|
النجف الأشرف في عصر القمة القرن الرابع عشر الهجري
يعد القرن الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي ، نقطة تحول كبرى في تاريخ النجف الأشرف العلمي والثقافي ، ففيها وصلت النجف قمة مجدها الفكري ، وأخذت مكانا واسعا في الأوساط العلمية في العالمين العربي والإسلامي ، فأصبحت كالأزهر قبلة القاصدين من سائر أرجاء المعمورة [1] ، وقد قيل : أن مصر من حيث طلبة العلم فقد بلغوا مراتب الألوف ، ولهم المصنفات الجديدة في كل فن وحق لها أن تسمى اليوم بدار العلم كالنجف [2] ، وفي المقارنة العلمية بين مدرسة النجف ومدرسة الأزهر يقول الدكتور مهدي المخزومي : " صحيح أن للأزهر أثره في حفظ اللغة وآدابها ولكن للنجف أثرها لأن الحياة في الأزهر لا تختلف عن الحياة في النجف ، وإذا كان للأزهر أثر فإنما هو قبل أن يوجد فيه هذا النظام الجديد يوم كان في الأزهر أمثال الشيخ محمد عبده يوم كانت الدراسة فيه تحكي تماما ما هو الآن في النجف وأساتذة الأزهر يومئذ لم يكونوا يجهلون قيمة النجف العلمية وكيف نجهل منزلتها وقد أنجبت لهم شخصية كبيرة كان لها أثرها العظيم في تسيير دفة الحركة الأدبية والصحافية في مصر ذلك هو السيد جمال الدين الأفغاني ، وهذا تاريخ حياته يحدثنا أنه تلقى مقدمات دراسته ومبادئها في النجف وارتحل عنها بعد أن ترعرع فيها واستفاد من مواردها العذبة التي كانت طافحة بشتى أنواع العلوم والفنون " [3] ، وكانت مدارسها ومعاهدها في الصحن الحيدري الشريف وأسواقها تموج برجال العلم وبطائفة من الروحانيين قوامها العلماء وطلاب العلوم الدينية والخطباء وأرباب المنابر من أولي الوعظ والإرشاد [4] ، وقد اتجه إليها طلاب العلم من كل مكان ، فعلى الصعيد المحلي ( فيما يخص العراق ) كانت النجف تشكل البورصة الفكرية لأكثر مدن العراق وقراه المهمة ، فكان للأفكار النجفية هيمنة على العراقيين ، وان للمقال النجفي أو القصيدة النجفية أو الرأي النجفي ميزة خاصة عن العراقيين [5] ، أما أثر النجف على الصعيد العالمي في المجالين السياسي والفكري فكبير ومؤثر إلى حد بعيد ، وانطلاقا من هذه الخاصية لمدينة النجف الأشرف انبثقت فكرة الاحتفال بالعيد الألفي بعد أن أقدمت الحكومة الإيرانية بإقامة الإحتفال العالمي الكبير بمدينة مشهد بمناسبة بمرور ألف عام على مولد شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المولود عام 385 هـ وذلك في عام 1385 هـ ، الموافق لعام 1965 م ، وقد تبنت الحكومة العراقية فكرة " الفية النجف الأشرف " فصدرت جريدة الثورة بعددها ( 365 ) تحمل عنوانا بارزا باللون الأحمر العريض جاء فيه : " العراق يحتفل بالعيد الألفي للنجف الأشرف " ، وتحته عنوان آخر أصغر منه جاء فيه : " توجيه الدعوة إلى العلماء للاشتراك في الاحتفال وعقد مؤتمر ديني وعالمي كبير " [6] ، وكان وراء هذه الفكرة الرسمية الحكومية أغراض سياسية بعيدة المرامي والأهداف ، وفي مقدمتها احتواء الحوزة العلمية في النجف الأشرف لصالح وزارة الأوقاف والشؤون الدينية والهيمنة على المرجعية العليا والدخول في أوساطها ، وأوردت جريدة النور في صفحتها الأولى هذه العبارة : " قرار الحكومة الوطنية بالاحتفال بالعيد الألفي لمدينة النجف الأشرف وانتقال الحوزة العلمية إلى المدينة المقدسة " [7] ، وقد رحبت بعض الأوساط العلمية والأدبية في النجف بهذا القرار دون معرفة أغراضه ومراميه ، وأشارت مجلة النجف إلى ذلك وقالت : أن هذه الفكرة تقترن بالعيد الألفي لمولد الشيخ الطوسي [8] ، وبما أن نية الحكومة تجاه هذه الفكرة لم تكن سليمة فأنها سرعان ما أخذت بالتلاشي وأخيرا تراجعت عن التنفيذ ، وقد حفزت الفكرة الألفية للنجف بعض الباحثين النجفيين إلى إصدار كتب في هذه المناسبة منها : 1- معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام ، للشيخ محمد هادي الأميني . 2- مصادر الدراسة عن النجف والشيخ الطوسي للشيخ محمد هادي الأميني والأستاذ عبد الرحيم محمد علي . 3- وادي السلام في النجف للأستاذ محسن عبد الصاحب المظفر . وكان الأجدر بالحكومة العراقية أن تحقق فكرة " الفية النجف " بالتعاون مع الحوزة العلمية والمؤسسات الثقافية في النجف على غرار " العيد الألفي لمدينة القاهرة والأزهر الشريف " الذي احتفلت به الحكومة المصرية ، ولا شك أن النجف في العراق كالأزهر في مصر [9] ، وقد أشار إلى ذلك الدكتور زكي مبارك بقوله : " ففي النجف معهد ديني يسير على أسلوب الأزهر في أكثر الشؤون ، وإن لم يستطع مسايرة الأزهر في الإنطباع بطابع الزمان " [10] ، ويعود السبب إلى رفض النجف هيمنة الدولة على مؤسساتها وأساليبها الدراسية ، وقد حاولت الحكومة العراقية منذ تأسيسها في عهد الملك فيصل الأول ( 1921 - 1933 م ) تحقيق هذا الهدف ، وجعل النجف كالأزهر في مصر [11] . ذلك الإستقلال الذي جعل بعض الباحثين يقرن النجف بالفاتيكان وقال أنها " فاتيكان الإسلام " [12] . ويقول رترام توماس : " أن الأماكن المقدسة في النجف وكربلاء تعد فاتيكان العراق " [13] . وقد أرادت النجف في مناهجها الدراسية ومعاهدها العلمية أن تكون حرة طليقة بصفتها صاحبة المركز الأعلى للامامية في العالم وإليها يرجع المسلمون في التقليد ومنها تستمد تعاليم أهل البيت عليهم السلام ، وقد أخذ خريجوها السير وفق خطاها في العالم فأسسوا مدارس على غرار المدرسة النجفية [14] . وقد أشار إلى عالمية هذه المدرسة الكاتب المصري الأستاذ محمد ثابت المصري بقوله : أنها معقل الشيعة أو رأس المفكرة للشيعة [15] . وبناء على هذه الخاصية لمدينة النجف الأشرف أصبح لها موقعا بارزا في الحركة العلمية والأدبية ، وقد أمكننا دراستها على الصعيدين الآتيين : الصعيد العلمي تركزت الزعامة الدينية في النجف الأشرف وقيادة العالم الإسلامي بدءا من القرن الخامس الهجري يوم حط الرحال فيها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460 هـ ، وأخذت في التوسع والنمو حتى أنها بلغت الذروة في القرن الرابع عشر الهجري ، والجزء الأكبر من القرن العشرين ، فقد احتضنت النجف المرجعية الدينية العليا ، وحصل الكثير من فقهائها درجة الإجتهاد نتيجة الحصيلة العلمية والتأليف الرصينة والفكر المبدع ، ولم يكن الامتحان الجامعي المألوف في العالم له موقع في المدرسة النجفية ، وإنما قياس التقدم والنجاح هو الرأي والتحصيل الذاتي الموصل إلى الإجتهاد والأعلمية ، ويجب أن تتوفر في المرجع ثلاث صفات بارزة هي : الأعلمية والورع والعدالة ، ولذا انحصر هذا المنصب العالي بأعلام عظام كبار بعد عصر الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1281 هـ الذي ختم به القرن الثالث عشر الهجري وكانوا هؤلاء على التوالي الزمني وهم : 1- الإمام السيد محمد حسن الشيرازي ( ت 1312 هـ ) . 