| موقع النجف الجغرافي ومساحته* |
تقع مدينة النجف على حافة الهضبة ، أي عند الحافة الشرقية للصحراء
الغربية ، التي تفصل العراق عن الحدود للمملكة العربية السعودية ،
حيث يحدها من الغرب بحر النجف والهضبة الغربية ، ومن الجنوب قصبة
الحيرة وأبو صخير ، ومن الشمال هضبة النجف ، ويحدها من الشرق مدينة
الكوفة ، وبذلك تشغل بحكم موقعها الجغرافي الطبيعي المنطقة
الانتقالية ما بين السهل الرسوبي والهضبة الغربية(1)، اللذين
يشكلان أنواع السطح في وسطها وجنوبها(2)، ويكون بحر النجف كحد فاصل
ما بين المنطقتين(3).
أما الجهات الغربية منها فيتشكل إقليما لا يساعد على ظهور استيطان
فيها ، بينما نجد في جنوبها الغربي ، في منطقة بحر النجف إقليما
قابل للإنماء الزراعي وإلى الشرق منها ، إقليم زراعي حول الكوفة
والفرات الأوسط(4).
وبذلك يمكننا أن نستنتج أن موقع النجف هذا جعلها فقيرة في اعتمادها
على مواردها الذاتية وجعلها : "تعتمد في حياتها على موارد علاقتها
الإقليمية والمحلية والخارجية(5)"
ويمكن تحديد وموقعه في وقتنا الحاضر بين دائرتي عرض (31,30-32,10)
شمالا ، وخطي طول (43,30-44,30) شرقا . وتبلغ مساحته حوالي (6,760)
كيلو مترا مربعا ، بضمنها مساحة منخفض بحر النجف التي تبلغ (364)
كيلو مترا مربعا. على أن البحر قد تغيرت مساحته وساحله باستمرار ،
وأن مساحته في القديم كانت أكبر من ذلك بكثير ، وبالتالي قد دخلت
الكثير من المواقع الأثرية في موضع النجف العام ، فلاحظ.
وتقوم مدينة النجف الأشرف على رابية مرتفعة فوق أرض رملية فسيحة
ترتفع عن سطح البحر حوالي 70 مترا.
وتقع النجف قديما على الطريق البري بين بغداد ومكة المكرمة .
بمسافة 260 فرسخا عن بغداد ، كما ذكره المستوفي القزويني المتوفى
سنة 750هـ (6) . وتبعد النجف اليوم عن جسر الكوفة 9كيلومترات ، وعن
كربلاء 85 كيلومترا.
وهذا الموقع يجعلها ضمن إقليم المناخ الصحراوي ذو المظهر الشتوي
ويقتصر نزوله على الفصل البارد في السنة ، بينما ترتفع درجات
الحرارة في فصل الصيف فتصل فوق (24 ْ) في عدة أيام منه(7) ، ويرجع
ذلك إلى بعد المسطحات المائية عنها التي من شأنها أن تقلل هذا
المدى الحراري(8)، فضلا عن كونها منطقة عارية من الغطاء
النباتي(9).
ونتيجة لهذا الارتفاع الحاد في درجات الحرارة طيلة هذه الأشهر من
السنة لذا عمل النجفيون على حفر السراديب داخل بيوتهم ، والسرداب
عبارة عن قبو مبني تحت أرض البيت ويتصل بالدور الأرضي بواسطة سلم
خاص، وفيه فتحات خارجية مصممة قريبة من السطح تسمى البادكير(10)
ومطلة أحيانا على البيت وذلك لتوفير الإضاءة وتغيير الهواء له من
خلال هذه الفتحات(11).
ويمتاز كذلك مناخ النجف بقلة سقوط الأمطار ويقتصر سقوطها في فصل
الشتاء والربيع ، وغالبا ما تكون كمياتها قليلة(12) وتتباين كمية
الأمطار الساقطة من سنة إلى أخرى(13). وبذلك يمكن القول عن ارتفاع
درجات الحرارة وقلة سقوط الأمطار وتركزها في فصل معين جعل السكان
يعتمدون بصورة أساسية على موارد المياه الجوفية فيها(14) ، وذلك عن
طريق حفر الآبار الذي يبلغ عمق البئر الواحد إلى أكثر من (25م) ،
أو عن طريق جلب الماء من نهر الفرات ، بواسطة أناس يسمون
"السقاية".
