الرئيسية      أرسل استفتائك    المفضلة  اتصل بنا 
 
  
   
مدرسة النجف من القمة إلى الانتكاسة


بدأت المواجهة بين المدرسة النجفية وحوزتها العلمية من جانب ، والحكومة العراقية ودوائرها من جانب آخر بعد ثورة 14 تموز عام 1958 م ، وأخذت بالتصاعد بعد هذا التاريخ إلى درجة الإصطدام المباشر ، وتصفية رجال المدرسة البارزين ، وأخيرا مراجع الدين الكبار ولكن الأحداث تشير إلى أن هذه المواجهة كانت خفية قبيل التاريخ المذكور وقد تصل إلى أحداث عام 1920 يوم قادت النجف جماهير العراقيين للثورة على الإنكليز ، وكان للمرجعية العليا الدور المتقدم في هذه الثورة وبعد تأسيس الحكومة الملكية عام 1921 م تحت اشراف السلطة البريطانية أخذت بالتصدي لأعلام الثورة من رجال العلم ، بعد أن كسبت بعض رجال العشائر إلى جانبها ، فكان التسفير إلى خارج العراق تحت غطاء العناصر الأجنبية أو الفارسية ، وكان على الحوزة العلمية منذ ذلك التاريخ أن تخطط للحفاظ على وجودها وعلى هيكلية مدرسة النجف بما يناسب مقامها العلمي ، ولكن الأمر كان على العكس وكلما تعالى صوت الإصلاح في هذه المدرسة ، تعرض إلى صوت أقوى منه لإخماده ، ولا نستعبد وجود عناصر زرعتها السياسة في أرضية المدرسة النجفية ساعدت على إخماد أصوات الإصلاح ، وقد أشارت الوثيقة الصادرة عام 1351 هـ / 1933 م إلى أهمية الإصلاح في إيصال صوت النجف إلى العالم بأسره ، وقد جاء فيها [1] :

" كان من الواجب بالضرورة أن يتدارك كبراء العلماء وأهل الدين هذا الخطر العظيم على الدين وأهله بأن يتجمعوا ويفكروا ثم يعملوا لإصلاح الهيئة العلمية على الموازين الشرعية ، بحيث ينتظم بها شؤون تحصيلهم وتأمين طرق معاشرهم حتى يتفرغوا للتحصيل ويقروا منهاجا دينيا علميا بأن يكون التدريس فيها للفقه الجعفري ومبادئه في الأصول والنحو والصرف والتفسير وأصول العقائد ويكون ذلك بنظر هيئة ممتحنة من أخيار أهل العلم ليجعلوا المناهج الصحيحة ويقوموا بهذا المشروع الجليل مع أشراف كبار العلماء ومراجعتهم في المهمات من دون مداخلة أي سلطة فيها لغيرهم " ، وقد عدت هذه الوثيقة أولى بوادر الإصلاح كما ورد فيها " حياة هذه الأمة وقد أوشكت على الموت " ، وقد وقع على هذه الوثيقة أعلام من اسر علمية نجفية معروفة وهم :

1- الشيخ عبد الرضا الشيخ راضي .
2- الشيخ هادي كاشف الغطاء .
3- السيد محمد علي بحر العلوم .
4- الشيخ عبد الكريم الجزائري .
5- الشيخ محمد حسين الأصفهاني .
6- الشيخ جواد الجواهري .
7- السيد عبد الصاحب الحلو .
8- السيد جعفر بحر العلوم .
9- الشيخ طاهر الحجامي .
10- الشيخ عباس أسد الله .
11- الشيخ محمد حسن المظفر .
12- الشيخ علي حسن الفرطوسي .
13- الشيخ موسى الدجيلي .
14- الشيخ عبد الحسين مبارك .
15- الشيخ عبد الرسول الجواهري .
16- الشيخ موسى دعيبل .
17- الشيخ خضر الدجيلي .
18- السيد محمد حسين القزويني .
19- الشيخ عبد الحسين مطر .
20- الشيخ عبد المحمد زاير دهام .
21- السيد علي شبر .
22- الشيخ محمد جواد الجزائري .
23- الشيخ محمد طاهر القريشي .
24- الشيخ ابراهيم الدجيلي .
25- الشيخ محمد علي البوشهري البحراني .
26- الشيخ محمد رضا كاشف الغطاء .
27- السيد عيسى كمال الدين .
28- السيد عبد المرتضى الخرسان .
29- الشيخ علي ثامر .
30- الشيخ علي الشهرستاني .
31- الشيخ محمد جواد مطر .
32- السيد موسى الجصاني .
33- السيد باقر السيد علي فياض .
34- الشيخ موسى قسام .
35- السيد حسين البهبهاني .
36- السيد جعفر الحكيم .
37- الشيخ حبيب الدجيلي .
38- الشيخ صادق الشيخ راضي .
39- السيد محمد أمين الصافي .
40- الشيخ محمد تقي الشيخ راضي .
41- السيد محمد حسن الحسني .
42- الميرزا مهدي الخراساني .
43- الشيخ منصور المختصر .
44- الشيخ عمران الدجيلي .
45- الشيخ مجيد الحلي .
46- الشيخ محمد حرز الدين .
47- الشيخ محمد حسين النجم .
48- السيد محمد الخلخالي .
49- الشيخ هادي الشيخ أحمد ثامر .