2- الإمام الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني ( ت 1329 هـ ) . 3- الإمام السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي ( ت 1300 هـ ) . 4- الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي ( ت 1300 هـ ) . 5- الإمام الشيخ فتح الله الأصفهاني ( شيخ الشريعة ) ( ت 1300 هـ ) . 6- الإمام الشيخ محمد حسين النائيني ( ت 1355 هـ ) . 7- الإمام السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني ( ت 1365 هـ ) . 8- الإمام السيد محسن الطباطبائي الحكيم ( ت 1390 هـ ) . 9- الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( ت 1410 هـ ) . 10- الإمام السيد علي الحسيني السيستاني (أدام الله ظله ) . وسوف نفرد دراسة مستفيضة للمراجع العظام الواردة أسماؤهم ، بصفتهم يمثلون الطبقة العليا في زعامة المدرسة النجفية ، ويليهم فقهاء وعلماء آخرون ممن آلت اليهم المرجعية بصورة محدودة ، وقد عاصروا المراجع العظام ، ونافس بعضهم في المرجعية علماء الطبقة العليا في ظرف من الظروف . وقد بلغت مدرسة النجف الأشرف مجدها الذهبي في عصر هؤلاء المراجع الكبار عدا فترة انتكاسة شهدتها النجف في الفترة المحددة بين ( 1970 - 2003 م ) وقد شهدت أواخر عهد الإمام السيد الحكيم ، واستمرت في الهبوط حتى عهد السيد السيستاني ، فقد لعبت السلطة العراقية دورا كبيرا في تحجيم الحوزة العلمية وتقليص نفوذ المرجعية العليا ، وساعدت الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 - 1988 م ) على عملية الهبوط في الحوزة العلمية ، وقد أدت هذه الحرب إلى اعتقال العديد من رجال العلم وتصفية الكثير منهم جسديا وهجرة الآلاف إلى خارج العراق سواء عن طريق الإكراه أو التسفير الحكومي أو عن طريق الإختيار ، وقد انسحب الأمر على تقليص الحركة الأدبية ايضا ، فقد عانى الأدباء والشعراء معاناة العلماء والفقهاء . ومن الملاحظ كان للأسر العلمية النجفية موقع بارز في مدرسة النجف فقد نبغ منهم مراجع تقليد وفقهاء وأصوليون ، وخطباء وأدباء وشعراء وكتاب ، وحظيت مجالس بعضهم العلمية والأدبية برواد كان لهم بسوق العلم والأدب نصيب وافر ، وكانت هذه المجالس بمثابة نواد ومنتديات يلتقي فيها الفقيه والأصولي والشاعر والكاتب وغيرهم من أصحاب المعارف ، ويمتزج فيها العالم الفقيه بالكاسب والتاجر ومع الطبقات الإجتماعية الأخرى ، وكانت تضم أعلاما من مدن العراق كافة إضافة إلى الجاليات الأجنبية الوافدة إلى النجف للتحصيل العلمي أو العمل والتجارة ، وقد ساير الأدب النجفي ، الفقه والأصول والفلسفة وعلم الكلام والمنطق وعلوم أخرى ، فالطالب النجفي يستقي العلم من هذه الموارد وفق الطريقة الإسلامية المعروفة ، دون أن يتلقى الأستاذ أجرا ولا يتحمل الطالب عبئا ماليا وذلك تنزيها للعلم من التكسب والاتجار ، وعن أية وسيلة تجر منفعة دنيوية [16] . ويتكفل مراجع الدين العليا برواتب التدريسيين والطلبة ، وهذا مما شجع طالب العلم على الدراسة في مدينة النجف ، وعند إكمال هؤلاء تحصيلهم العلمي فإنهم يعودون إلى مدنهم علماء مرشدين أو خطباء واعظين ، وقد يفضل بعضهم البقاء في النجف ليقضي فيها بقية حياته بين الدراسة والعبادة والتأليف ، ويقوم بعضهم بإرشاد الناس في القرى والأرياف وبخاصة في شهر رمضان ، ثم يعودوا إلى النجف وبذلك يلتحم العلم بالعمل تحقيقا للرسالة الإسلامية [17] . ويكلف المرجع الديني الأعلى أحد تلاميذه بالسفر إلى مدينة ما في العراق أو خارجه ليقوم وكيلا عنه بإرشاد الناس وتبليغهم الشعائر الإسلامية ومحتويات رسالة المجتهد الفقيه [18] . وقد امتهن بعض رجال العلم وظيفة الكتابة عند رؤساء العشائر العربية في وسط العراق وجنوبه ، أو امتهان الخطابة الحسينية ، فإن الكثير من هؤلاء قد تخرجوا من مدارس النجف [19] ، وفي كثير من الأحيان يرسل المرجع الديني الأعلى من له خبرة اجتماعية لحل المنازعات العشائرية وإصلاح ذات البين وفض الخصومات دون إراقة الدماء ، وقد أشار " موبرلي " إلى أثر النجف الإجتماعي في المناطق الواقعة خارجها بقوله : أن مدينة النجف تتسلم جميع الأخبار عن طريق القادمين إليها من كل مكان ، وإن نفوذها يمتد إلى جميع العراق وخارجه ، وباعتبار النجف أقدس مدينة عند الشيعة ومقرا للمجتهدين ، وأعطت للنجف والنجفيين نفوذا كبيرا [20] . وأصبح لكثير من أعلام النجف مقام رفيع في المدن التي يحلون فيها . وقد إمتزج طالب العلم الأدبي بغيره من الطلاب الذين يقصدون النجف من الأقطار العربية والإسلامية ، وكانت اللغة العربية ، لغة التخاطب لدى جميع القوميات التي تعيش في مدينة النجف ، ويقول الأستاذ الشريفي : " هذه المدينة التي ضمت الدنيا إليها من الصفر بحيث لا تقاس بسائر المدن الكبيرة كلندن وباريس ، إلا كما تقاس القطرة إلى الغدير ، ولكنك تجد فيها الأجناس البشرية المتباينة ، أمتها من مختلف أنحاء العالم قاصية ودانية ، فسكنت فيها لدوافع وأغراض شتى فمنهم من قطنها بقصد ارتشاف نمير العلم من منهله العذب ، وآخرون للمتاجرة ، فهناك العربي السعودي إلى جنب الهندي والأفغاني يحاذي النجدي والإيراني بقرب اليماني