مدرسة النجف في دور الانتصار الأصولي*

ازدهرت الحركة الفكرية والعلمية في مدينة النجف الأشرف في القرن الثاني عشر الهجري ، بعد الصراع الفكري الذي احتدم اواره بين الأصوليين والاخباريين ، وشهدت النجف في هذا القرن توسعا في علوم الفقه والأصول والأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الرجال وغيرها ، ويقول الشيخ علي الشرقي : " ومن القرن الثاني عشر ابتدأت المركزية العلمية في النجف ، واصبحت هذه المدينة جامعة كلية ضمنها كليات عديدة لكنها بصورة غير منتظمة مبثوثة ومبعثرة فيها كلية للآداب ، وكلية للفقه وكلية للرياضيات والفلسفة وعلم الكلام وعلم الأخلاق وعلم الحديث وعلم الفقه ، ولكن الصبغة العامة فيها والرونق الجلي فيها هما للعلوم الدينية " [1] .
وكان يرافق حركة الازدهار والنهوض هذه تشييد المدارس الجديدة ، وقد خصص بعضها لجماعات من الطلاب الوافدين من أقطار إسلامية كالترك والهنود والتبت والبادكوبيين والأفغان ، اضافة إلى المدارس الأخرى التي يعيش في أروقتها العرب والفرس وغيرهما من القوميات التي استوطنت النجف ، وتثقفت بالثقافة العربية الإسلامية .
وقد تميز القرن الثاني عشر الهجري بظاهرة الصراع العلمي بين الأصوليين والاخباريين وذلك بوجود أعلام كبار من الفريقين على الساحة العلمية كالشيخ يوسف البحراني المتوفى عام 1186 هـ / 1772 م الذي يمثل الجناح الاخباري ، والشيخ الوحيد البهبهاني المتوفى عام 1206 هـ / 1791 م ، الذي يمثل الجناح الاصولي ، وكان الصراع واسعا في مدينة كربلاء في هذه الفترة أكثر منه في مدينة النجف الأشرف ، وقد إستقر العلمان الكبيران ( البحراني والبهبهاني ) في مدينة كربلاء واصبحت هذه المدينة محور الصراع الحاد بين الاخباريين والاصوليين ، وكان مجلس الوحيد البهبهاني محاذيا لمجلس الشيخ البحراني [2] . ومما يؤيد اتساع فجوة الخلاف بين الفريقين هو اصدار الشيخ الوحيد البهبهاني فتوى تشير إلى بطلان الصلاة خلف الشيخ يوسف البحراني ، ولكن الشيخ البحراني قابل هذه الفتوى بروح رياضية فأفتى بصحة الصلاة خلف الوحيد البهبهاني [3] . وقد لعب تلميذاه العلمان الكبيران الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب " كشف الغطاء " ، والسيد محمد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم دورا بارزا في تثبيت الإتجاه الأصولي ، وبعد وفاة الشيخ الوحيد البهبهاني عام 1206 هـ / 1791 م أخذت مدرسة النجف الأصولية في التصاعد ، ومدرسة كربلاء الاخبارية بالأفول ، فاتجهت الأنظار إلى المدرسة النجفية ، فقد انجبت في هذه الفترة عددا كبيرا من الأعلام ، وهاجر إليها الكثير من طلبة العلم ، وألفت فيها الكتب الأصولية والفقهية والفلسفية والرجالية وغيرها ، وبرزت أسر احتضنت العلم لفترة طويلة كآل البلاغي ، وآل الجزائري ، وآل الطريحي ، وآل محي الدين ، وآل كاشف الغطاء ، وآل بحر العلوم ، وآل الخمايسي وآل النحوي وغيرهم من الأسر النجفية العلمية ، إضافة إلى الأعلام الذين هاجروا إلى النجف في هذه الفترة من الأقطار العربية والإسلامية . ومما يلاحظ في هذه الفترة نمو الحركة الأدبية في النجف لأشرف ، فقد كانت تساير العلوم والمعارف السائدة يومذاك ، فقد كان الكثير من الفقهاء شعراء وأدباء وقد نظموا القصائد الطوال في الفقه والاصول التي سميت بالمنظومات وان كان هناك من ينظر إلى الشعر والأدب نظرة تهوين واستخفاف ، وكان بعض الفقهاء يترفعون عن إن يوسموا بسمة الأدب والشعر خاصة [4] . ولكن هذا لم يكن حائلا من عقد الندوات الأدبية ومشاركة الفقهاء فيها ، وقد برزت في تاريخ النجف الأدبي في هذه الفترة " ندوة الخميس " أو معركة الخميس الأدبية ، التي كانت تعقد في يوم الخميس في دار الفقيه السيد محمد زيني ويلتقي فيها نخبة من الفضلاء والأدباء ويدور الحوار فيها حول مسائل العلم والأدب ، ومنها تمخضت المساجلة الشعرية الطريفة المعروفة بإسم معركة الخميس [5] . وقد امتدت مساجلاتها إلى القرن الثالث عشر الهجري .
وقد برز في النجف الأشرف أعلام بلغوا القمة في العلوم والمعارف ، وتسنم بعضهم منصب المرجعية العليا في القرن الثاني عشر الهجري ، فأصبحت دراستهم في مقدمة أعلام عصرهم تقديرا لمقامهم العلمي والفكري وهم :
1- الشيخ محمد باقر المجلسي الثاني ( 1111 هـ ) .
2- الشيخ أبو الحسن الشريف الفتوني ( ت 1138 هـ ) .
3- الشيخ أحمد الشيخ إسماعيل الجزائري ( ت 1150 هـ ) .
4- الشيخ يوسف بن أحمد البحراني ( ت 1186 هـ ) .
5- السيد شبر بن السيد محمد ثنوان الحويزي ( ت 1190 هـ ) .
6- السيد صادق بن السيد علي الفحام ( ت 1205 هـ ) .
7- الشيخ محمد أكمل ( الوحيد ) البهبهاني ( ت 1206 هـ ) .

 

العلم الأول الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي المجلسي الأصفهاني ( 111 هـ / 1699 م )

العلم الثاني الشيخ أو الحسن الشريف بن محمد طاهر الفتوني العاملي ( ت 1138 هـ / 1725 م )

العلم الثالث الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل الجزائري ( ت 1150هـ / 1737 م )

العلم الرابع الشيخ يوسف بن أحمد الدرازي البحراني ( ت 1186 هـ ، 1772 م )

العلم الخامس السيد شبر بن السيد محمد بن ثنوان الموسوي الحويزي (ت . 119 هـ ، 1776 م )

العلم السادس السيد صادق بن السيد علي الفحام الأعرجي ( ت 1204 هـ / 1789 م )

العلم السابع الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد اكمل ( الوحيد ) البهبهاني ( ت 1205 هـ ، 1790 م )

العلم الثامن الشيخ محمد مهدي بن ابي ذر النراقي الكاشاني ( ت 1209 هـ ، 1794 م )

 


*من كتاب المفصل للدكتور السيد حسن الحكيم ج4.
[1] الشرقي : ( الحركة العلمية ) مجلة لغة العرب ، الجزء السادس ، السنة الثالثة 1332 هـ / 1913 م ، ص 326 .
[2] الجابري : الفكر السلفي ص 384 .
[3] ن . م
[4] محي الدين : الحالي والعاطل ص 121 .
[5] عبد الحميد راضي : ( السيد أحمد الحسني البغدادي العطار ) مجلة البلاغ ، العدد التاسع والعاشر السنة الثالثة ص 101 .