|
بناء القبر الشريف
بقي قبر أمير المؤمنين عليه السلام
مخفيا عن الأنظار طيلة العصر الأموي (40-132هـ) ، ولم يطلع على
حقيقة القبر الشريف سوى الأئمة من أهل البيت عليهم السلام
والمخلصين من أتباعهم ، وقد أشار السيد ابن عنبة الداودي إلى
ذلك بقوله : (ولم يزل القبر مستورا لا يعرفه إلا خواص أولاده –
أي أولاد الإمام علي عليه السلام – ومن يثقون به بوصية كانت
منه عليه السلام ، لما علمه من دولة بني أمية من بعده
واعتقادهم في عداوته وما ينتهون فيه من قبح الفعال والمقال بما
تمكنوا من ذلك)().
ولما انهارت الدولة الأموية وقامت على
أعقابها الدولة العباسية عام 132هـ ، أخذ الإمام جعفر بن محمد
الصادق عليه السلام يتردد على مدينتي الحيرة والكوفة ويزور
القبر الشريف ، قبل إبرازه للوجود ، ومعه الخواص من أنصاره ،
وقد أخذ هؤلاء يؤشرون على موضع القبر الشريف لمن يثقون به من
الناس ، فحددوا موضعه من أرض الغري ، قريبا من النجف ، يسرة
الغري ، يمنة الحيرة ، بين ، ذكوات بيض().
وأوضح الإمام الصداق عليه السلام قدسية
الموضع الذي ثوى فيه أمير المؤمنين عليه السلام وثواب الصلاة
فيه بقوله : (الصلاة عند قبر أمير المؤمنين مائتا ألف صلاة)
وقوله : (مجاورة ليلة عند قبر أمير المؤمنين أفضل من عبادة سبع
مائة عام)().
وقد لعبت الأحاديث المروية عن الأئمة من
أهل البيت عليهم السلام حول فضيلة أرض النجف وقدسيتها دورا في
دفع الناس للزيارة ، ولعلها قد دفعت الوالي العباسي داوود بن
علي ، المتوفى عام 132هـ ، إلى عمل صندوق على القبر الشريف كما
روته بعض المصادر().
ولكن هذه المصادر لم تشر إلى كيفية وصوله إلى القبر الشريف ،
ولعل أحد المخلصين لآل البيت عليهم السلام قد أرشده إلى ذلك
وكان هذا الصندوق إشارة إلى سماح الدولة العباسية بالتردد على
أرض النجف وزيارة قبر أمير المؤمنين عليه السلام.
وكان هذا الانفراج في العلاقة بين العباسيين والعلويين قد منح
للناس الحرية في أداء مراسيم الزيارة ، وأشارت بعض المصادر إلى
أن داود بن علي أراد الوقوف بنفسه على حقيقة الأمر والكشف عن
سر المرقد الشريف ، فبعث غلاما له ليحفر موضع القبر .
ولما بان له الموضع ، عمل صندوقا عليه
وأصبح ماثلا أمام الناس().
وإذا أخذنا بصحة هذه الرواية ، فإنها تبرز البعد التاريخي
لظهور القبر الشريف في عهد الخليفة العباسي الأول أبي العباس
السفاح (132-136هـ) . ومما يعزز من صحة هذه الرواية العلاقة
الطيبة بين العباسيين والعلويين في هذه الفترة حيث كان
العباسيون في مرحلة انتقال سياسي وبحاجة كبيرة إلى العلويين في
سبيل تثبيت دولتهم الفتية ، وقد سمحت هذه العلاقة الطيبة
للإمام الصادق (عليه السلام) بالتردد على القبر الشريف في عهدي
السفاح والمنصوربصحبة صفوان الجمال وغيره من خواص اصحابه .
وذكر الشيخ علي الشرقي : إن ظهور القبر
الشريف كان في عهد أبي جعفر المنصور يوم كان في الهاشمية ، حيث
يجيء داود بن علي بن عبد الله بن العباس ويجعل على القبر
الشريف صندوقا خشبيا().
وهذا وهم إذ أن داود بن علي قد توفى في عهد أبي العباس السفاح
، وإن القبر الشريف قد ظهر في عهده وفقا لبعض الروايات . ولكن
الذي يطمأن إليه من تواتر الروايات أن الإمام الصادق عليه
السلام كان يتردد على مدينة الحيرة في عهد أبي جعفر المنصور
يوم كان في الهاشمية ومنها يرد أرض النجف ويزور القبر الشريف
مع عدد من أصحابه.
