فيما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك

5- روى أبو عبد الله محمد بن علي الحسن بن عبد الرحمن العلوي الحسني في كتاب (فضل الكوفة)، بإسناد رفعه إلى عقبة بن علقمة، قال: اشترى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ما بين الخورنق[1] إلى الحيرة إلى الكوفة، وفي حديث آخر بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة، من الدهاقين بأربعين ألف درهم واشهد على شرائه، قال: فقيل له: يا أمير المؤمنين تشتري بهذا المال وليس ينبت قط ؟ فقال: سمعت من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول:
كوفان يرد أولها على آخرها، يحشر من ظهرها سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فاشتهيت إن يحشروا في ملكي.
هذا الحديث فيه إناس بما نحن بصدده، وذلك ذكره ظهر الكوفة إشارة إلى ما خرج عن العمارة إلى حيث ذكر.
والكوفة مصرت سنة سبع عشرة من الهجرة، ونزلها سعد في محرمها، وأمير المؤمنين دخلها سنة ست وثلاثين، فدل على أنه اشترى ما خرج عن الكوفة الممصرة، فدفنه بملكه أولى وهو إشارة إلى دفن الناس عنده. وكيف يدفن بالجامع ولا يجوز، أو بالقصر وهو عمارة الملوك، ولم يكن داخلاً في الشراء لأنه معمور من قبل.
6- وذكر محمد بن احمد بن داود القمي في كتابه ما صورته قال: أخبرني محمد بن علي بن الفضل قال: أخبرنا علي بن الحسين بن يعقوب من بني خزيمة قراءة عليه، قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن يوسف الأودي، قال: حدثنا علي بن (بزرج الخياط) قال: حدثنا عمرو بن اليسع، قال: جاءني سعد الإسكافي فقال: يا بني تحمل الحديث؟ قلت: نعم، فقال: حدثني أبو عبد الله (عليه السلام) قال:
لما أصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال للحسن والحسين (عليه السلام): غسلاني وكفناني وحنطاني واحملاني على سريري، واحملا مؤخره تكفيان مقدمه[2].
7- وفي رواية الكليني، عن علي بن محمد، رفعه قال:
قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما غسل أمير المؤمنين ثم نودوا من جانب البيت، إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره، وإن أخذتم مؤخره كفيتم مقدمه (رجعنا إلى تمام الحديث) فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن موضوع فألحداني، وأشرجا علي اللبن، وإرفعا لبنة مما عند رأسي فانظرا ما تسمعان، فأخذا اللبنة من عند الرأس بعدما أشرجا علي اللبن فإذا ليس في القبر شيء، وإذا هاتف يهتف: ((أمير المؤمنين كان عبداً صالحاً فألحقه الله (عز وجل) بنبيه (صلى الله عليه واله وسلم)، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو إن نبياً مات في الشرق ومات وصيه في الغرب لألحق الله الوصي بالنبي))[3].
8- وقال أيضاً: حدثنا سلامة، قال: حدثنا محمد بن جعفر المؤدب عن محمد بن احمد بن يحيى بن يعقوب بن زيد بن علي بن أسباط، عن احمد بن خباب قال: نظر أمير المؤمنين إلى ظهر الكوفة فقال: (ما أحسن ظهرك وأطيب قعرك، اللهم اجعل قبري فيها)[4].
9- وذكر الفقيه محمد بن معد الموسوي (رض) قال: رأيت في بعض الكتب الحديثية القديمة ما صورته: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد العزيز بن عامر الدهان، قال: حدثنا علي بن عبد الله الأنباري، قال: حدثني محمد بن أحمد بن عيسى ابن أخ الحسن بن يحيى، قال:
حدثني محمد بن الحسن الجعفري قال: وجدت في كتاب أبي، وحدثتني أمي عن أمها، إن جعفراً بن محمد حدثها: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر ابنه الحسن بن علي إن يحفر له أربع قبور في أربع مواضع، في المسجد، وفي الرحبة، وفي الغري، وفي دار جعدة بن هبيرة، وإنما أراد بهذا إلا يعلم أحد من أعدائه موضع قبره[5].
أقول: وهذا الكلام كان سراً وإلا لو ظهر ذلك أولاً لطلبوه منها، ولكن الوجه فيه ما ذكرته.
10- وذكر جعفر بن مبشر في كتابه في نسخة عتيقة عندي ما صورته:
قال: قال المدائني: عن أبي زكريا، عن أبي بكر الهمداني، عن الحسين بن علوان، عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته وعبد الله بن محمد، عن علي ابن اليمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي والقاسم بن محمد المقري، عن عبد الله يزيد، عن المعافا بن عبد السلام، عن أبي عبد الله الجدلي، قال:
استنفر علي بن أبي طالب (عليه السلام) الناس في قتال معاوية في الصيف وذكر الحديث مطولاً، وقال في آخره أبو عبد الله الجدلي وقد حضره (عليه السلام) وهو يوصي الحسن فقال:
يا بني إني ميت ليلتي هذه، فإذا أنا مت فغسلني وحنطني بحنوط جدك[6] وكفني وضعني على سريري ولا يقربن أحد منكم مقدم السرير فإنكم تكفونه، فإذا (حُمل المقدم) فاحملوا المؤخر، ويتبع المؤخر المقدم حيث ذهب. فإذا وضع المقدم فضعوا المؤخر ثم تقدم أي بني فصل علي وكبر سبعاً فأنها لا تحل لأحد من بعدي إلا لرجل من ولدي يخرج في آخر الزمان يقيم اعوجاج الحق، فإذا صليت فخط حول سريري ثم أحفر لي قبراً في موضعه إلى منتهى كذا وكذا، ثم شق لحداً فإنك تقع على ساجة منقورة ادخرها لي أبي نوح وضعني في الساجة، ثم ضع علي (سبع لبنات) كبار، ثم ارقب هنيئة ثم انظر فإنك لن تراني في لحدي[7].
11- ووجدت مروياً عن (ابن بابويه)[8] ما هو أظهر من هذا في معناه: حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي بالكوفة، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدثني علي بن حامد الوراق، قال: حدثنا أبو السري إسماعيل بن علي بن قدامة المروزي، قال: حدثنا أحمد بن علي بن ناصح، قال: حدثني جعفر بن محمد الأرمني، عن موسى بن سنان الجرجاني، عن أحمد بن علي المقري، عن أم كلثوم[9] بنت علي قالت:
آخر عهد أبي إلى أخوي (عليه السلام) إن قال: يا بني إذا أنا مت فغسلاني ثم نشفاني بالبردة التي نشفتم بها رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وفاطمة، ثم حنطاني وسجياني على سريري، ثم انظرا حتى إذا ارتفع لكما مقدم السرير فاحملا مؤخره، قالت: فخرجت أشيع جنازة أبي، حتى إذا كنا بظهر الغري، ركن المقدم فوضعنا المؤخر، ثم برز الحسن بالبردة التي نشف بها رسول الله وفاطمة، فنشف بها أمير المؤمنين، ثم أخذ المعول فضرب ضربة فانشق القبر عن ضريح فإذا هو بساجة مكتوب عليها (سطران بالسريانية): ((بسم الله الرحمن الرحيم ـ هذا قبر ادخره نوح النبي (صلى الله عليه) لعلي وصي محمد قبل الطوفان بسبعمائة عام)).
قالت أم كلثوم: فانشق القبر فلا أدري أغار سيدي في الأرض، أم أسري به إلى السماء، إذ سمعت ناطقاً لنا بالتعزية يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيدكم وحجة الله على خلقه.
 