والزنجي يجاور البحراني إلى آخر هذا العرض العجيب الذي يزخر بمختلف الجنسيات والنزعات ، إلا أن الطابع العربي الصميم يغلب على المدينة [21] . ويقول الأستاذ محمد مهدي الجواهري : " ويأتي إلى النجف طلاب العلم والشعر والأدب من كل أنحاء العالم من جبل عامل في لبنان ، في الإحساء والقطيف في الجزيرة العربية ، ومن مناطق الخليج الأخرى التي كانت آنذاك كيانات قبلية لم تكتسب بعد بشكل دول وإمارات ، وإضافة إلى العرب ، كانت النجف محطا لكل الوافدين عليها من كل أنحاء الأرض ، الوجوه الشقر مما كان يسمى حينئذ بروسيا القيصرية ، والآن بالإتحاد السوفيتي أي جمهورياته المسلمة المتعددة ، والوجوه السود من العبيد والمساكين المبتاعين ، وفيما بين هذا وذاك من لون ولون وكل الألوان الأخرى ، فيما بين بلاد الهند والأفغان وإيران وحتى من المسلمين في دول البلقان " [22] . وأشار الشيخ محمد جواد مغنية إلى الخليط الجنسي في مدينة النجف الأشرف في أوائل القرن العشرين بقوله : " تضم مدينة النجف أناسا من بلاد شتى ، ففيها من إيران والأفغان وروسيا والهند والتبت والبحرين والحجاز وسوريا ولبنان والعراق " [23] . وكان لهذه القوميات العلمية القاطنة في النجف دور في إيصال الفكر الإمامي الشيعي إلى أقطارها وبلغتها المحلية ، ويقول الشيخ محمد أبو زهرة : " والنجف في بلاد العراق بها طائفة كبيرة من علماء المذهب ، هم أشد العلماء عناية بفحصه ودراسته وتذليل سبله ، وتسهيل الإطلاع عليه ، ويقصد إليها طلاب العلم الإثنا عشري من كل بلاد العالم الإسلامي التي ينتشر فيها الشيعة ، وأنها مقصودة لذاتها من الإمامية ، لأن بها ضريح الإمام علي كرم الله وجهه ، وهو رأس الأئمة وأبوهم ، فيجيء إليها الإمامية من كل حدب ومكان عميق " [24] . وبقيت النجف على مدى ألف عام يتهافت عليها طلاب العلم وغيرهم من أبعد المناطق [25] . ويقول الدكتور يوسف عز الدين : " وفي العراق أكبر جامعة شيعية هي النجف الأشرف التي تخرج للعالم خيرة علماء الشيعة ، وكانت إيران أحدى هذه الأقطار ، فكان طلاب النجف بالأمس علماء إيران وقادة الرأي اليوم " [26] . وما هو الآن في إيران هو نفسه في سوريا ولبنان ودول الخليج العربي وأفغانستان وباكستان والهند وتركيا وأقطار من القارة الأفريقية وأجزاء من مناطق روسيا ، ودليلنا على ذلك إنه في عام 1954 م أعلنت وزارة العدل اللبنانية أنها ستجري امتحانا لمنصب القضاء الجعفري ويشترط في المشرح أن يكون حائزا على شهادة الدروس الدينية العليا من النجف [27] . وقد حاول الشيخ سليمان الأحمد ( علامة الجبل العلوي ) والشيخ حبيب آل ابراهيم المهاجر استدراج العلويين إلى العقيدة الشيعية الإمامية ، وقد أيد الإمام السيد محسن الحكيم هذه الفكرة ، وكانت بوادرها مجيء السيد محمود مرهج والسيد محمد السعيد إلى النجف الأشرف ، وبعدهما بدأ العلويون يواصلون دراستهم في النجف ، ففي عام 1950 م كانت البعثة العلوية تضم عشرة طلاب [28] . وأعطى الأستاذ أمين الريحاني بعدا عالما لمدينة النجف الأشرف ، ولكنه مشبوب بفكر وهابي جاء فيه : أن الحجاز قد جاءته عقائد من البصرة والنجف ، فأثرت فيهم فبنوا القباب فوق القبور وعلقوا الرقاع فوق الأشجار ، ومضى بعد ذلك بالفكر نفسه فيقول : إن النجديين انغمسوا في عقائد وعبادات جاءتهم من النجف ومن الأهواز [29] . ومن الغريب أنه قد أشار إلى العقائد والشعائر وأطبق عن الآثار والفكرية والثقافية التي غرستها النجف في منطقة الحجاز على غرار ما حصل في مناطق العالم الأخرى وتناسى أن القطيف كانت تسمى " النجف الصغرى " وإن في مدينة جارا الهندية مدرسة تسمى " باب النجف " وأنها تصدر تفسيرا للقرآن الكريم أسمه " تفسير النجف " [30] . وفي الهند مدينة كاملة تعرف بـ " نجف الهند " ولمكانة مدينة النجف في نفوس الهنود فقد اتخذت لفظة النجف كاسم من أسماء الأعلام الشائعة في الهند ومن علمائها الذين اسمهم "نجف " هم : نجف علي مير فيض أبادي ( ت 1254 هـ / 1838 م ) نجف علي بن روش علي ( ت 1255 هـ / 1840 م ) نجف علي نو نهروي ( ت 1261 هـ / 1845 م ) نجف علي بن غلام علي ( ت 1873 هـ / 1926 م ) [31] . ويقول الأستاذ إسحاق نقاش : أخذت النجف منذ أوائل القرن العشرين تمارس تأثيرا دينيا وسياسيا هائلا يتخطى حدود العراق بكثير وأنها قد أفلتت من السيطرة الحكومية الفعالية طيلة شطر كبير من العهد العثماني ، وتجسد وضعها شبه المستقل وصورتها الذاتية بوصفها العصب المركزي العظيم للعالم ، في تصوير الشيعة والكتاب الغربيين لها على أنها قلب العالم وأنها : عالم في مدينة ، وأنها متلقية كل أخبار العالم [32] . ويقول الأستاذ إسحاق نقاش : " أن مجتهدين كبارا يقيمون في العراق العثماني بدأوا يتصرفون منذ أواخر عام 1908 م وكأنهم ( رؤساء دول ) وفي تشرين الأول وجه ثلاثة من مجتهدي النجف الكبار : محمد كاظم الخراساني وعبد الله المازندراني وحسين مرزا خليل رسائل إلى القنصل البريطاني والقنصل الروسي والقنصل الفرنسي والقنصل الألماني في بغداد بمعنى أن التنازلات الإيرانية للأجانب تنازلات لاغية وأن ما يمنح في المستقبل من قروض إلى إيران لن يسدد ، وفي مناسبات متعددة في 1909 - 1910 م دعوا إلى استحداث ( صندوق التسليف الوطني الإيراني ) لتسديد ديون إيران الخارجية وتفادي الحاجة إلى طلب المزيد من القروض الأوربية [33] ويقول الأستاذ إسحاق نقاش : أن عدد الطلبة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بين ( 10 - 15 ألف ) طالب ويعطي تقدير بريطاني عن النجف أعد عام 1918 تقديرا أكثر تحفظا حيث حدد عددهم بحوالي ستة آلاف طالب ، وأن عددهم كان ثمانية آلاف طالب في مطلع القرن العشرين [34] ، وفي عام 1939 م اقترحت قائممقامية النجف إعفاء الطلاب العرب الذين يدرسون في النجف من دفع الإتاوة أسوة بالموظفين من أرباب العقود الذين تستقدمهم الحكومة من الخارج للتدريس وغيره ، وطلبت من وزارة الداخلية الموافقة ، وقد حصلت فعلا [35] . وقد أشار