وقد أشيع أمر القبر الشريف بين الناس ،
وإلى ذلك أشار المحدث ابن شهر آشوب بقوله : (إن إظهار القبر
الشريف كان على يد الإمام جعفر الصادق عليه السلام().
وعقب المؤرخ الكنجي الشافعي على ذلك بقوله : (وهذا تحقيق في
غاية الحسن)()
ولعل تردد الإمام الصادق عليه السلام وأصحابه على القبر الشريف
دفع أبا جعفر المنصور إلى الوقوف على حقيقة الأمر ، فأمر مولاه
أن يأخذ معولا وزنبيلا ويأتي معه ليلا إلى الغري ويأمره بحفر
القبر الشريف . ولما وصل إلى موضع القبر ، قال له : (طم ذلك ،
هذا قبر أمير المؤمنين ، أنا أردت أن أعلم)().
وثمة رواية أخرى ، ولعلها أقوى الروايات
في بروز القبر العلوي الشريف تعود إلى عهد هارون الرشيد
(170-193هـ) ، تشير إلى ان الرشيد كان في رحلة صيد في منطقة
النجف . فلاحظ بعض الغزلان والحمر الوحشية المطاردة من قبل
كلابه وصقوره تحتمي بكثيب رمل ظاهر . وعند وصول هذه الحيوانات
إلى ذلك الكثيب ، تتراجع الكلاب والصقور عنها ، فأثار ذلك دهشة
هارون الرشيد . وبعد عودته إلى الكوفة ، استفسر من شيوخها عن
هذه الظاهرة في ذلك الموضع من الأرض فأخبره الذين لهم علم
بالموضوع بأنه قبر أمير المؤمنين عليه السلام().
ومن المحتمل أن الذين أخبروا الرشيد بحقيقة قبر أمير المؤمنين
عليه السلام قد رافق أحد الأئمة من آل البيت عليهم السلام إلى
أرض النجف لزيارة القبر الشريف.
وذكر الدميري : (أن أحد الكوفيون قال :
كنت أجيء مع أبي فيزور قبر أمير المؤمنين عليه السلام ، وأن
جعفرا كان يجيء مع أبيه محمد الباقر فيزوره ، وأن محمدا كان
يجيء مع أبيه زين العابدين فيزوره ، وأن عليا (زين العابدين)
كان يجيء مع أبيه الحسين فيزوره ، وكان الحسين أعلمهم بمكان
القبر)().
وتقول بعض الروايات : (إن الرشيد بنى
قبة لأمير المؤمنين عليه السلام وجعل لها أربعة أبواب)()
وقيل : إنه أنشأ صندوقا عقدت عليه القبة()
. وقد أشار أبو جعفر الطوسي إلى هذه القبة بقوله : (حدثني أبو
الحسن محمد بن تمام الكوفي قال : حدثني أبو الحسن بن الحجاج
قال : رأينا هذا الصندوق وذلك قبل أن يبنى عليه الحايط الذي
بناه الحسن بن زيد)()
وذكر الديلمي : (حكي عن جماعة خرجوا بليل مختفين الى الغري
لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ، قالوا : (فلما وصلنا إلى
القبر الشريف وكان يومئذ قبرا لا حجارة حوله ولا بناء عنده ،
وذلك قبل أن يظهره الرشيد وقبل أن يعمره)().
ووصف السيد ابن طاووس بناء القبر الشريف
نقلا عن ابن طحال سادن المرقد الشريف بقوله : (إن الرشيد بنى
عليه بنيانا بآجر أبيض أصغر من هذا الضريح اليوم – أي عصر ابن
طحال وهو القرن الخامس الهجري – من كل جانب بذراع ، ولما كشفنا
الضريح وجدناه مبنيا ، عليه تربة وجصا ، وأمر الرشيد أن تبنى
عليه قبة فبنيت من طين أحمر ، طرح على رأسها جرة خضراء ، وهي
في الخزانة إلى اليوم)().
وهذا يعني أن الجرة الخضراء بقيت في المرقد الشريف حتى القرن
الخامس الهجري ، بينما بدأ البناء في المرقد الشريف على أرجح
الروايات عام 175هـ ، وفي رواية أخرى عام 155هـ().
ومما يؤيد رجحان الرواية الاولى هو أن هارون الرشيد قد تولى
الخلافة عام 170هـ ، وفي عهده بدأت العمارة الأولى للمرقد
الشريف.
فذكر الدميري : أن أول بناء الرشيد كان
أول أساس وضع على القبر الشريف().