 



[1] هو قصر النعمان الأكبر، ويقال له الأعور، ذكره أئمة اللغة والتاريخ، وذكرته العرب في أشعارهم وهو قديم، وفي أيام الدولة العباسية أقطع الخورنق لإبراهيم بن سلمة وهو أحد الدعاة في خراسان، وأحدث فيه قبة لم تكن من قبل، وكانت عامرة إلى زمن الرحالة ابن بطوطة كما قال: وكانت به عمارة وبقايا قباب ضخمة في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات.
والخورنق اليوم ما هو إلا تلول وأنقاض وبإزائه السدير ويقصدهما السياح وطلاب الآثار، ويبعدان عن النجف ستة أميال.
[2] ورد الحديث في تهذيب الأحكام 6: 106/3، الكافي 1: 457/9، مدينة المعاجز 3:62، زينة المجالس 1:490، بحار الأنوار 42:213/14.
[3] انظر: المناقب 2: 349، زينة المجالس 1: 491، خصائص الأئمة: 64، التهذيب 6:106، أعلام الورى: 202.
[4] ارشاد القلوب 2: 439، وذكره المجلسي في بحار الأنوار 100: 232 و42: 216.
[5] البحار 42: 214، أعيان الشيعة 1: 535.
[6] في تاريخ دمشق (ترجمة الإمام علي) عن هارون بن معد قال: كان عند علي (عليه السلام) مسك أوصى إن يحنط به وقال: ((فضل من حنوط رسول الله)) انظر تاريخ دمشق 42: 563.
[7] ورد في بحار الأنوار 42: 215/16. وفي الفصول المائة 5: 500.
[8] هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الحسن، قال النجاشي: شيخ القميين في عصره، ومتقدمهم، وفقيههم، وثقتهم .
كان قدم العراق، واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود، يسأله إن يوصل له رقعة إلى الصاحب (عليه السلام) ويسأله فيها الولد. فكتب إليه: ((قد دعوا الله لك بذلك، وسترزق ولدين ذكرين خيرين)). فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد. له مصنفات كثيرة. وتوفي (رحمه الله) في سنة 329هـ.
[9] روي (رض) أنه (عليه السلام) قال لأم كلثوم: يا بنية إني أراني قل ما أصحبكم، قالت: وكيف ذلك يا أبتاه؟ قال: إني رأيت رسوله الله (صلى الله عليه واله وسلم) في منامي وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا علي لا عليك قد قضيت ما عليك، قالت: فما مكثنا حتى ضرب تلك الضربة. انظر: المناقب 2: 311، روضة الواعظين: 135.