وقد تابعت جمعية منتدى النشر منذ تأسيسها عام 1353 هـ / 1935 م حركة الإصلاح في المدرسة النجفية ، وأرادت تحقيق ذلك بصورة واقعية ، وخطط العلامة الشيخ محمد رضا المظفر إلى إصلاح المنبر الحسيني كما يؤدي وظيفته الإرشادية وفق أسس علمية رصينة [2] ، وكان قانون الأحوال الشخصية في مقدمة الصراع بين الحكومة والمرجعية العليا ، فقد عارض الإمام السيد محسن الحكيم تشريع هذا القانون لأنه يصطدم مع أحكام الدين الإسلامي ، فقد رافع ذلك شيوع التيارات الإلحادية والإنحلال الخلقي في هذه الفترة ، وكان الإمام السيد الحكيم ذا موقف صارم من تشريع قانون الأحوال الشخصية بعد نشره في جريدة " الوقائع العراقية " برقم 188 ، والذي ألغى بموجبه جملة من القوانين الإسلامية ، وأعقب هذه الحركة اتساع المد الشيوعي ، وتعطيل الشعائر الحسينية ، واعتقال جماعة من رجال العلم ، فأقدم الإمام السيد الحكيم على إصدار فتواه بتكفير الشيوعية وتابعه مراجع الدين الآخرون ،وكان لهذه الفتوى دوي في الأوساط داخل العراق وخارجه ، وقد ورد في الأوساط داخل العراق وخارجه ، وقد ورد في التقرير السري للجلسة الختامية للمؤتمر العشرين للأحزاب الشيوعية والإشتراكية العالمية ، المنعقد في موسكو بعد صدور الفتاوى بعدة سنوات ما يلي : " أن فتوى الحكيم قد أخرت العمل التنظيمي للأحزاب الشيوعية والإشتراكية لسنوات عديدة " [3] .