الأستاذ علي الزين إلى الثقافة النجفية وآثارها بالطلبة اللبنانيين بقوله : وكان لهذه المدارس مع تعاقب الرحلات العلمية إلى النجف ، وتأثر المهاجر منهم بالثقافة النجفية والآداب العراقية نتائجها القيمة في توجيه الأفكار نحو الحياة العلمية وعملها المؤثر في إحياء الروح الأدبية وتوطيد الأسس لهذه النهضة المباركة [36] . وفي الحقيقة أن لبنان كانت في مقدمة الأقطار المتأثرة بالنجف وفكرها ، فقد أدخل علماؤها في الحوزة العلمية اللبنانية مناهج الدراسة في النجف ، وأدخلت شيئا من الحداثة في بعض الجوانب الإدارية التي كانت وما تزال تفتقدها النجف [37] . وفي مقدمتها أساليب الدراسة القائمة على التنظيم والسائرة وفق الخط الجامعي الحديث ، وإذا عاد طالب العلم اللبناني من النجف بعد إكمال دراسته ، فأنه يبقى مرتبطا بالنجف علميا وأدبيا فيتذكر حلقات الدرس واماسي الأدب وأصوات المناظرات . وكانت منطقة القطيف والإحساء في الجزيرة توفد أبناءها للدراسة إلى النجف ، وعند إكمال تحصيلهم العلمي يعود بعضهم إلى بلادهم ويؤثر الآخرون بالبقاء وأصبح في القطيف عدد كبير من خريجي الجامعة النجفية بحيث سميت بالنجف الصغرى [38] . وكذلك الحال بالنسبة للبحرين والأهواز قد تأثرتا بأسلوب الدراسة النجفية ، ويعود السبب إلى كثرة الخريجين من النجف ، ويقول الأستاذ السلام : " أن معظم مدرسي هذه المدارس والمكاتب وشيوخها أما أهوازي استكمل دراسته في النجف ، وأما نجفي ألقى رحاله هناك وقام بمهمة التدريس وكلما نجد عالما أو مدرسا أو أديبا منهم لم يمض بضعة أشهر أو بضع سنين في معاهد النجف [39] . ويخضع عدد طلاب مدرسة النجف للظروف الإجتماعية والتطورات السياسية من وقت لآخر ، فقد بلغ إثنا عشر ألفا بعد الإحتلال البريطاني وتناقص العدد كثيرا [40] . ويقول السيد محمد حسين فضل الله : أن حوزة النجف هي التي استطاعت منذ أكثر من ألف سنة أن تحفظ للتشيع كل فقهه وأصوله وكل فلسفته ومنهجه ، لأنها الحوزة التي تميزت بالعلماء والفلاسفة لايزال الناس في إيران ولبنان وغيرهما يعيشون على فتات موائد علمهم [41] . وفي عام 1318 هـ / 1900 م زار النجف السيد القوجاني فيقول : " لاحت لي من بعيد معالم النجف وبيوتها على هيئة قرية خربة سألت رفيق الطريق : أهذه هي النجف ؟ قال : نعم ، هذه المدينة التي تبدو كالقرية الصغيرة ، كيف طبقت شهرتها الآفاق حتى أن كل مجتهدينا يفخرون بأنهم قد ذهبوا إليها ، ويتحدثون عنها بحلاوة ولا يشبعون من لذة الحديث [42] . ويقول الأستاذ محمد علي الحوماني : " إذ ليس للشيعي ثقافة تنبثق من غير فجر النجف ففي إيران والأفغان وتركستان والهند والصين شعراء عباقرة في لغات مختلفة قد انبثقت عبقريتهم من النجف لأن دعاة الثقافة منهم دينية كانت أو أدبية إنما هم رسل النجف إلى تلك الأقطار " . ويقول : " وفي العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين شعراء عباقرة في اللغة العربية ومن الشيعة انبثقت عبقريتهم من النجف ، وكانوا صادرين عن هذه الجامعة أو عما هو صادر عنها " [43]. وقد علل الأستاذ محمد كرد علي هجرة طلبة العلم اللبنانيين إلى النجف بقوله : " بعد تخريب لبنان الشيعية بدأ الطلبة يذهبون إلى النجف الأشرف ليدرسوا في مدارسها التي هي للشيعة بمثابة الأزهر في القاهرة والزيتونة في تونس لأهل السنة " [44] . أما صلات مدرسة النجف بأفريقيا فإنها بدأت عام 1381 هـ ، فقد وفد إلى النجف الطالبان جبرائيل كمارا ومحمد فؤاد بادو من مدينة كنما في سيراليون ، وقد خصص لهما الإمام السيد محسن الحكيم راتبا شهريا وأساتذة أكفاء في اللغة العربية والفقه والتفسير والتاريخ [45] . وقد وقف الدكتور علي الوردي على الجاليات العربية والإسلامية في النجف وشاهد المدارس والمؤسسات العلمية فيقول : " من يزر النجف يجد ذلك واضحا فيها فهذه المدينة تعد الآن مركز التشيع في العالم الإسلامي كله ، حيث يجتمع فيها الفقهاء والطلاب من مختلف الأقطار الشيعية ، وقد زرت النجف مرة وحظيت فيها بمقابلة المرجع الديني الأكبر السيد محسن الحكيم ، وأعترف أني لم أشهد إنكبابا على طلب العلم وتنافسا فيه كمثل ما شهدت لدى هؤلاء الناس " [46] . فإن المشايخ الذين تصدرهم النجف بعد حصولهم على درجة الإجتهاد والإجازات العلمية ، فإنهم يقومون برعاية الفكر الإمامي في أوطانهم ويتصدر بعضهم للفتيا والأمور الشرعية وبعضهم يعتلي المنابر للوعظ والإرشاد ، وفي الحقيقة أن الخطابة لون من ألوان الدراسة الدينية في النجف الأشرف ، لان الخطيب لابد له من دراسة الفقه والأصول والفلسفة والتفسير والتاريخ والأدب وغيرها من العلوم وقد أنجبت النجف فحول الخطباء وخرجت العديد منهم ، وكانت تصدر الخطباء إلى المدن والقرى من داخل العراق وخارجه ، ويقضي الكثير منهم شهر رمضان والمحرم وصفر في المناطق البعيدة عن النجف . وأصبح لبعض هؤلاء الخطباء شهرة عالمية كبيرة كالشيخ أحمد الوائلي ، والسيد جواد شبر ، والشيخ محمد علي اليعقوبي ، ولا شك أن مدينة النجف الأشرف قد برزت على الصعيد العالمي عن طريق أبنائها الذين يجوبون الأقطار حاملين رسالة النجف السامية ، فكان بعضهم يحملها عن طريقة الوكالة من المرجع الديني الأعلى ، وبعضهم عن طريقة المنبر الحسيني ، وبعضهم عن طريق المؤتمرات والندوات ، وبعضهم عن طريق النشر والتأليف وقد ساهمت النجف في إصدار الموسوعة الفقهية للمذاهب الإسلامية التي دعت إليها جامعة الأزهر ، فقد شكلت لجنة علمية في كلية الفقه في النجف للمساهمة في هذه الموسوعة فيما يتعلق بالفقه الإمامي [47] . وشاركت النجف في المؤتمر الكبير الذي عقدته جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب ، وساهمت في إحتفال باكستان بمرور أربعة عشر قرنا على مولد الإمام علي عليه السلام . وكانت النجف في الوقت الذي يساهم أعلامها في مؤتمرات علمية ، فأنها تستقبل أعلاما من أقطار عربية وإسلامية ، ففي عام 1966 م القى الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور محاضرة بمناسبة استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء ، وكانت الجمعيات العلمية والأدبية كمنتدى النشر والرابطة الأدبية والتحرير الثقافي وغيرها تستضيف رجال العلم والفكر في مواسمها العلمية والأدبية ، وكان بعض رجال الفكر يلجأون إلى النجف هربا من بطش حكوماتهم فيجدون المكان المناسب ثم يعودون إلى بلادهم ، ففي القرن التاسع عشر قصد النجف السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ، وكرر العودة إليها والتقى بعلمائها [48] . وقضى السيد نواب صفوي رئيس جمعية فدائيات إسلام سنتين في النجف بين 1943 - 1945 م ، ولما غادرها إستقر في طهران في مسجد سباه سلار وقد جعله مركزا للجمعية ، ثم أصبح السيد أبو القاسم الكاشاني الأب الروحي لهذه الجمعية ، وكان نواب صفوي في أثناء وجوده في النجف يلتقي مع طلاب العلم في الجامع الهندي وحينما قرأ في إحدى الصحف الفارسية مقالة لأحمد كسروي اعتبرها السيد نواب صفوي طعنا في الإسلام فأسرع إلى شيخه وطلب منه قراءة المقال وبيان رأيه فيها ، ولما رأى أستاذه مواضع الطعن على الإسلام قال : " مثل ذلك كافر ويحل قتله " [49] . وقد احتضنت النجف علماء الفلاحية والحويزة وتستر ودسبول عند هروبهم من مدنهم هذه ، وأصبح العلامة الشيخ محمد طه الكرمي له موقع في النجف بعد هروبه من الحويزة واستقراره في النجف [50] . وإتخذ الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني مدينة النجف الأشرف مستقرا له منذ إعلان ثورته على شاه إيران محمد رضا بهلوي ، وأخذ يقود المعارضة حتى إعلان الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 م ، وكان في مدينة النجف يلقي دروسه على جمع من طلاب الحوزة العلمية وألف بعض كتبه في النجف . وقد إستعان بعض رجال العلم والفكر من عرب ومسلمين ومستشرقين بعلماء النجف ومفكريها ، فقصدها بعضهم للحصول على مخطوطات نادرة وفريدة واكتفى بعضهم بالمراسلة عند شروعهم بتأليف كتاب أو تحقيق مخطوطة وعند تأليف الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) كتابها " سكينة بنت الحسين " استعانت بذوي الخبرة العلمية من النجفيين [51] . ووجه الأستاذ أسد رستم ، أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1938 م نداءا إلى علماء النجف يطلب تزويده بمعلومات عن القاضي عياض صاحب كتاب " الشفا بتعريف حقوق النبي المصطفى " وعن مخطوطته في فن مصطلح الحديث [52] وحينما أراد أحد المستشرقين الفرنسيين دراسة التناسخ إتصل بالشيخ محمد جواد مغنية ، وبعد أن أرشده إلى المصادر قال له المستشرق : " أريد الذهاب إلى النجف الأشرف لهذه الغاية وطلب أن يزوده برسائل وتوصيات " وقد إستجاب الشيخ مغنية لطلبه ، ومكث المستشرق المذكور في النجف مدة إسبوعين ، وقد رحب به رجال العلم والفكر ، ثم عاد إلى بلاده مسرورا ، فأرسل إلى الشيخ محمد جواد مغنية رسالة شكر وتقدير ولعلماء النجف الثناء والإحترام ، وقد وصفهم بالخلق الكريم والعلم الغزير [53] . ولما أراد المستشرق الألماني " لونتر ردمان " كتابة أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في القياس ، اجتمع بالشيخ محمد جواد مغنية بتاريخ 10/ 10 / 1964 م وقال له : " رأيت أن أطروحتي في القياس ستكون ناقصة غير وافية إذا أهملت وتجاهلت أقوال الشيعة وآراءهم ، فذهبت إلى النجف الأشرف في شهر أيلول من هذه السنة ، ولا هدف لي إلا المعرفة والإطلاع ، وقد مكثت فيها إسبوعين ، وإتصلت بمجموعة من علمائها ، وبحثت معهم في موضوع الأطروحة وأرشدوني إلى بعض المصادر ، ورجوا الي الإتصال بك وإني قصدتك لهذه الغاية " [54] . وقد حافظت مدرسة النجف في طول حياتها العلمية على سلامة اللغة العربية من الرطانات الأجنبية الدخيلة ، وكانت اللغة العربية وسيلة لتوحيد القوميات التي جمعها الإسلام فكان طالب العلم في النجف يدرس النحو والبيان والصرف والبديع إلى جنب الفقه والأصول والفلسفة وعلومي القرآن والحديث ، ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات : " كان اعتقاد الشيعة في التعليم على النجف والنجف كانت كالأزهر لا تخرج إلا الفقهاء في الدين وعلماء في اللغة " [55] . ويقول الدكتور مصطفى النجار : " أن حاضر العالم الشيعي الرئيسة هي النجف الأشرف وهي أرض عربية " [56] . ولذلك أصبح الواجب الشرعي على النجف أن تحافظ على اللغة العربية من أي مدخول أجنبي ، وقد تبرعم عن ذلك أدب رفيع وشعر رصين . وتصدت مدينة النجف للطائفية المقيتة وأنصارها ودعاتها من مفرقي الأمة وتصدع وحدتها ، وحينما نشر إبراهيم الجبهان في مجلة " راية الإسلام " موضوعا تناول فيه الإمام الصادق عليه السلام وتهجم على الشيعة بما يرضي الأوساط الإستعمارية ، إحتج علماء النجف الأشرف وأبرق الإمام السيد محسن الحكيم والعلامة الشيخ عبد الكريم الزنجاني إلى شيخ الأزهر وحاكم الكويت برقيات احتجاج [57]. وحينما أصدر أنيس زكريا النصولي عام 1927 م كتابا عن الدولة الأموية ، وقد تهجم فيه على الشيعة تصدى له الشيخ محمد رضا الشبيبي وأخوه الأستاذ ساطع الحصري كان من أقطاب الطائفية في العراق وهو الذي إختار النصولي لتدريس التاريخ ، ويقول الأستاذ حسين جميل : " فأستاء التلاميذ الشيعيون وبلغوا آباءهم وأولئك كتبوا لعلماء النجف ، ولما زارها فيصل ( الأول ) أبلغوه بذلك راجين إخراج المدرس ، فأوعزت وزارة المعارف بالاستقالة والخروج فأبى ، وحصلت مظاهرة من طلبة مدرستي الثانوية ودار المعلمين دبرت بليل احتجاجا على إخراجه " [58] ، ولما أخمدت فتنة النصولي الطائفية ، أثار عبد الرزاق الحصان فتنة أخرى بكتابه " العروبة في الميزان " عام 1933 م ،وقد نتج عنه هياج عام ، ونظمت المظاهرات ، ووقعت حوادث العنف في النجف وكربلاء والحلة والكوفة والكاظمية [59] ، ويقول الأستاذ عبد الرزاق الحسني : " هاجم فريق من أهل النجف مستودعا للسلاح في مركز القضاء ، وأطلق المسجونون ، فسارعت حكومة بغداد إلى