وقد عانت مدينة النجف معاناة كبيرة من شحة الماء طوال تاريخها حيث
تبعد عن شاطئ (الفرات) الكوفة بـ (10) كم ، ولأن بين النجف والفرات
، أرضا تأخذ بالارتفاع ، من (26م) فوق مستوى سطح البحر إلى (60م) ،
عانت المدينة شحة الماء وانعدامه(15)، وكانت من العوامل المؤثرة
على حجم الكثافة السكانية في المدينة ، فإن قلة الماء في بعض
الفترات كانت عوامل مساعدة على هجرة السكان منها.
وقد بذلت قديما جهود حثيثة لإيصال ماء الفرات إلى مدينة النجف على
الرغم من إن هذه الجهود قد باءت بالفشل لسبب أو لآخر ، إلا أنها
ساهمت إلى حد ما في حل هذه المشكلة لفترة مؤقتة.
وكان لوقوع مدينة النجف على طرف الصحراء ، أثر في جعلها مفتوحة على
الصحراء وعرضه لهجمات الأعراب ، وانطلاقا من أهمية الأمن الذي
يتوفر بتحصين المدينة ، لذا بنيت أسوار متعددة لهذا المدينة تبعا
للتوسع العمراني الذي أخذت تشهده خلال عدة قرون.
وعليه يمكن القول إن طبيعة العوامل الجغرافية في مدينة النجف من
موضع وموقع ومناخ على الرغم من أنها كانت لا تؤهلها لظهورها كمدينة
، إلا أن العامل الديني المرتبط بنشأة هذه المدينة كان له الوقع
الكبير في نفوس السكان الذين دخلوا بصراع مع الطبيعة من أجل
تذليلها لصالحهم.
* من كتاب تاريخ النجف حتى عصر العباسي تأليف محمد جواد فخر
الدين
1 ياسر ، شمخي فيصل ، تحليل جغرافي للأنماط الزراعية في محافظة
النجف رسالة ماجستير " غير منشورة" ، كلية الآداب ، جامعة البصرة ،
1988، ص5.
2 محسن ، سعد عبد الرزاق ، محافظة النجف " دراسة في جغرافية السكان
" ، رسالة ماجستير "غير منشورة" ، كلية الآداب ، جامعة البصرة ،
1988، ص40.
3 مظفر ، محسن عبد الصاحب ، مدينة النجف الكبرى "دراسة في نشأته
وعلاقاتها الأقليمية "دار الحرية للطباعة ، بغداد 1982، ص24.
4 مظفر ، مدينة النجف الكبرى، ص24.
5 مظفر ، المصدر نفسه والصفحة.
6 نزهة القلوب (فارسي) : 9.
7 ياسر ، تحليل جغرافي للأنماط الزراعية، ص19.
8 محسن ، محافظة النجف ، ص44.
9 الخفاف ، عبد علي سكان محافظة كربلاء ،"دراسة في جغرافية السكان"
رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة بغداد، 1974، ص56.
10 البادكير: أي البخاريات التي تنتهي بسقف صغير معقود يجتذب
الهواء إلى داخل السرداب.
11 أبو رحيل ، عبد الحسين مدفون ، أثر المناخ في تخطيط المناطق
العمرانية وتصميم الوحدة السكنية في العراق ، رسالة ماجستير "غير
منشورة" قسم الجغرافية ، كلية التربية ، ابن رشد ، جامعة بغداد،
1995، ص80.
12 ياسر، تحليل جغرافي للأنماط الزراعية في محافظة النجف ، ص27.
13 الشلش ، علي حسين ، مناخ العراق ، ترجمة السيد ولي وعبد الإله
رزوقي ، مطبعة جامعة البصرة ، البصرة 1988، ص16.
14 مظفر، مدينة النجف الكبرى، ص36.
15 سركيس ، يعقوب ، ماء النجف في لاقرون الأخيرة "نهر الهندية"
محلة الاعتدال، العدد الثاني، السنة الرابعة، 1937، ص101.
|
|