وكانت الفترة الواقعة بين ( 1963 - 1968 م ) قلقة في طبيعة العلاقة بين الإمام الحكيم والحوزة العلمية من جانب والحكومات المتعاقبة في العراق من جانب آخر فقد استمرت مشكلة قانون الأحوال الشخصية عند مجيئة السلطة الجديدة بعد زوال حكومة عبد الكريم قاسم ولم تقدم هذه السلطة على إلغاء القانون المذكور وإنما حصلت مستجدات في الموقف بين الطرفين عند بروز حديثين مهمين هما : مشكلة الأكراد في الشمال ، ومشكلة شط العرب في الجنوب ، وكان السيد الحكيم قد عارض استخدام القوة ضد الأكراد ، ورأى أن القتل لم يكن حلا لهذه المشكلة ، وكانت المدة الواقعة بين ( 1968 - 1980 م) وهي التي تسلم فيها حزب البعث العربي الإشتراكي السلطة وعندها نشبت الحرب مع إيران وهذا مما إدى إلى اتساع الفجوة و بين المرجعية الدينية وفيها كسبت الحكومة الجولة بسبب عدم التكافؤ بين الطرفين ، مما أدى إلى إضعاف قوة المرجعية العليا ، فقد قامت حكومة أحمد حسن البكر بإجراءات مضادة للمرجعية منها : الإعتماد على رجال الدين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المؤازرين للسلطة ، وعدم إعفاء رجال العلم من الخدمة العسكرية من غير الموالين للسلطة والتضييق على الملتحقين بالجامعة النجفية ، وتحديد زوار العتبات المقدسة من خارج العراق ، والسعي على عدم إيصال الحقوق الشرعية لمدينة النجف الأشرف ، وأخيرا أقدام الحكومة على إلغاء " جامعة الكوفة " - في تشكيلها الأهلي - بعد تدهور العلاقة بين أحمد حسن البكر ،والإمام السيد محسن الحكيم ، وقد تجلى قرار الحكومة بتأميم الجامعة ، ومصادرة أموالها ، وإعتقال بعض أعضاء الهيئة الإدارية ، وقد أحست المرجعية العليا بوجود تصاعد طائفي بين صفوف الشعب العراقي بدأ بتضييق الشعائر الحسينية واعتقال الزوار القاصدين العتبات المقدسة ، وقد أشار الإمام السيد الحكيم إلى هذه الظاهرة عند لقائه برئيس الوزراء طاهر يحيى يوم 19 / 3 / 1964 م في النجف بقوله : " المفهوم السائد في الدولة في هذه الأيام بأن معاملات ( عبد القادر ) تنفذ ومعاملات ( عبد الحسين ) تؤخر وتترك ، كما أن هناك نعرات بلدية منبثقة من هذا ( عاني ) وهذا ( تكريتي ) ، وهذا ( نجفي ) ، وهذا ( كوفي ) [4] ، وقد اصيب بمرضه الأخير الذي أودى بحياته عام 1370 هـ / 1970 م وعندها أخذت الإنتكاسة في المدرسة النجفية تتسع ، وتتجرأ السلطة على اتخاذ الإجراءات الصارمة ضد مؤسسات المرجعية وكانت الفترة بين ( 1970 - 1980م ) عصيبة وخطيرة بعد وفاة الإمام السيد الحكيم ، وتولى الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي قيادة المرجعية العليا ،وقد استغرقت عقدا من الزمن ، وكانت فترة الحرب مع إيران من أعقد الفترات التي مرت بها مدينة النجف الأشرف وحوزتها العلمية ، فقد أقدمت الحكومة على تسفير الكثير من رجال العلم بتهمة " التبعية الإيرانية " وقد شملت بعض من ينتمي لاصول عربية خالصة ، وإعتقال العديد من الحوزويين بإتهامات سياسية ، وأقدمت على سلب الأموال والإستيلاء على البيوت ، وقد شاهدت مئات العوائل في المعتقلات بضمنهم الأطفال والنساء والمسنين ، وبحالة يرثى لها وهم ينتظرون إجراءات التسفير ، وقد إستهدفت الحكومة من ذلك الضغط على إيران في صراعها على شط العرب ، وإضعاف المدرسة النجفية ، فالنجف الأشرف على الرغم من محنتها الكبيرة بقيت محافظة على مركز المرجعية العليا للعالم الإسلامي ، فقد بقيت الزعامة الدينية المطلقة بيد الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في الفترة ( 1970 - 1992 م ) ومن بعده الإمام السيد علي الحسيني السيستاني ، على الرغم من محاولات إيران بنقل المرجعية العليا من مركزها في النجف الأشرف إلى قم ، وإجراءات الحكومة العراقية بتصفية رجال العلم والفكر في النجف ، وقد أصدر العلماء في لبنان حول " محنة الدين في العراق " وبيان عن " محنة النجف " جاء فيه : " أن الجامعة الدينية الكبرى في النجف تعيش في هذه الأيام محنة ناشيء من أقسى المحسن التي تعرضت لها في تاريخها القديم والحديث بما تعانيه الآن من أعمال تدل بظاهرها على أن وراء نوايا تستهدف إزالة المعالم الدينية من شخصيتها الروحية القيادية " ، واشار البيان إلى أن مكانة مدرسة النجف الدينية العالمية بالقول : " أن علماء النجف الأشرف كما هو شأن الجامع الأزهر ، تمثل مركزا دينيا عالما وجامعة إسلامية يجد المسلم نفسه مشدودا إليها ومرتبطا بها لعقيدته وعاطفته وملزما بالدفاع عنها وعن مقدساتها بالنفس والنفيس " [5] ، وقد تركزت محنة النجف الأشرف على الحوزة العلمية والمؤسسات الثقافية ولحق الكثير من أبناء النجف تعسف مقيت وظلم فاحش ويمكننا تحديد مواقع المحنة بما يلي :

