع الرأي العام بالخط المعتدل، وكسب الأنصار، ونخفيف الضغط، الذي ينوء به كلكله جراء المعاملة الغاشمة الظالمة لحكّام بني العبّاس لآل البيت (عليهم السلام) وأنصارهم.
فابتدع (المأمون) نهجاً لتحديد الإمام الرضا (عليه السلام)، إذ بايع الإمام (عليه السلام) لتولي ولاية العهد بدل التنازل للإمام (عليه السلام) بالخلافة والولاية، واضطرّ الإمام (عليه السلام) لقبول ولاية العهد مكرهاً، وكان على علم بما يدبّره ويكيده الخليفة العباسي له ولشيعته؛ ولذا ثبّت في شروطه لقبول ولاية العهد ما يلي: أنه لا يأمر ولا ينهى، ولا يولّي ولا يعزل، ولا يتكلم بين اثنين في حكم ولا يغيّر شيئاً هو قائم على اُصوله. وكان على بيّنة مما ستؤول إليه الاُمور، وقد أوضح ذلك لأحد خواصّه. وبعد أن حصلت البيعة الشكليّة المصطنعة للإمام الرضا (عليه السلام) طلب (المأمون) العباسي منه أن يخطب بالناس، فألقى الإمام (عليه السلام) خطبة وجيزة قال فيها: (إنّ لنا عليكم حقاً برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكم علينا حق به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم...).

شهادته (عليه السلام):

لقد كان الإمام الرضا (عليه السلام) يعلم بأنه سوف يقتل، وذلك لروايات كثيرة وردت عن آبائه (عليهم السلام)، إضافة الى العلم اللدنّي الإلهامي لديه (عليه السلام). كما أن (المأمون) قد قتل أخاه (الأمين) بسبب اعتلاء عرش الحكم، فهو يجد حرجاً ومضايقة بزعمه، وهو يريد القضاء على الإمام تحت ستار ولاية العهد؛ لكيلا تكتشف جريمة اغتياله للإمام مستقبلاً.
لكن الإمام (عليه السلام) كان يعلم كل ذلك، وكيف لا وقد أخبر عن ذلك جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بل إنّ بعض الأتقياء يحدّدون وقت وفاتهم أوسنة وفاتهم لرؤيا رأوها أو إلهام إلهي ألهموا به.
وقد أخبر الإمام (عليه السلام) جماعة من الناس بأنّه سيدفن قرب هارون العباسي، بقوله (عليه السلام): (أنا وهارون كهاتين)، وضم اصبعيه السبابة والوسطى.
وحينما أراد (المأمون) إشخاصه الى خراسان جمع عياله وكان (عليه السلام) يقول:
(إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليّ حتى أسمع، ثم فرّقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت: أما إنّي لا أرجع الى عيالي أبداً).
وقد سمّه (المأمون) برمانة على أغلب الروايات، وكان أهل طوس يرون أن (المأمون) سمّه، وقد اعترف (المأمون) أيضاً بتهمة الناس له، فقد دخل على الإمام (عليه السلام) قبيل موته، وقال (المأمون) لبني العباس: فليس يجوز التهاون في أمره...
واستشهد الإمام الرضا (عليه السلام) عن طريق دسّ السم له، فمضى شهيداً مسموماً في السابع عشر (على رواية) وفي آخره على رواية اُخرى.
فسلام عليك يا أبا الحسن يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّاً.