أول من أسس مسجد الكوفة

     إن أول من أسس مسجد الكوفة وبناه هو آدم ( عليه السلام ) كما هو المشهور والمأثور ، ولعل الملائكة فيما قبل بنته وإن كان لم يذكر أحد ذلك من أهل الأخبار ، لكن بمقتضى كلام جبرئيل للنبي : إني رأيته خرابا ورأيته عمرانا ، أن تكون عمرته الملائكة بأمر الله تعالى ثم عمره آدم ( عليه السلام ) .
     قال ال براقي : ويؤيد ما ذكرناه من أن مسجد الكوفة خطه آدم ( عليه السلام ) ، الأخبار الكثيرة الآتية عن قريب من أن : مسجد الكوفة قد نقص عن بنائه كثيرا والأخبار في ذلك كثيرة نذكر طرفا منها : أما السيد الطباطبائي فقال : وكان هو أعظم مما هو الآن بكثير .
     وأمـا الأخبار : فقد ذكر الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه والمجلسي في البحار ، بالإسناد عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : « حد مسجد الكوفة آخر السراجين خطه آدم ( عليه السلام) وأنا أكره أن أدخله راكبا » . فقيل له : فمن غيره عن خطته ؟ قال : « أما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح ، ثم غيره بعد أصحاب كسرى والنعمان بن منذر ، ثم غيره زياد بن أبي سفيان » ( 1 ) . وذكر ما مر من خبر الرجل الذي سأل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فأجابه الإمام بقوله : « بع راحلتك وكل زادك وعليك بمسجد الكوفة » إلى أن قال : « والبركة منه إلى اثني عشر ميلا من حيث ما جئته ، وقد ترك من أسه ألف ذراع » . وفي رواية أخرى في البحار عنه (عليه السلام ) قال : « إن مسجد الكوفة رابع أربعة مساجد للمسلمين ، ركعتان ( فيه ) أحب إلي من عشرة فيما سواه ، ولقد نجرت سفينة نوح ( عليه السلام ) في وسطه وفار التنور من زاويته ( اليمنى ) ، والبركة منه على اثني عشر ميلا من حيث ما أتيته ، ولقد نقص منه اثنا عشر ألف ذراع بما كان على عهدهم » ( 2 ) .
     وفي البحار : بالإسناد عن حذيفة قال : والله إن مسجدكم هذا لأحد المساجد الأربعة المعدودة : المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، والمسجد الأقصى ، ومسجدكم هذا - يعني مسجد الكوفة - ألا وإن زاويته اليمنى مما يلي أبواب كندة منها فار التنور ، وإن السارية الخامسة مما يلي صحن المسجد عن يمنة المسجد مما يلي أبواب كندة مصلى إبراهيم الخليل ، وإن وسطه لنجرت فيه سفينة نوح ، ولئن أصلي فيه ركعتين أحب إلي من أن أصلي في غيره عشر ركعات ، ولقد نقص من ذرعه من الأس الأول اثنا عشر ألف ذراع ، وإن البركة منه على اثني عشر ميلا من أي الجوانب جئته ( 3 ) .
     وفي الكافي والبحار : بالإسناد عن ابن البطائني عن أبي بصير قال : سمعت الصادق ( عليه السلام ) يقول : « نعم المسجد مسجد الكوفة ، صلى فيه ألف نبي وألف وصي ومنه فار التنور وفيه نجرت السفينة ، ميمنته رضوان الله ووسطه روضة من رياض الجنة وميسرته مكر » . فقلت لأبي بصير : ما يعني بقوله مكر ؟ قال : يعني منازل الشياطين . ثم قال : وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقوم على باب المسجد ثم يرمي بسهمه فيقع في موضع التمارين ، فيقول : « ذاك من المسجد » . وكان يقول : « قد نقص من أساس المسجد مثل ما نقص في تربيعه » ( 4 ) .
     وفـي تفسير العياشي والبحار : عن المفضل بن عمر قال : كنت مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) بالكوفة أيام قدم على أبي العباس، فلما انتهينا إلى الكناسة نظر عن يساره ثم قال : « يا مفضل ها هنا صلب عمي زيد » . ثم مضى بأصحابه حتى أتى طـاق (الزياتين ) ( 5 ) وهو آخر السراجين ، فنزل وقال لي : « انزل ، فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم ( عليه السلام ) وأنا أكره أن أدخله راكبا » . فقلت له : فمن غيره عن خطته ؟
     قال : « أما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح ( عليه السلام ) ، ثم غيره بعد أصحاب كسرى والنعمان بن منذر ثم غيره زياد بن أبي سفيان » . فقلت له : جعلت فداك وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح ( عليه السلام ) ؟ فقال : « نعم يا مفضل وكان منزل نوح وقومه في قرية على متن الفرات مما يلي غربي الكوفة » . قال : « وكان نوح رجلا نجارا فأرسله الله وانتجبه ، ونوح أول من عمل سفينة فجرت على ظهر الماء ، وأن نوحا لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ( 6 ) يدعوهم إلى الهدى فيمرون به ويسخرون منه ، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم وقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) إلى قوله : ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ( 7 ) . فأوحى الله إليه : يا نوح أن أصنع الفلك وأوسعها وعجل عملها بأعيننا ووحينا . فعمل نوح السفينة في مسجد الكوفة بيده يأتي بالخشب من بعد حتى فرغ منها » . قال المفضل : ثم أنقطع حديث أبي عبد الله ( عليه السلام ) عند ذلك عند زوال الشمس فقام فصلى الظهر ثم صلى العصر ثم انصرف من المسجد ، فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار ( الداريين ) ( 8 ) وهو موضع دار ابن حكيم وذلك فرات اليوم وقـال لي : « يا مفضل ها هنا نصبت أصنام قوم نوح ( عليه السلام ) ويغوث ويعوق ونسرا » . ثم مضى حتى ركب دابته فقلت له : جعلت فداك في كم عمل نوح سفينة وفرغ منها ؟ قال : « في الدورين » . فقلت : كم الدوران ؟ قال : « ثمانون سنة » . قلت : إن العامة تقول : عملها في خمسمائة عام ؟ فقال : « كلا ، كيف والله يقول : ( ووحينا ) » ( 9 ) . قال المفضل : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أرأيت قول الله : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) ( 10 ) ما هذا التنور وأين كان موضعه وكيف كان ؟ فقال : « وكان التنور حيث وصفت لك » . فقلت : فكان بدء خروج الماء من ذلك التنور ؟ فقال : « نعم ، إن الله أحب أن يري قوم نوح الآية ، ثم إن الله بعد أن أرسل إليهم مطرا يفيض فيضا وفاض الفرات فيضا أيضا والعيون كلهن عليها فأغرقهم الله وأنجى نوحا ومن معه في السفينة» . فقلت له : فكم لبث نوح ومن معه في السفينة حتى نضب الماء وخرجوا منها ؟ فقال : « لبثوا فيها سبعة أيام بلياليها وطافت بالبيت ثم استوت على الجودي وهو فرات الكوفة » . فقلت له : إن مسجد الكوفة لقديم ؟ فقال : « نعم ، وهو مصلى الأنبياء ، ولقد صلى فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث انطلق به جبرئيل على البراق ، فلما انتهى به إلى دار السلام وهو ظهر الكوفة وهو يريد بيت المقدس قال له : يا محمد هذا مسجد ( أبيك ) آدم ( عليه السلام ) ومصلى الأنبياء ، فأنزل فصل فيه . فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله ) فصلى ثم انطلق به إلى بيت المقدس فصلى ، ثم إن جبرئيل عرج ( به) إلى السماء » ( 11 ) .
     قال البراقي : يتضح لك مما ذكرناه : أن مسجد الكوفة قديم وفضله عظيم ، وأنه قد خطه آدم ( عليه السلام ) فما دونه من الأنبياء ، وأنه كان عظيما جدا ، وأنه قد نقص منه اثنا عشر ألف ذراع أو أقل بيسير أو أكثر كما بينا فيما تقدم من الأخبار ، وأن نقيصته تكون والله أعلم من جهة عكس القبلة ، وذلك لما مر في حديث المفضل من قوله : ( لما انتهينا إلى الكناسة نظر الصادق عن يساره ثم قال : يا مفضل ها هنا صلب عمي زيد ، ثم مضى حتى أتى طاق ( الزياتين ) ( 12) وهو آخر السراجين فنزل وقال لي : إنزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم إلى آخر ما مر ، فالكناسة هي الآن فيها مقام زيد بن علي ، وهو مقام دفنه وحرقه ، وهو عن قرية الكفل على بعد خمسة أميال ، وكان مجيء الصادق ( عليه السلام ) من ذلك المكان ، فنقصانه والله أعلم يكون أوله من قرب مقام يونس ، ويبعد كل البعد أن يكون نقصانه من الجهة القبلة ، ذلك لأن قصر الإمارة من جهة قبلة المسجد ومحاذيه ، وأوضح من هذا أن دار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يخرج الخارج منها ويدخل المسجد ، ولو كان موضعها من المسجد لما اتخذه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) مسكنا ، وأن هذا البيت بيت أمير المؤمنين لا ريب ، ويؤيد ذلك ما أخبر عنه أهل التواريخ ، ولعله يأتي ذلك إن شاء الله . ولا يصح القول بأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أباح الله له من المساجد ما أبيح للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنه إنما أباح الله ذلك للنبي ولأمير المؤمنين ولفاطمة وللحسنين ( عليهم السلام ) فحسب لا لسائر أزواج أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولا لمطلق أولاده ، لأن ذلك مخصوص بالمعصوم . وأوضح برهان على ذلك تسالم الناس من عصر إلى عصر واتفاقهم على أن هذه هي دار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

1 - من لا يحضره الفقيه : 3 / 255 ح 24 ، بحار الأنوار : 97 / 386 ح 6 .

2 - بحار الأنوار : 97 / 395 ح 29 ، وما أثبتناه من المصدر .

3 - بحار الأنوار : 97 / 396 ح 31 .

4 - الكافي : 3 / 492 ح 3 ، بحار الأنوار : 97 / 397 ح 38 .

5 - في البحار والمطبوع الأول : ( الرفائين ) .

6 - الفرق بين العام والسنة : هو أن العام جمع أيام السنة والسنة جمع الشهور ، والعام يفيد كونه وقتا لشئ والسنة لا تفيد ذلك ، ولهذا يقال : عام الفيل ولا يقال : سنة الفيل ، ومع هذا فان العام هو السنة والسنة هي العام .
وقال ابن الجواليقي : السنة من أول يوم عددته إلى مثله والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا وعليه فالعام أخص من السنة فكل عام سنة وليس كل سنة عاما . انظر : الفروق اللغوية : 348 - 349 رقم 1393 و 1394 ، مجمع البحرين : 3 / 280 .

7 - سورة نوح : 26 - 27 .

8 - أي العطارين ، وما بين القوسين لم يرد في المطبوع الأول .

9 - تفسير العياشي : 2 / 144 - 145 ح 19 ، بحار الأنوار : 97 / 385 - 386 ح 6 . والآية في سورة هود : 37 ، والمؤمنون : 27 .

10 - سورة هود : 40 .

11 - تفسير العياشي : 2 / 146 ح 21 ، بحار الأنوار : 97 / 386 - 387 ح 7 ، وما بين القوسين أثبتناه من المصادر .

12 - في المطبوع الأول : ( الرفائين ) .