1- تسفير العديد من رجال العلم والفكر والأدب .
2- تقليص الهجرة الدينية إلى النجف الأشرف .
3- التضييق على الشعائر الحسينية .
4- تصفية بعض خطباء المنبر الحسيني .
5- إلغاء الجمعيات العلمية والأدبية .
6- السيطرة على الإحتفالات الدينية .
7- الرقابة على المطبوعات وتحجيم النشر .
8- محاولات إيجاد بدائل للمرجعية الدينية .
9- تهديم المؤسسات الدينية تحت إطار التخطيط العمراني .
10- التصفيات الجسدية رجال العلم .

وفي الفترة الواقعة بين ( 1975 - 1980 م ) وهي التي تقع بين إتفاق الجزء المعقود بين العراق وإيران ، ونشوب الحرب بين الطرفين ، لم تخفف الحكومة العراقية من ملاحقة رجال العلم والفكر في النجف الأشرف ، وقد إزداد الأمر سوءا عند نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 م بقيادة الإمام السيد روح الله الخميني ، فوقفت الحكومة موقف المتخوف من الثورة وإمتدادها إلى العراق ، فقد جابهت الحكومة العراقية مؤيدي الثورة بالعنف والقسوة وإطلاق النار على المتظاهرين المبتهجين بنجاح الثورة ، وقد اعتقل الكثير من رجال العلم والشباب المثقف ، وإصدار حكم الإعدام على بعضهم ، وأحكام أخرى على البعض الآخر ، وقد ضرب طوق من التضييق على الإمام السيد محمد باقر الصدر ، وتشديد المراقبة على طرف العمارة حيث مساكن الكثير من رجال العلم ، وأعقب ذلك حظرا على الشعائر الحسينية ، وقد استمرت هذه الحالة القلقة في النجف حتى نشوب الحرب العراقية الايرانية في 22/9/1980م وفي بداية هذه الحرب روجت الحكومة العراقية اشاعة نقل الحوزة العلمية من النجف الأشرف إلى مدينة قم ، وجندت موظفي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، وبعض رجال الدين للتحدث بلسان الحوزة العلمية في النجف الأشرف [6] ، وفي الوقت نفسه كانت تقوم بتسفير العوائل بالجملة ، سواء كانوا من الحوزة العلمية أو من الكسبة بعد مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، وكلما تصاعدت نيران الحرب بين العراق وإيران يأخذ الضغط بالتزايد على رجال العلم في النجف الأشرف في سبيل إحراز تأييد للسلطة في هذه الحرب ، وتنظيم وفود لمقابلة رئيس الجمهورية المقبور صدام لتأييده وعرض الولاء له ، ونشر التصريحات المؤيدة للحكومة في الصحف والمجلات ، والمشاركة في المؤتمرات الإسلامية التي كانت عقد في مدينة بغداد لنصرة العراق في حربه مع إيران ، ولما رفضت أسرة آل الحكيم حضور هذه المؤتمرات تعرضت لمحنة قاسية ، وقد فشلت مساعيها مع الإمام السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي من أن يقول كلمته صراحة بالحرب مع إيران ، ووقف موقفا توفيقيا سليما غرضه الحفاظ على الحوزة العلمية في النجف الأشرف من أن تصاب بإنتكاسات جديدة ، وإذا استعرضنا أوضاع النجف في فترة الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 - 1988 م ) نقف على مظلومية النجف ومحنتها بوضوح ويمكن تحديدها بما يلي :

1- تصفية السيد محمد باقر الصدر عام 1980 م .
2- اعتقال آل الحكيم عام 1983 م .
3- حملات الإعدام برجال العلم وقادة الفكر .
4- إغلاق المدارس والمكتبات والمطابع .
5- تفسير الأسر العلمية .
6- إيقاف هجرة طلبة العلم العرب إلى النجف .

