اليوم الثالث من شوال
غزوة حنين وحصار الطائف 8 هـ

بعد فتح مكة واستبشار المسلمين بذلك لم يكفّ الشيطان عن إغرائه لأتباعه من الكافرين والمنافقين، فقد أعدت قبيلة هوازن وثقيف العدّة لمحاربة المسلمين، ظناً منهما أنهما يحققان ما عجزت عنه سائر قوى الشرك والنفاق من تدمير الإسلام. وعزم النبي (صلى الله عليه وآله) على الخروج لملاقاتهم، إلاّ أنه وطّد دعائم الإدارة الإسلامية في مكة قبل خروجه، كما هو شأنه بعد كل فتح، فعين معاذ بن جبل؛ ليعلّم الناس القرآن وأحكامه، كما عين عتاب بن أسيد للصلاة بالناس وإدارة الاُمور.
وخرج النبي (صلى الله عليه وآله) باثني عشر ألفاً من المقاتلين، وهي قوة هائلة لم يشهد المسلمون مثلها، مما أدى ذلك بهم الى الغرور والغفلة.
أما هوازن وثقيف فقد تحالفتا وخرجتا بكامل عدّتهم مع نسائهم وأطفالهم وكمنوا لإرباك جيش المسلمين، وحين وصلت طلائع جيش المسلمين الى أطراف الكمين أرغموها على الفرار، حتى فرّت جيوش المسلمين فزعاً من أسلحة العدو، ولم يثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ تسعة أشخاص من بني هاشم وكان عاشرهم ابن اُم أيمن. وفرح المنافقون بذلك كعادتهم، حتى خرج أبو سفيان يقول شامتاً: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال آخر: ألا بطل السحر اليوم، وعزم آخر على قتل النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوضع المضطرب.
وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) عمّه العباس أن يصعد على صخرة وينادي فلول المهاجرين والأنصار المدبرين قائلاً: يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، الى أين تفرّون؟ هذا رسول الله!.
وكأنما عاد الوعي بعد الغفلة وعاد الحماس بعد الإياس، فعاد المسلمون الفارّون للدفاع عن الإسلام والرسول (صلى الله عليه وآله) وقاتلوا بحماس منقطع النظير، ولما رأى الرسول (صلى الله عليه وآله) حماسهم قال: (الآن حمي الوطيس، أنا النبيّ لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب). فأنزل الله تعالى السكينة على المسلمين وأيّدهم بنصره.
فولّت جموع الكفر منهرمة تاركة وراءها ستة آلاف أسير وغنائم جمّة، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن تحفظ الغنائم وتراعى أحوال الأسرى، حتى يستكمل ملاحقة العدو الغاشم الى منطقة أوطاس ونخلة والطائف.
وبعد الحصار للطائف عفا الرسول عن الكثير منهم وخيّر الأسرى بين المال والأسر، فاختاروا الأسر، ثم عفا (صلى الله عليه وآله) عن مالك بن عوف، مثير هذه الحرب، فأسلم مالك هذا.
ثم خرج النبي بمن معه من الجعرانة الى مكة ثم منها الى المدينة المنورة، ومعه المهاجرون والأنصار الذين كانوا بصحبته، وانتهت تلك الفتنة.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين. آمين ربّ العالمين
(1).

(1) انظر أعلام الهداية (محمد المصطفى) ج 1 ص181.