تزييد قوات الشرطة هناك لحفظ الأمن ، فأوفدت متصرف لواء كربلاء السيد محمود أديب إلى علماء النجف وأدبائها ليفهمهم أن الحكومة مهتمة بالأمر ، ومتخذة أشد التدابير اللازمة لمنع نشر أمثال هذه الكتب في المستقبل " [60] ، وقد نشرت جريدة " العالم العربي " في العددين ( 2834 ، 2838 ) الصادرين بالتاريخين 10 / 6 ، 11 / 6 / 1933 م ، نبأ احتجاجات النجف وعلمائها على كتاب " العروبة في الميزان " وشكر النجفيون الحكومة على مصادرة الكتاب المذكور الذي أثار النعرات الطائفية وقد وقع على الكتاب كل من : السيد حسين جريو ، وعبد الله آل نجم ، وحاج عطية أبو كلل ، وكان للإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء دور بارز تهدئة الأوضاع في النجف ، فقد خرج إلى الصحن الشريف ظهرا ، وأمر الناس بالهدوء ، وقد إستجابوا لندائه فتراجعوا عن سراي الحكومي المحاصر من قبل المتظاهرين وكان فيه متصرف كربلاء محمود أديب ، وقائممقام النجف جعفر حمندي [61] ، وقد صادف وجود الرحالة المصري محمد ثابت في النجف أثناء هذه الحوادث وقد وصفها بقوله : " وصادف أن كانت البلدة في هياج طائفي شديد يوم زرتها 24 يوليو ، لما شجر بين الشيعة والسنيين أثر كتاب أخرجه بعض السنيين وأسماه العروبة في الميزان طعن فيه الشيعة " [62] ، ولا شك أن النجف أدركت أخطار الطائفية المقيتة ودور الإستعمار في إذكائها ، وهذا جزء من المخطط اللئيم للنيل من الشيعة الذين كانوا قذى في عين السياسة الإستعمارية ، وكانت النجف الملجأ الوحيد الذي يحتمي به المسلمون على وجه العموم ، والشيعة على وجه الخصوص ، حتى أنها أصبحت ملتجأ أهل الذمة أيضا عند إعلان إسلامهم [63] ، وكانت تتصدى بعنف للتيارات المعادية للإسلام كالبابية والبهائية والدهرية والمادية ، ويقول إيرلاند : أن رؤساء الدين في كربلاء والنجف يعارضون أية حكومة علمانية من حيث المبدأ [64] ، فكتب السيد هبة الدين الشهرستاني كتابا في الرد على البابية ، وكتب السيد محمد الباقر الجلالي " الحقائق الدينية في الرد على العقيدة البهائية " وكتب السيد محمد الكاظمي القزويني " البهائية في الميزان " ، وكتب السيد أحمد السيد عزيز الفالي الموسوي " البهائية حزب لا مبدأ " ، وبقيت النجف تواصل ناضلها ضد هذه الفرق الضالة ، والفئات المنادية بالمهدوية[65] . وتصدى علماء النجف للشيوعية والمبادئ الإلحادية ، ففي عام 1379 هـ / 1960 م أصدر الإمام السيد محسن الحكيم فتواه وقد ورد فيها " لايجوز الإنتماء إلى الحزب الشيوعي فإن ذلك كفر وإلحاد وترويج للكفر والإلحاد أعاذكم الله وجميع المسلمين من ذلك وزادكم إيمانا وتسليما والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " ، وأصدر الإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي والعلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد محمد مهدي الشيرازي وغيرهم فتاوى مماثلة في تكفير الشيوعية ، والف الإمام السيد محمد باقر الصدر كتبا في الرد على النظام الشيوعي منها " فلسفتنا " و " إقتصادنا " ، وكتب الشيخ محمد حسين الصغير " الشيوعية مبدأ هدام " وكتب الشيخ كاظم الحلفي كتبا في نقض الشيوعية ، وتعرض رجال العلم في النجف إلى مضايقات من العناصر الشيوعية بين 1958 م - 1963 م ، واحتضنت الحكومة جماعة من أدعياء العلم وأطلقت عليهم إسم " رجال الدين الأحرار " وأجيزت جمعيتهم من قبل وزارة الداخلية [66] . كانت العلاقة بين الحكومات المتعاقبة في هذه الفترة غير سلمية ، فوجدت هذه الحكومات في المرجعية العليا والحوزة العلمية خطرا يهدد وجودها وبقاءها . وكان طلاب العلم في النجف الأشرف يمرون بمراحل دراسية تنقلهم من واقع إلى آخر ، وقد تمكنهم هذه الدراسة أخيرا من استنباط الأحكام الشرعية ، وهذه المراحل هي : 1- مرحلة المقدمات . 2- مرحلة السطوح . 3- مرحلة الخارج . وقد وقف الأستاذ الدكتور زكي مبارك على هذا الأسلوب من الدراسة النجفية وقارنه مع التعليم في جامعة الأزهر بقوله : لا ينبغي أن يزول ، وعجب القوم من أن يصدر هذا القول من رجل متخرج من جامعة السوربون وقال : ولكني في الواقع لم أكن مرائيا ، فقد صح عندي أن الأساليب الأزهرية والنجفية أساليب تنفع أجزل النفع في رياضة العقل ، يضاف إلى ذلك أن الأزهر هو الذي حفظ اللغة العربية في عهد المماليك وأن النجف هو الذي حفظ اللغة العربية في عهد الأتراك ، ورعاية العهد توجب الإبقاء على تلك الأساليب التي استطاعت أن ترسل النور الوهاج في دياجير الظلمات [67] . فالمقدمات التي تشكل المرحلة الأولى هي دروس أولية يأخذها الطالب أما بصورة فردية أو جماعية مع غيره من الطلبة ، وتضم مقدمات النحو والصرف والبلاغة والمنطق وربما يتجاوزها الطالب إلى دراسة شرح قطر الندى لإبن هشام ، وكتاب شرح ألفية إبن مالك لإبن عقيل ، وكتاب مغني اللبيب في النحو لإبن هشام ، وكتاب الشمسية في المنطق ، ويقول الشيخ شمس الدين : " والطالب النجفي يدرس الفلسفة النحوية التي يمتزج فيها النحو والمنطق وتجريده من الأدب ، فهو أثر بين دراسة علم النحو في الجامعة النجفية " [68] . ويدرس الطالب كتاب " شرائع الإسلام " في الفقه للمحقق الحلي ، وكتاب " تبصرة المتعلمين " و " المختصر النافع " للعلامة الحلي ، وكتاب المختصر والمطول في البلاغة للتفتازاني ، وشرح الرضي على الكافية وكتب المكودي والنظام في علم العروض ، وكتاب الحادي عشر وشرح التجريد في العقائد وعلم الكلام للعلامة الحلي ، وأن للطالب الحرية في اختيار المدرس بل الكتاب وليس عليه رقيب إلا نفسه أو ولي أمره [69] . وقد يتوسع الطالب في دراسة علوم اللغة العربية والفقه والأصول وهي على العموم دراسات تمهيدية أو أولوية ،وقد تضاف اليه كتب التفسير والحديث والحكمة والرياضيات ، ويجب أن يكون بين الطالب وأستاذه إنسجام تامة وإطاعة وإحترام ، وهذا في الواقع من أهم المحفزات لجد الطالب وإجتهاده في مساره الفكري [70] . وتؤهل " المقدمات " الطالب إلى دراسة متون