وكانت الحملة العنيفة ضد خطباء المنبر الحسيني لا تقل عن الحملة الموجهة ضد رجال الحوزة العلمية فأعتقل العديد منهم وأصبحوا في عداد المفقودين ومنهم : السيد جواد شبر ، والشيخ عبد الأمير أبو الطابوق ، والشيخ عبد الأمير سميسم ، والشيخ محمد علي الأيرواني وغيرهم ، وعلى أثر ذلك غادر العراق الكثير من الخطباء ورجال العلم .

وكان الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي يواجه هذه الحالة بشجاعة وقوة وبأس في سبيل الحفاظ على المدرسة النجفية وإعالة الكثير من أبناء الأسر العلمية التي فقدت أولياءها ، حتى أنه شخصيا تعرض لضغط الحكومة ومنعت طباعة مؤلفاته .

وأقدمت السلطة على تسفير عدد كبير من رجال العلم وفق قرار وزارة الداخلية المرقم " 2884 " والمؤرخ في 10 نيسان 1980 م القاضي بتهجير جميع الإيرانيين من العراق وغير الحاصلين على الجنسية العراقية ، وكذلك المتقدمين بمعاملات التجنس أيضا ممن لم يبت بأمرهم ، وقد استثنى القرار جماعة الأرمن الإيرانيين المقيمين في العراق واللاجئين السياسيين والعربستانيين ، وأصدرت الحكومة القرار السري برقم 31 / 12 / 2469 بتاريخ 22 / 4 / 1981 م الذي يقر بموجبه صرف أربعة آلاف دينار للزوج العراقي الذي يطلق زوجته التبعية الإيرانية إذا كان عسكريا ، وألفين وخمسمائة دينار إذا كان مدنيا حيث يتم بعد ذلك تهجير الزوجة المفجوعة إلى إيران [7] .

وقد أدت هذه الإجراءات إلى إضعاف الحركة العلمية في النجف الأشرف حتى عمد بعض رجال العلم إلى الإنزواء في بيوتهم حيث اختفى ذلك الحشد الهائل الذي كان يمتلئ به الصحن الحيدري الشريف عند صلاة المغرب من رجال العلم الذي وصفه الأستاذ زكي مبارك في الأربعينيات بقوله : " ثم مضيت فطوفت بالنجف وحولي جيش من أهل العلم والأدب والبيان " [8] ، فقد تبدد هذا الجيش بعد عام 1980 م ، وقد أخذت السلطة تضيق على رجال العلم من الخليجيين مما جعلهم يختارون الحوزات العلمية في إيران وفي مقدمتها مدينة قم ، وذكرت الدكتورة رباب الحسيني : لقد تضاءل دور مدارس النجف وتناقص عد طلابها في ظل الحكم البعثي وإزداد ذلك بعد الثورة الإسلامية في إيران 1978 - 1979 م لتتبوأ قم منذ ذلك الوقت مركز الصدارة الأكاديمية وفي ميادين الدعوة والوعظ والطباعة والنشر ، بينما تحتفظ النجف بحوزتها العلمية الشيعية ، بيد أن من الصعب التنبوء بمصير النجف العلمي والديني والسياسي لأنه من الصعب تقدير الآثار التي تركتها حملات القمع من قبل الدولة والنظام السياسي ضد كل من النجف وكربلاء وغيرها [9].

وأشار المستشرق الفرنسي " جان بيير لويزارد " في كتابه :

Pierre - Jean Luizard, la Formation de l'lrak Contemporain , paris CNRS , 1991 .

( تشكيل العراق المعاصر والدور السياسي للعلماء الشيعة في نهاية السيطرة العثمانية وفي لحظة تأسيس الدولة العراقية ) إلى ما يلي :

" أن النجف المجروحة من مداخيلها التقليدية والمهددة بوجودها كمركز تعليمي ديني ، والخاضعة لقمع دموي نال كل مراجعها العلمية ، تبدو اليوم وقد تهشمت وبات مستقبلها موضع تساؤل ، تواجه مدينة الإمام علي اليوم ولادة مدن منافسة لها استفادت من ضعفها الحالي مثل قم في إيران والسيدة زينب في سوريا [10] .

