مراقد ومقامات الأنبياء والصالحين

 

احتضنت أرض النجف (الغري) قبل الإسلام أجساد بعض الأنبياء الصالحين ، ونزل أرضها آخرون ولم يدفنوا فيها ، وهي وفق ذلك أصبحت أرضا مقدسة لها قدمها التاريخي قبيل أن تتشرف بجسد سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وقد أوردت المصادر والمأثورات عن الأئمة (عليهم السلام) مدفن عدد من الأنبياء والصالحين في أرض النجف وهم :

 

1- آدم ونوح (عليهما السلام)

وردت نصوص تاريخية وأحاديث شريفة عن مرقدي النبيين آدم ونوح (عليهما السلام) في أرض النجف ، وقد وردت في الزيارة (السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح)(1) وقد أصبحت هذه الزيارة من باب المسلمات بأن الإمام عليا (عليه السلام) قد دفن بين النبيين آدم ونوح (عليهما السلام) وقد أصبح لهما قبران منفصلان عن قبر الإمام (عليه السلام) ، وقد شاهدهما الرحالة ابن بطوطة عند زيارته لمدينة النجف الأشرف عام 727هـ فقال : (بين القبور طسوت ذهب وفضة فيها ماء الورد المسك وأنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك ويدهن به وجهه تبركا)(2) وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نوح (عليه السلام) ، وهو في السفينة أن يطوف في البيت أسبوعا ، فطاف أسبوعا ، ثم نزل في الماء إلى ركبته فاستخرج تابوتا في عظام آدم (عليه السلام) ، فحمل التابوت في جوف السفينة حتى طاف بالبيت ما شاء الله أن يطوف ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها وتفرق الجمع الذي كان مع نوح (عليه السلام) في السفينة فأخذ التابوت فدفنه في الغري(3) وهذا الحديث قد سبق تخطيط الكوفة ومسجدها بمدة سحيقة في القدم ، وقد شاءت الأقدار أن يخطط في عام 17هـ مسجدا في هذا الموضع التاريخي ، وفي وراية أن آدم (عليه السلام)(4) دفن في مكة في جبل أبي قبيس ثم أن نوحا (عليه السلام) حمل بعد الطوفان عظامه في تابوت فدفنه في ظاهر الكوفة فقبره هناك مع قبر نوح في الغري ، ووصف الرحالة السيد عباس المدني الذي زار النجف عام 1132هـ هذه القبور بقوله : أن القبة عقدت على قبور آدم ونوح وعلي (عليه السلام) ، وأنها قبة عظيمة في زينة وسيمة ، وأول من عقد هذه القبة هو عبد الله بن حمدان في العصر العباسي(5). وقد أكدت الأحاديث الشريفة المروية عن الأئمة (عليه السلام) إلى قبري آدم ونوح (عليهما السلام) في النجف الأشرف. وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) : أن قبر علي في الغري ما بين صدر نوح ومفرق رأسه مما يلي القبلة(6).

 

2- مرقد هود وصالح عليهما السلام

من الآثار القديمة في الشمال الشرقي لمدينة النجف المسورة مرقدي هود وصالح عليهما السلام . وهما يقعان في جبانة النجف الكبيرة على بعد قرابة نصف كيلومتر عن سور المدينة.

ورد ذكر النبيين هود وصالح في الزيارة لأمير المؤمنين عليه السلام جاء فيها : (السلام عليك وعلى جاريك هود وصالح) ويستفاد من هذه الزيارة انهما دفنا في مكان ليس ببعيد عن مرقد الإمام (عليه السلام) ، في حين أن النبيين آدم ونوح قد دفنا بنفس البقعة التي دفن فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقد أعطت الزيارة لهود وصالح صفة الجوار ، وأعطت لآدم ونوح صفة المضاجعة ، ويقع مرقد هود وصالح في وادي السلام، وقد بنيت عليهما قبة متوسطة الحجم والارتفاع ، وقد فرشت بالكاشي الأزرق ، ويقع أمام القبرين صحن دار صغير ، وقد نقل الشيخ محبوبة عن سادن المرقد عام 1333هـ قوله : أن أول من وضع على قبريهما صندوقا من الخشب هو السيد محمد مهدي الطباطبائي (بحر العلوم) المتوفى عام 1212هـ .

بنيت بعد ذلك قبة عالية فوق القبة الأولى ، وقد فرشت بالكاشي الأزرق ، ثم قامت سركالة الهند بترميم المرقد عند مجيئها إلى مدينة النجف الأشرف وزيارتها لمرقدي هود وصالح، ويقول الشيخ محبوبة : أن هودا وصالحا دفنا في وادي السلام ، وبنيتهما مشيدة مشهورة ، وكان قبرهما في عهد السيد بحر العلوم في غير موضعه الآن ، فحوله السيد إلى موضعه اليوم وبين اشتباه الموضع الأول(7) وقد أكد السيد الكاظمي : أن الذي أظهر القبرين هو السيد بحر العلوم(8) ومن المحتمل أن القبر المذكور والذي حدده السيد بحر العلوم يقترب من الذكوات البيض حيث قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) وقبري آدم ونوح سلام الله عليهما.

وقد وضعت على قبري هود وصالح في وادي السلام صخرة حمراء قديمة طولها ذراع وأصابع ، وعرضها شبر واحد ، كتبت بالخط الكوفي ، وهي تشير إلى المرقدين ، وقد وضعت هذه الصخرة في واجهة الاسطوانة الغربية في نصفها في عمق ذراع يد في البناء (9).

 

3- مقام الإمام علي عليه السلام ، وقبر اليماني

من الآثار التاريخية المشهورة عند العارفين وعند السواد الأعظم في النجف الأشرف مقام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، المعروف قديما بمقام الصفا ، وبجنبه قبر اليماني المعروف أيضا بمقبرة الصفا ، أي مقبرة الصخر . موقعه في الجهة الغربية لمدينة النجف على الضفة المطلة على بحر النجف ، وإلى الجنوب من مقام الإمام زين العابدين على بين الحسين (عليه السلام).

كان المقامان خارجين عن مدينة النجف خلف السور الذي أشاده آصف الدولة الهندي سنة 1226هـ . وعلى أثر تكرار غزو الأعراب والوهابيين للنجف تبرع الصدر الأعظم نظام الدولة الوزير محمد حسين خان العلاف ببناء سور صغير يحوط المقامين ، فأدخلا في المدينة.

وصف شيخنا محمد حرز الدين قبر اليماني ، قائلا : يقع مرقده بين المسجد الذي فيه مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) غربا وبين صحنه المستطيل شرقا . وتحوط صحنه من الدخل دور عامرة تسكنها اليوم سدنة القبر . وفي الجانب الشمالي من صحنه حياض ماء بقربها بئر عباسية واسعة يستقي الزائرون منها بالدلاء للوضوء والتطهير ، كل ذلك وقف على الزائرين . ومن هنا مسلك طريق ينفذ إلى مقام الإمام زين العابدين (عليه السلام) ، فالزائرون يتطهرون بهذا الماء ويوروا المقامين من هذا المسلك الضيق.

أما ما يشعرنا بأن هذا الأثر هو مقام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ، هو ما ورد مأثورا ووجود الأثر التاريخي . فمن الآثار القديمة التي تصرح بأنه مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وجود لوحين من الحجر الأبيض منقوش عليهما قصيدتان من الشعر كل منهما تصرح بأنه مقام علي (عليه السلام) . الصخرة الأولى كانت مثبتة في البناء فوق المحراب كتب عليها بالحفر قصيدة هائية في اثني عشر بيتا من الشعر العربي مطلعها :

 

شاد مقام الطهـر مـولى رقـى                   أعـلا مقامـات الـورى قـدره

 

والصخرة الثانية هي أكثر وضوحا من الأولى مثبتة في جدار المقام على ارتفاع قامة إنسان على يسار مستقبل القبلة قرب محراب المسجد ، تاريخها سنة 1170هـ ، كتب عليها قصيدة لامية في عشر أبيات فيها تصريح بأنه مقام علي (عليه السلام) ، مطلعها :

 

فناهيك صرحا يزدري كل منزل                    أناخ على العليا بأعظم كلكل

 

وقد تحول المكان إلى مسجد يعد الآن من مساجد النجف القديمة . يقول الشيخ محمد حرز الدين : أن هذا المسجد يقع إلى جنب مقبرة الصفا(10).