الكتب في الفقه الإستدلالي ، وأصول الفقه هي التي ينتقل بها الطالب إلى مرحلة "السطوح " ويقول الشيخ محمد رضا المظفر : " ويتبع فيها محاكمة الآراء ومناقشتها بحرية كاملة ، فإنها مطلقة للطالب في إختيار الكتب والمدرس والكتب التي يرجع إليها للمطالعة " [71] . وإذا إنتهى الطالب من هذه المرحلة وإتقن مفرداتها الدراسية اقترب من درجة الإجتهاد فيطلق عليه لفظ " المراهق " وإن الدراسة في هذه المرحلة إما أن تكون فردية أو يشترك إثنان عند أستاذ معين ، وقلما يزيد عدد الحاضرين في الدرس على سبعة طلاب وتندر زيادتهم على العشرة وأشد ندرة زيادتهم على عشرين [72] . وقد وقف الدكتور محمد التيجاني على هذا الأسلوب الدراسي في النجف ووصفه بقوله : " ولفت إنتباهي مجموعة من الصبيان المعممين جالسين قرب المحراب يتدارسون وكل واحد في يده كتاب ، فأعجبت لهذا المنظر الجميل ، ولم يسبق لي أن رأيت شيوخا بهذا السن أعمارهم تتراوح بين الثالثة عشر والسادسة عشر وقد زادهم جمالا ذلك الزي فأصبحوا كالأقمار " [73] . ويدرس الطالب في مرحلة " السطوح " كتاب معالم الأصول للشيخ حسن بن الشهيد الثاني العاملي ، وكتاب الرسائل والكفاية للشيخ الأنصاري ، ويعد الكتاب الثاني " كفاية الأصول " مدار البحث والتعليق والنظر في المدرسة النجفية المعاصرة [74] . ويدرس الطالب أيضا كتاب شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني وكتاب المسالك والمدارك والتحرير والقواعد وكتاب الزبدة في الحساب للشيخ البهائي العاملي ، وكتاب شرح الباب الحادي عشر في الجدل والنظر للميبودي ، وكتاب شرح التجريد للعلامة الحلي ، وكتاب المنظومة للسبزواري ، وكتاب الأسفار للملا صدرا ، وكتاب أشكال أقليدس في الهندسة ويدرس الطالب في علم الرجال كتاب " الرجال " لأبي علي ، وكتاب رياض العلماء للشيخ الأفندي ، وكتاب وسائل الشيعة في علم الحديث للحر العاملي ، وكتاب المفيد والمستفيد في التربية للشهيد الأول [75]. وقد يكون من بين الطلاب في هذه المرحلة له القابلية على الرد على أستاذه ومباحثته [76] . وقد يستمع الأستاذ إلى اشكالات الطلبة وتعليقاتهم فيصوب ويصحح ما يرد من الطلبة من الأسئلة [77] . ويقول الشيخ علي الشرقي : أن الأستاذ والتلميذ يتكلمان على سطح كتاب مفتوح بينهما ويتعاطيان جملة منه خاصة [78] ويساعد هذا اللون من الدراسة على انفتاح ذهنية الطالب وعند ذلك يندفع نحو التثقيف الذاتي والبحث ولتحضير بدافع الشعور بالمسؤولية إزاء نفسه ، إذا تقع مهمة الأعداد كله أو جزء كبير منه على الطالب ، فهو يقوم بأعداد مادة البحث وصياغتها بالشكل الذي يتطلبه البحث العلمي ومراجعة الكلمات والأقوال في ذلك [79] . ويلزم الطالب ما يلقيه الأستاذ من الآراء والتعقيبات على كل موضوع في الكتب المدروسة [80] . وتعد مرحلة دراسة السطوح من المراحل المهمة في حياة الطالب الدراسية ، ولذا تحتاج إلى الدقة والتنظيم ، ولا يسمح للطالب من الإنتقال إلى المرحلة الأخيرة " الخارج " إلا بعد استيعاب واف لمرحلة السطوح . أما المرحلة المعروفة بالخارج وهي الأخيرة لطالب الحوزة العلمية ، فيحضر دروس كبار المجتهدين في علمي الفقه والأصول ، وقد يحل الطالب المجد النبيه على درجة الإجتهاد بعد اجتيازه الدروس العالية ، وتكون هذه المرحلة في دورات يتولاها مراجع الدين والمجتهدون من رجال العلم ، فتبدأ الدراسة بعلم الفقه والأصول على شكل محاضرات يومية ، يشرح فيها المجتهد كل مسألة شرحا وافيا بعد عرض الأقوال ، ومناقشة الآراء ، ويختار ما ينتهي إليه رأيه ، وسميت هذه المرحلة بالخارج لأن التدريس فيها لا يعتمد على رأي خاص ولا على عبارة في كتاب معين إلا ما قد يتخذ منهجا للبحث لتسهل على الطلاب المراجعة للتحضير قبل الدرس [81] . ويقول الشيخ علي الشرقي : " يذكر الإستاذ عنوان المسألة التي يريد أن يبحث فيها ويقرر عن ظهر قلبه عدة آراء وأقوال حولها ثم يختار ما يرتئيه ، والتلاميذ يلتفون حول منبره كالمستمعين لخطابه ولمحاضرته [82] . وهنا يبرز الطالب المتفوق في فهمه للمسائل التي يحددها الأستاذ ، ولا تنفض المحاضرة إلا وقد تبين للطلاب جلية الأمر [83] . ويغلب على هذا الأسلوب من الحوار ، الطريقة اليونانية القديمة في التدريس المعروفة بأسلوب " محاورات سقراط " وهي الطريقة المسماة بالسؤال والجواب أو طريقة " فإن قلت كذا قلت كذا " فيطرح الأستاذ بعض الأسئلة ثم يذكر الجواب الذي يتوقعه ، ثم يتدرج بالأسئلة حتى يصل به الإستجواب عن الحقيقة التي يحذفها ذلك الأستاذ [84] . وغالبا ما يحضر الطلاب المراهقون للإجتهاد أو المجتهدون فعلا ، وقد اشارت المصادر إلى بحث الإمام الشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني المتوفى عام 1329 هـ فأنه يحضره فريق كبير من العلماء المجتهدين ، وقيل أنه كان يحضر أكثر من ثلاثمائة مجتهد وأكثر من ألفي طالب مراهق ومجتهد [85] . وغالبا ما تدور هذه المرحلة من الدراسة حول كتاب " كفاية الأصول " للشيخ الآخوند الخراساني ، وكتاب " العروة الوثقى " للإمام السيد محمد كاظم اليزدي ، ويكتب طلاب هذه المرحلة محاضرات أساتذتهم فيطلق عليها لفظ " التقريرات " وتنسب إلى كاتبها أو جامعها ، وهي التي تؤهل الطالب إلى الوصول إلى درجة الإجتهاد ، ونيل قوة الإستنباط للأحكام الشرعية والإسلامية [86] . وهذا مما جعل الفقه الإمامي على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وكان الطالب يمر بمرحلتين في حياته العلمية هما : 1- مرحلة الإجتهاد المتجزئ . 