|
السابع عشر من
شهر شوال المكرم
غزوة الخندق(غزوة
الأحزاب) سنة 5هـ على الرواية
بعد أن أجلى الرسول (صلى الله
عليه وآله وسلم) يهود بني النضير عن المدينة، قرر زعماؤهم إجراء
أعمال عدائية ضدّ المسلمين وذلك بالتآمر عليهم، فقدموا مكّة
ليحرضوا قريشاً على حرب المسلمين بقولهم: إنّا سنكون معكم عليه حتى
نستأصله، فلقد جئنا لنحالفكم على عداوة محمّد وقتاله، إنّ محمّداً
قد وتركم ووترنا وأجلانا عن المدينة من ديارنا وأموالنا. كما أنّهم
استخدموا أسلوبهم الملتوي حتى يوَثروا في قريش ويجذبونهم لجانبهم،
فأقرّوا لهم بأنّ ما عليه المشركون خيرٌ من دين محمّد، بالرغم من
أنّهم موحدون وقريش كفّار يعبدون الأصنام، فكانت هذه وصمة عار
أُضيفت إلى سجلّهم وتاريخهم المشؤوم.
وبذا فإنّهم شكّلوا اتحاداً ـ العرب واليهود ـ كما شاركتهم أحزاب
أُخرى، من بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، وهي غطفان
في نجد، وبنو سليم وبنو أسد وغيرها،ولذا سميت بمعركة الأحزاب، أو
معركة الخندق، لما قام به المسلمون من حفر خندق حول المدينة للدفاع
عنها.
وحينما جاء أحد رجال استخبارات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بأخبار خروج تلك القوة الكبيرة، شاور (صلى الله عليه وآله وسلم)
المسلمين في أساليب الحرب والدفاع، فاقترح سلمان الفارسي حفر خندق
حول المدينة، حتى يمكن تحديد الموقع الذي سيحاربون فيه العدو،
فشرعوا في حفره واشترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه في
أعمال الحفر مشاركاً للمسلمين همومهم وآلامهم، كما كان له دوره
المؤثر في تنشيط الآخرين ودفعهم للعمل السريع والاجتهاد فيه
والتدقيق. ووصل طول الخندق نحو خمسة كيلومترات ونصف الكيلومتر(5 و
5كم)، والعرض بمقدار خمسة أمتار، والعمق أيضاً خمسة أمتار، بحيث لا
يتمكن الفارس الماهر من عبوره بالقفز عليه. وانتهي من العمل فيه في
ستة أيّام. وفي هذه الفترة قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
في شأن سلمان: «سلمان منّا أهل البيت».
وقام العدو بحصار المدينة شهراً، وبلغ عدد جيش المشركين، عشرة آلاف
فرد، كان منهم أربعة آلاف من قريش، و 700 من بني سليم، و 1000 من
قبيلة فزارة، و 3500 مقاتل من بقية القبائل. أمّا عدد المسلمين فلم
يتجاوز 3 آلاف نزلوا في سفح جبل سلع في موضع مرتفع ومشرف على
الخندق، يمكن منه مراقبة تحركات العدو ونشاطاته.
ولما كان الموسم موسم شتاء، والطعام قليلاً، وطالت فترة الحصار ـ
شهر ـ فإنّ ذلك دفع المشركين إلى الاتّصال بيهود بني قريظة الذين
كانوا يعيشون داخل المدينة لمساندتهم، بالرغم من أنّهم احترموا
الميثاق الذي عقدوه مع الرسول إلا أنّ «حيي بن أخطب» تمكن من
إقناعهم بنقض ذلك العقد للوقوف مع الأحزاب في حرب المسلمين. وقد
تأكد رسولا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سعد بن عبادة و سعد
بن معاذ رئيسا الأوس والخزرج من موَامرة بني قريظة ونقضهم للعهد،
عندما توجها إلى حصونهم، فأخبرا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
بذلك.
وكانت خطتهم التآمرية تقضى بأن يقوم بنو قريظة بالإغارة على أهل
المدينة في الداخل، ويرعبوا أهلها ليخفف ذلك من الضغط على الكفّار
في موقع المعركة عند الخندق. إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) أرسل 500 من رجاله بقيادة «زيد بن حارثة و مسلمة بن أسلم»
لحراسة المدينة من الأعداء.
وأمّا في ميدان المعركة، فقد تمكن خمسة من شجعان المشركين من عبور
الخندق وعلى رأسهم «عمرو بن عبد ود العامري» فطلبوا المبارزة مع
أبطال المسلمين. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّكم
يبرز إلى عمرو أضمن له الجنة؟». فقام الإمام علي (عليه السلام)
قائلاً: «أنا له يا رسول اللّه»، والقوم اكسوا رؤوسهم، وكأنّ على
رؤوسهم الطير، وذلك لمكان عمرو وشجاعته المعروفة.
وبذا فقد برز الإمام علي (عليه السلام) وقال النبي «صلى الله عليه
وآله وسلم» هنا كلمته الخالدة: «بَرَزَ الإيمان كُلّه إلى الشرك
كلّه». وتمكّن الإمام علي (عليه السلام) من التخلص من عمرو والقضاء
عليه حين ضربه ضربة قوية على ساقيه فقطعهما، فكبّر الإمام علي
(عليه السلام) يعلن انتصاره ومقتل عمرو، ممّا كان له أثره في
العدو، فألقى الرعب في نفوسهم، فهربوا إلى معسكرهم تاركين الخندق،
وسقط أحدهم بفرسه في الخندق وهو: «نوفل بن عبد اللّه» فرماه الحرس
بالحجارة، ممّا جعله يطلب مقاتلة أحد المسلمين، فنزل إليه الإمام
علي «عليه السلام» فقاتله وقضى عليه في الخندق.
ونظراً لضربة الإمام علي (عليه السلام) المؤثرة ذات النتيجة
والفعالية، فقد قال عنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ضربة
علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» إذ لم يبق بيت من بيوت
المشركين إلا ودخله ذل بقتل عمرو بن عبد ود، على عكس ما حدث لبيوت
المسلمين، فقد دخله بذلك العزّ والافتخار، فالضربة كانت في الواقع
هزيمة للمشركين والأحزاب ونهاية لقوتهم، بالإضافة إلى الظروف
السائدة، من قلّة الطعام والعلف والبرد. |
|