وكانت الإنتكاسة الأخيرة لمدرسة النجف العلمية أنها بدأت بعد إيقاف القتال مع إيران عام 1988 م ، وبلغت ذروتها بأحداث عام 1991 م ، حيث انتفضت النجف ومدن العراق الجنوبية ضد الحكومة وسقطت مؤسسات الدولة بيد الثوار ، ولكن أحداث النجف كانت مميزة عن أحداث المدن الأخرى ، ففي تاريخ 7 / 3 / 1991 م أصدر الإمامان السيد الخوئي ، والسيد السبزواري بيانين طالبا فيهما الحفاظ على ممتلكات الحكومة . ولكن الإنتفاضة قد أخمدت بعد أيام وسيطرت القوات المسلحة على مدينة النجف الأشرف وأخذت بتصفية جميع من ورد أسمه خلال فترة سيطرة الثوار على المدينة ففي يوم الخميس 21 / 3 / 1991 م تم احتجاز الإمام السيد الخوئي ، وإرساله بعد ذلك إلى بغداد مع ولده السيد محمد تقي الخوئي ، وقد اجتمع بهما الطاغية المقبور صدام ونشرت الصحف كلمة الإمام الخوئي معه وأشار أن الثوار هم من الغوغاء وأن اعمالهم لا صلة لها بالدين [11] ، ولعل هذه الكلمات كانت جزءا من الإعلام الحكومي لتشويه أهداف الإنتفاضة وفي مقابلة تلفزيون بغداد مع الإمام السيد الخوئي قال : انه لا يجوز قتل المسلم كما لا يجوز نهب الأموال وهتك الأعراض ، وتحدث سماحة السيد محمد تقي الخوئي عن مشاهداته في أثناء فترة الإنتفاضة في النجف [12] ، ولا شك أن ما نشرته الصحف جاء بعد موجة عارمة من الإرهاب والقتل والاعتقال التي مارستها السلطة والقوات المسلحة عند سيطرتها على النجف ، واعتقال رجال العلم وغيرهم على هيئة جماعات جماعات ، وبصورة عشوائية كلما وقع في أيديهم من رجال علم أو كسبة أو شباب أبرياء ، وقد شوهد الكثير من رجال العلم مكبلين في سيارات مكشوفة وهم في طريقهم إلى جهة مجهولة ، وأقدمت السلطة على تهديم المدارس الدينية والحسينيات بعد دخول الجيش إلى مدينة النجف الأشرف مثل حسينية المشاط ، وحسينية الأطرش وحسينية الحاجة البغدادية وغيرها وعند افتتاح الروضة الحيدرية في 22 صفر 1412 هـ ، الموافق ليوم 2 / 9 / 1991 م شوهدت تصدعات في القبة الحيدرية ، وإحراق باب الطوسي ، وباب السوق الكبير ، وتحطيم الباب الذهبي ، وتعرض الصندوق الخاتم لأضرار جسيمة ، وبتاريخ 10 / 9 / 1991 و تم إجراء مسح عام للمكتبات النجفية وإزالة ما تراه السلطة من كتب ممنوعة وأصبحت طعمة للنيران ، وشوهدت سيارة قلابة ترمي الكتب في نهر الفرات بالكوفة .

وقد شهدت مدرسة النجف في الفترة الواقعة بين ( 1991 - 2000 م ) تفاقم الإنتكاسة ، ويمكن تحديدها بما يأتي :

1- تصفية مراجع الدين .
2- هدم المؤسسات العلمية .
3- منع الشعائر الحسينية .