2- مرحلة الإجتهاد المطلق . ويقصد بالمرحلة الأولى هو قدرة طالب العلم على إستنباط مسائل خاصة من أبواب الفقه ، أما المرحلة الثانية ، فإن له القدرة على إستنباط كلما أراد من المسائل ومن جميع أبواب الفقه ، ويصل المجتهد المطلق إلى مرتبة المرجعية ، أو المرجعية العليا بعد انعقاد الإجماع على أعلميته وعدالته ، وهذا لا يتم بمرسوم من حاكم ، ولا بشفاعة من ظالم ، ولا بإنتخاب من منظمة معينة أو أفراد معدودين ، بل بنص طبيعي من سيرته وشخصيته ومؤهلاته العلمية [87] . وقد أشار المجتهدون في رسائلهما لعملية بالقول : " إذا قلد الأعلم فصار غيره أعلم منه وجب العدول إليه " ، ومثال ذلك أن الإمام الشيخ الوحيد البهبهاني المتوفى عام 1206 هـ كان الرئيس المجتهد المطلق ، ولكن لما تقدم به السن وضعفت ذاكرته ، قلد الناس تلميذه السيد محمد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم [88] ، لأن المرجع الديني الأعلى يجب أن يكون قوي الذاكرة ، سريع الفهم ، مواكبا للتطورات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية ملبيا لحاجات الناس اليومية ، وقد يستعين بعدد من العلماء في حل بعض المشكلات ويقال : أن أول من أسس مجلس الإستفتاء في تاريخ النجف العلمي هو الإمام الميرزا حسين النائيني [89] . وكانت المؤسسات العلمية للدراسة في المدرسة النجفية والتي يشغلها الطلبة يوميا هي : 1- الصحن الحيدري الشريف . 2- الجوامع والمساجد . 3- المقابر الكبيرة . 4- المدارس العلمية . ويعد الصحن الحيدري الشريف في مقدمة المؤسسات العلمية في النجف الأشرف وفيه يتحلق الطلبة حلقات حلقات وتؤدي فيه جماعات للصلاة ، ويقول الشيخ حرز الدين : " لم يوجد مسجد غير مشغول بالبحث والدروس حتى الصحن الغروي الأقدس لرواج سوق العلم في ذلك العصر " [90] ، وكانت المساجد الكبيرة يشغلها مراجع الدين الكبار في البحث والدرس ، فقد كان الإمام السيد الحكيم يباحث في مسجد عمران ، وكان الإمام السيد الخوئي يباحث في مسجد الخضراء ، وكان الإمام السيد الشاهرودي يباحث في الجامع الهندي ، وكان الإمام السيد اليزدي يباحث في مسجد الشيخ الأنصاري وفيه باحث الإمام السيد عبد الهادي الشيرازي والإمام السيد روح الله الخميني ، وقد شهد مسجد الرأس ، ومسجد الصاغة ومسجد الجواهري ومسجد الشيخ علي رفيش ومسجد آل السيد سلمان حلقات درس لعدد من العلماء والمجتهدين ، وأعدت المقابر الكبيرة ولا سيما مقابر العلماء فقد كان الشيخ حسن التويسركاني يدرس في مقبرة السيد المجدد الشيرازي ويحضر دروسه عدد من طلاب العلم ، وكان يدرس المكاسب والرسائل وغيرهما [91] ، وعلى الرغم من تأسيس المدارس الدينية الحديثة وما تضم من قاعات درس مخصصة لكن بقي الصحن الشريف والجامع الهندي يؤديان دروهما في التدريس أكثر من غيرهما من المؤسسات الدينية ، فقد إتخذ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الحجرة الواقعة في الزاوية من الركن الجنوبي الشرقي من الصحن الشريف مكانا للبحث [92] ، وكان رجال العلم يفترشون أرضية الصحن الشريف قبيل صلاة المغرب ، ويجلسون على هيئة حلقات في إنتظار الصلاة ، وكان الكثير منهم من ينشغل بالبحث والمناظرة ، ويشابه الجامع الهندي ، الصحن الشريف في هذه الظاهرة ، حتى أصبح كل طالب يهفو قلبه إلى الجامع الهندي ، فإن حلقات الدرس فيه مبثوثة في جميع زواياه ، فمن الطلبة من يلتقي العلم ، ومنهم من يلقيه ، وآخرون يتذاكرون أو يتباحثون [93] . أما دور العلماء فقد أعدت للتدريس ، إضافة إلى أنها مجالس مفتوحة يقصدها جميع طبقات المجتمع ، فتثار في هذه البيوت المسائل الفقهية والأصولية والفلسفية ، وقد يتبارى فيها الشعراء والأدباء ، ويقول الشيخ محمد جواد مغنية : أن الأستاذ في المدرسة النجفية يعرض الفكرة على طلابه بإسلوب الإستفهام والتساؤل ثم يذكر كل ما يمكن أن يقال حولها من الآراء المتضاربة ويبذل جهده لإيراد الإعتراضات على ما يراه ويختاره ثم يفندها واحدا واحدا بالمنطق والحجة بحيث لا يدع مجالا للإحتمال والتشكك بالحق والصواب [94] . ويقول الأستاذ الشريفي : أن كان يشيع في أجواء المجالس النجفية من مطارحات كلامية وإحتكاك وجهات النظر والجدال العنيف [95] . وكانت هذه الطريقة توصل الطلاب إلى إستنباط الأحكام من أدلتها . وتصبح له ملكة إستنباط الفروع من الأصول ، وعند ذلك يمنح إجازة ( الإجتهاد ) ، وقد يجاز بالرواية دون الإجتهاد ، والأستاذ هنا على بينة تامة على قابليات تلاميذه ولا تمنح الإجازة إلا بعد أن يجتاز الطالب مراحل تؤهله لذلك ، دون أن تكون أية جهة رسمية موقعا في هذه الإجازة ، وهي بمثابة الشهادة الجامعية ، وقد يبرزها الطالب المتخرج إلى الجهات في بلده لتعيينه قاضيا أو إماما ونحو ذلك ، ويعطي السيد محسن الأمين للحرية الفكرية التي تعيشها النجف موقعا في تقدم مدرستها فيقول : أن إستقلال النجف أمكنها أن تقول دائما كلمتها الحاسمة في أحوج الظروف وأدقها [96] . وهذا يشبه بعض المدارس في العالم الإسلامي ذات الإستقلالية عن الحكومة ومؤسساتها فيقول الأستاذ أنور الجندي : ( إذا ذكر الأزهر الثقافة الإسلامية العربية ، فإننا نذكر جامعات إسلامية متعددة منها القرويين في المغرب ، والزيتونة في تونس ، ومعاهد النجف الأشرف ، وجامعة أحمد خان في الهند ، والخلاوي في السودان ، والزوايا في ليبيا ، وعشرات من المساجد في العالم الإسلامي ، كانت مقرا للغة العربية والقرآن والثقافة الإسلامية ، وكانت في نفس الوقت معسكرات المقاومة للإستعمار ) [97] . وأشار الأستاذ النفيسي إلى الحرية التي تتمتع بها مدرسة النجف بقوله : ( انه نظام لا يتقيد بأي سلطة حكومية ، والتلاميذ في النجف يتعلمون للعلم ذاته ، وحياتهم حياة تقشف وقناعة ، والحوار الحر بينهم يجري في جو من الحرية التامة ) [98] . وهذه الحياة يتلمسها طلاب العلم بوضوح وبخاصة الأجانب ، فيجذ الطالب عند دخوله مدرسة النجف السكن المجاني ، والراتب الشهري إذ يقوم المرجع الديني بتهيئة التدريسيين والمدارس والكتب الدراسية التي يحصل عليها الطالب بالإعارة من زملائه بسهولة أو الموقوفة على طلبة العلم ، وقد يقتنع طالب العلم في النجف براتبه البسيط وسكناه المتواضع في إحدى غرف المدارس الدينية ، وقد يبقى على هذه الحالة حتى وفاته أو أنه يتزهد في حياته ويتقشف في معاشه ، وقد عرف المجتمع النجفي أعلاما في الزهد والقناعة حتى أصبحوا مضرب المثل في التقوى والعبادة .
|