وقال القندوزي : (لم يزل قبر علي رضي الله عنه مختفيا إلى زمن
الرشيد ثم ظهر بالغري بظاهر الكوفة ، ويزوره إلى اليوم الناس ،
وصار قبره مأوى كل لهيف وملجأ كل هارب)().
وقام أمير الحاج الشريف عمر بن يحيى بن
الحسين ببناء ما هدم منه في زمن المتوكل العباسي وببناء قبة
قبر جده أمير المؤمنين عليه السلام من خالص ماله()،
وقد وصفت تلك القبة بالبيضاء().
وقام بعد ذلك السيد محمد بن زيد الداعي
العلوي ، المتوفى عام 287هـ ، (صاحب طبرستان) ببناء حصن فيه
سبعون طاقا().
وكانت هذه الطاقات كالزوايا التي أنشئت في العهد البويهي()
وهي عبارة عن غرف لسكن طلاب العلم والوافدين لزيارة المرقد
الشريف . وقد أمر السيد الداعي العلوي بإرسال الأموال من
طبرستان لتعمير لعتبات المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء
والمدينة المنورة ، وذلك في عهد الخليفة العباسي المعتضد بالله
(279-289هـ)()
كما أنه أعاد جميع القبور الدارسة للعلويين ، وشيد المشهدين
الشريفين العلوي والحسيني().
وطرأت على المرقد العلوي الشريف ، خلال
القرن الرابع الهجري ، تطورات عمرانية واسعة بدأها أبو الهيجاء
عبد الله بن حمدان (المتوفى عام 317هـ) الذي زاد في بناء
الداعي العلوي()
وجعل على المرقد الشريف حصنا منيعا ، كما بنى قبة مرتفعة
الأركان من كل جانب وفتح لها أبوابا وسترها بفاخر الستور
وفرشها بثمين الحصر الساماني().
وتعد عمارة السلطان عضد الدولة البويهي
(369-372هـ) للمشهد الحيدري الشريف من أفخم العمارات في القرن
الرابع الهجري . وبقيت هذه العمارة حتى عام 753هـ حيث تعرض
المرقد الشريف إلى حريق كبير().وذكر
المستشرق (دونلدسن) أن المشهد العلوي قد احترق عام 443هـ ، أي
بعد العمارة بأكثر من سبعين عاما().
ونقل السيد محسن الأمين عن العلامة
الشيخ عبد الرحمن العتاقي المجاور للنجف الأشرف في أواخر القرن
الثامن الهجري ، في آخر كتابه ((الأماقي في شرح الإيلاقي))
الموجود في الخزانة الحيدرية ، أن حرق المرقد الشريف حصل عام
755هـ وأن عمارته عادت بأحسن منها عام 760هـ()
ويبدو أن الحرق وقع مرة واحدة على عمارة عضد الدولة للمرقد
الشريف بين 753-755هـ وأن تاريخ العمارة يعود إلى عام 369هـ().
وقد وقع بعض الباحثين في وهم بالقول : في عام 338هـ()
لأن عضد الدولة لم يتسلم السلطة في هذا التاريخ.
وأصبحت النجف الأشرف في عهده مدينة
عامرة ، ومدينة علمية . وقد أشارت مجلة "المصور" المصرية إلى
ذلك بالقول : (وسر قوة النجف وأهميته الكبرى في العالم
الإسلامي إنه يضم رفات الشخصية الإسلامية العظمى علي بن أبي
طالب عليه السلام ، فضلا عن أنه أصبح منذ زمن بعيد دارا كبرى
للدراسات الدينية على طريقة المذهب الجعفري().
وقد أطلق الرحالة العربي ابن جبير على مرقد أمير المؤمنين عليه
السلام لفظ (بناء حفيل) وذلك في عام 580هـ()
. وقد أشار السيد ابن طاووس على بابي الوداع وحضرة النساء في
المرقد الشريف عام 587هـ().
وأخذ البناء في التواصل من قبل الخلفاء
والأمراء والموسرين من الناس ، فكان حاكم الموصل بدر الدين
لؤلؤ (606-587هـ) يرسل في كل سنة إلى مشهد الإمام علي
عليه السلام قنديلا من الذهب قيمته ألف دينار()،
ولما زار الخليفة العباسي المستنصر بالله (623-640هـ) مدينة
النجف الأشرف ، أمر بتعمير الضريح الشريف().
ولعل هذا الإعمار جاء بعد الزلزلة التي أصابت النجف الأشرف
والعراق عام 590هـ حينما سقطت الجبانة عند مشهد أمير المؤمنين
عليه السلام().