وفقدت مدينة النجف الأشرف في هذه الفترة المذكورة علمين كبيرين هما : الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي عام 1992 م ، والإمام السيد عبد الأعلى السبزواري عام 1993 م ، وكان تشييعهما قد تم بما لا تليق بمكانتهما العلمية والاجتماعية ، فقد دفن الإمام السيد الخوئي سرا ، ولم يحضر جنازته إلا القليل من رجال العلم ، وقد صلى على جثمانه الإمام السيد علي الحسيني السيستاني [13] ، وتم دفنه في مسجد الخضراء عند الفجر ، وسط إجراءات حكومية مشددة في يوم وفاته ، وقد تعرضت اسرة الإمام السيد الخوئي بعد وفاته لمضايقات السلطة فإعتقل أحد أبنائه وهرب آخر إلى خارج العراق ، وفي مساء 11 صفر 1405 هـ ، المصادف ليوم 21 / 7 / 1994 م قتل ولده السيد محمد تقي ، والسيد أمين نجل الحجة السيد رضا الخلخالي ، وولده وسائق السيارة في أثناء عودتهم من مدينة كربلاء حيث اعترضتهم سيارة حمل كبيرة ، وقد اتهمت وكالات الأنباء العالمية ، الحكومة العراقية بتدبير الحادث ، أما الإمام السيد عبد الأعلى السبزواري فقد كانت وفاته يوم 27 صفر 1414 هـ ، المصادف ليوم 16 / 8 / 1993 م ، وقد حمل جثمانه على سيارة عسكرية إلى الصحن الشريف دون تشييع وفي وسط حراسة مشددة ، ولم تألف النجف مثل هذا اللون من التشييع لمراجع الدين الكبار ، إذ تغلق الأسواق وتخرج مواكب العزاء ويشيع المرجع بما يليق بموقعه العلمي والاجتماعي .

وقد استشهد علمان كبيران هما : الشيخ مرتضى البروجردي ، والشيخ علي الغروي ، فقد تعرض العلامة البروجردي لأكثر من اعتداء قبيل استشهاده وكان الأخير يوم 13 / 1 / 1997 م حيث جاء الإعتداء الآثم يوم الأربعاء 22 / 4 / 1998 م بعد أداء مراسيم الزيارة للإمام الحسين عليه السلام فتصدت له سيارة مسلحة فأطلقت النار على السيارة التي تقله فإستشهد معه ثلاثة آخرون كانوا معه .

وتعرض بيت الإمام السيد علي الحسيني السيستاني إلى المداهمة المسلحة يوم 22 / 11 / 1996 م وأدى إلى مقتل أحد العاملين فيه ، وفي 8 / 4 / 1997 م تعرض موزعي الرواتب في مكتب الإمام السيد السيستاني إلى اعتداء وقد جرح في الحال إثنان ، وبعد يومية توفى السيد جابر الحلو متأثرا بجراحه ، وتعرض بيت المرجع الديني الشيخ بشير النجفي لإقتحام قاده مسلحون يحملون قنابل يدوية ، فأدى الحادث إلى مقتل إثنين من الجناة وجرح أكثر من عشرين كانوا في الدار وهم يستمعون لمحاضرة بمناسبة جرح الإمام علي عليه السلام في 19 رمضان ، وعلى أثر هذه المداهمات وضعت الحكومة حراسات مشددة على دور الإمام السيد علي السيستاني والسيد علي البهشتي ، والشيخ بشير النجفي ، وقد أحدثت جرائم الإغتيال والمداهمات موجة من الرعب في الأوساط الدينية والاجتماعية في النجف الأشرف في ظرف عصيب كانت تمر به الحوزة العلمية ، في الوقت الذي كان الإمام السيد السيستاني قد احتل مركز المرجعية الدينية العليا ، وقد أرادت السلطة تحجيم موقعه العلمي ، وتقليص نفوذه فأقدمت على إغلاق مسجد الخضراء الذي كان يصلي فيه ويلقي محاضراته على طلاب الحوزة العلمية ، وأصبح قابعا في داره الصغيرة الواقع في طرف البراق ، ولكن هذا لم يكن مانعا من تدفق المقلدين عليه من العراق وخارجه ، وأخيرا جاءت تصفية السيد محمد محمد صادق الصدر مساء الجمعة بتاريخ 19 / 2 / 1999 م ، فقد تصدت له ولولديه السيدين مصطفى ومؤمل ، فأردتهم قتلى في الشارع المؤدي إلى دارهم في الحنانة ، وقد أصدرت الحكومة بيانا استنكرت فيه الجريمة ، وطوقت النجف بقوة عسكرية كبيرة ، وقد أعلنت مدينة النجف الأشرف الحدادة لمدة أربعة ايام ، وكان صدى هذه الجريمة واسعا في مدينة بغداد وغيرها ، فأعلى الناس استنكارهم وخرجت المظاهرات وتصدت لهم السلطة بالعنف فأدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى ، وفي الحقيقة أن الفترة الواقعة بين ( 1970 - 2000 م ) لم تشهد النجف مثلها جراحة وشراسة في تاريخها الحديث والمعاصر ، فقد جندت الطاقات لإضعاف الحوزة العلمية على وفق مراحل متعددة ، ولا نستبعد أن يكون للأوساط الإستعمارية يد في ذلك وضمن سلسلة التصدي للتيارات الإسلامية في العالم ، فمنذ رحيل الإمام السيد محسن الحكيم عام 1970 م شهدت مدرسة النجف انعطافا خطيرا ، وقد تحمل أعباءه الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي بشجاعة ومقدرة ، بخاصة في فترة الحرب العراقية الإيرانية ، والأحداث الدامية في عام 1991 م وحتى انتقاله للرفيق الأعلى عام 1992 م ، وبعده برزت مرجعيات في النجف الأشرف ، وكان في المقدمة الإمام السيد علي الحسيني السيستاني ويعاصره كل من : السيد محمد سعيد الحكيم ، والشيخ علي الغروي ، والشيخ بشير النجفي ، والشيخ مرتضى البروجردي ، والسيد محمد علي الحمامي ، والسيد محمد الصدر ، والسيد حسين بحر العلوم ، وغيرهم ، عدا آية الله العظمى السيد علي البهشتي الذي آثر العزلة والإبتعاد عن التقليد والزعامة ، وشاءت الأقدار أن يرحل بعض هؤلاء إلى الدار الآخرة.