وقد حظي المرقد الحيدري الشريف بعد سقوط
الخلافة العباسية عام 656هـ/1258م باهتمام الملوك والحكام
المغول الإيلخانيين ومن بعدهم الجلائريين . فمنذ دخول المغول
مدينة بغداد فاتحين ، أرسل الأمير سيف الدين البتكيجي إلتماسا
إلى هولاكو طالبا منه مائة مغولي إلى مدينة النجف الأشرف
للمحافظة على مشهد الإمام علي عليه السلام وعلى أهلها()
وربما استجاب المغول لطلب الشيخ سديد الدين بن المطهر (والد
العلامة الحلي الحسن بن يوسف) عند مقابلته للسلطان المغولي
هولاكو ملتمسا منه سلامة أهلي الكوفة والحلة والمشهدين
الشريفين النجف وكربلاء().
وأصبح المرقد العلوي الشريف في القرن
الثامن الهجري في وسط مدينة النجف الاشرف ، تحيطه الأسواق
المتخصصة والمدارس العامرة ، وقد نالت إعجاب الرحالة العربي
ابن بطوطة الذي زارها عام 727هـ لقوله : ((كانت حول مرقد
الإمام علي عليه السلام المدارس والزوايا والخوانق ... ويدخل
من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة الصوفية من
الشيعة)) ، مشيرا لى أن القبة الشريفة مصنوعة من الفضة وأن
الحضرة مفروشة بأنواع البسط الحريرية وغيرها ، وبها قناديل
الذهب والفضة الكبار والصغار ، وفي وسطها مصطبة مربعة مكسوة
بالخشب المغطى بصفائح الذهب المنقوشة ، وأن سقف القبة مغطى
بستور من الحرير().
وقد بلغت عمارة المرقد الشريف رفعة
وروعة وجمالا في العهد الصفوي حتى لقد أطلق عليها لفظ
((العمارة الصفوية))()
بدءا من القرن الحادي عشر الهجري ، وإن العمارة القائمة في
الوقت الحاضر هي عمارة الشاه عباس الصفوي الأول().
وقد بوشر في هذه العمارة عام 1040هـ/1630م()
وذكر الشيخ علي الشرقي : أن الشاه عباس الأول ، عندما زار
العتبات المقدسة في العراق ، أمر بتجديد القبة العلوية وتوسيع
الحرم الشريف ، وجلب معه المهندسين والفعلة . ووجد حول مدينة
النجف الأشرف معدنا للصخر في غاية الصفاء ، فاقتلع منه ما يلزم
لتلك العمارة ، ودام العمل لمدة ثلاث سنين . وقد أشرف على
العمل الوزير ميرزا تقي المازندراني الذي أقام في مدينة النجف
طيلة المدة المذكورة لهذه الغاية().
وقد جهز الشاه عباس الأول المرقد الشريف
بالقناديل المذهبة والمفضضة والمفروشات الثمينة().
وكان الشيخ البهائي محمد بن الحسين العاملي المتوفى عام1031هـ
قد هندس الصحن الحيدري الشريف على الهيأة التي هو عليها الآن()
، وقام الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول باصلاحات واسعة على
عمارة جده بعد أصيبت بالتضعضع ، وأمر بتوسيع الصحن الشريف من
أماكنه الضيقة ، وأمر كذلك بتوسيع الحرم الحيدري وذلك بدأ من
عام 1047هـ/1637م وأكمل العمل في هذه المشاريع عام
1052هـ/1642م.
ومن الثابت أن الدولة العثمانية في
القرن الثامن عشر الميلادي قد منحت بعض الأسر النجفية المعروفة
(فرامين) تخولهم بالقيام بخدمة الروضة الحيدرية دون سواهم من
الأسر الأخرى . كما ساهم السلاطين والولاة والأمراء والقادة
والمحسنون من الناس بتعمير المرقد الشريف وترميمه طلبا لثواب
الله وشفاعة أمير المؤمنين عليه السلام حيث ورد في الحديث
الشريف أن رسول الله خاطبه بقوله : (يا أبا الحسن ، إن الله
سيجعل قبرك وقبر ولدك بقعة من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها ،
وإن الله عز وجل يجعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن
إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيكم ، فيعمرون قبوركم ويكثرون
زيارتها تقربا منهم إلى الله ومودة منهم لرسوله أولئك يا علي
المخصوصون بشفاعتي والواردون حوضي وهم زواري وجيراني غدا في
الجنة().
|