وشهدت الساحة فراغا ملموسا ، جاء نتيجة للتصفيات الجسدية لرجال العلم والفكر ، أو التسفير والهجرة من النجف لخارجها ، إضافة إلى هدم المؤسسات العلمية وإلغاء الجمعيات الأدبية ، فقد ساعدت الأحداث التي عصفت بالنجف من جهة ، وتوجهات الدولة إلى ما يسمى بالتطوير العمراني من جهة أخرى إلى إزالة المدارس الدينية الآتية :

1- مدرسة دار الحكمة للإمام السيد محسن الحكيم .
2- مدرسة دار العلم للإمام السيد أبو القاسم الخوئي .
3- مدرسة الإمام السيد اليزدي الثانية .
4- مدرسة آل الجزائري .
5- المدرسة البادكوبية .
6- مدرسة الخليلي الكبرى.
7- مدرسة البروجردي الكبرى .
8- مدرسة البروجردي الصغرى .

وأصبحت المدارس الدينية الأخرى عرضة لمداهمات رجال الأمن ، واعتقال الحوزويين فيها بحيث أصبحت بعض المدارس الدينية خالية من نزلائها ، وقد أقفلت أبوابها .



--------------------------------------------------------------------------------

[1] الوثيقة عند الحجة السيد محمد مهدي الخرسان في مكتبته في النجف الأشرف .
[2] حسن الحكيم : ( نجفيات الشيخ محمد رضا المظفر ) من بحوث الندوة الفكرية لإستذكار المآثر العلمية والأدبية والإصلاحية لعلامة المجدد المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر ص 96 .
[3] السراج : الإمام السيد محسن الحكيم ص 219 .
[4] السراج : الإمام السيد محسن الحكيم ص 235 ، ص247 .
[5] السراج : الإمام محسن الحكيم ص 327 - ص 328 .
[6] جريدة الثورة ، العدد ( 3748 ) بتاريخ 20 شوال 1400 هـ / 31 آب 1980 م .
[7] العباسي : البعد الدولي ص 93 - ص 94 .
[8] زكي مبارك : ليلى المريضة 2 / 36 .
[9] رباب الحسيني : ( مدينة النجف في كتابات المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين ) بحث في كتاب النجف الأشرف إسهامات في الحضارة الإنسانية 1 / 264 - 265 .
[10] قيس جواد العزاوي : " النجف وصفها بعض المستشرقين الفرنسيين " من كتاب ( النجف الأشرف إسهامات في الحضارة الإنسانية ) 1 / 292 .
[11] جريدة العراق ، العدد ( 4626 ) ، 5 رمضان 1411 هـ / 21 آذار 1991 م .
[12] ن . م .
[13] آية الله العظمى السيد علي السيستاني ص 4 .

 
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة زين الدين (قدس)للمعارف الإسلامية