وكان الإمام علي (عليه السلام) إذا أراد الخلوة بنفسه أثناء خلافته في الكوفة ، يأتي إلى طرف الغري ، فبينما هو ذات يوم مشرف على النجف فإذا برجل قد أقبل من جهة البرية راكبا ناقة وأمامه جنازة ، فحين رأى الإمام (عليه السلام) قصده وسلم عليه فرد عليه الإمام (عليه السلام) قائلا له : من أين ؟ قال : من اليمن ، قال : وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال جنازة أبي لأدفنه في هذه الأرض ، فقال : لم لا دفنته في أرضكم ؟ قال : هو أوصى بذلك ، وقال : إنه يدفن هناك رجل يدعي في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، فلما سمع الإمام (عليه السلام) حديثه قال : أتعرف هذا الرجل  ؟ قال لا ، فقال (عليه السلام) : أنا والله ذلك الرجل ، فدفنه في هذا الموضع وقد قيل له (صافي صفا) وقد بني بإزاء قبره مسجد وفيه مقام ينسب لأمير المؤمنين (عليه السلام)(11) ومن المحتمل أنه (عليه السلام) قد صلى في هذا الموضع أو أدى الصلاة على جنازة اليماني قبيل دفنه.

 

4- مرقد كميل بن زياد النخعي

هو من الآثار الباقية في النجف . وكان في أواخر العهد العثماني مهجورا في صحراء لا يقصده إلا عارفوه ، فهو يبعد عن مدينة النجف الأشرف القديمة المسورة حوالي كيلومترا ونصف في الموضع الذي كان يقال له "الثوية" . ولبعد قبره عن الطريق العام بين النجف والكوفة لم يتعاهده الناس بالزيارة لقرءة الفاتحة ونحوها إلا أهل العلم والفضل والعارفون بمنزلته وجلالة قدره.

وقد عمر أهل الخير والصلاح مرقده ، وجعلوا له حرما فوقه قبة عالية الذرى يحيط به صحن مستدير واسع . وقد أسست حول صحنه من الداخل غرف وأواوين بنيت من قبل وجوه من أهل النجف فجعلوها مقابر لهم ولأسرهم ، وأصبح القبر في وسط الحي الجديد المعروف بحي الحنانة.

لم يعرف في هذه المنطقة أي قبر للصحابة والتابعين في الوقت الحاضر سوى قبر كميل بن زياد النخعي المتوفى عام 82هـ ، وفي رواية عام 88هـ ، وكان قد استشهد على يد الحجاج بن يوسف الثقفي(12) وقد أبرز القبر أحد المتصوفة في عصر الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى عام 1281هـ، وبنى عليه قبة وهي القائمة اليوم(13) وقد أشارت بعض المصادر إلى أن السيد مهدي الفزويني المتوفى عام 1300هـ هو الذي استخرج القبر من خلال بعض الأمارات(14) ويتربع القبر على تل مرتفع نسبيا من الأرض ، وشيد على سياج الصحن مقابر ، وتبلغ مساحة الصحن أحد عشر ألف متر مربع.

وكان الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وثيق الصلة بالشهيد كميل بن زياد النخعي رضي الله عنه ، وهو صاحب الدعاء المشهور باسمه، وقد أخذه الإمام (عليه السلام) ذات يوم إلى ظهر الكوفة – أرض النجف الحاضرة – وخاطبه بالقول : يا كميل أن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها ، أحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل نافق يميلون مع كل ريح(15).

 

5- القائم المائل ومسجد الحنانة

ومن المواضع التاريخية التي تؤثر في النجف هو مسجد الحنانة . يبعد عن سور مدينة النجف القديمة قرابة كيلومترا واحدا أقرب إلى النجف من قبر كميل بنصف كيلو ، وهو في الموضع القديم المعروف بالثوية.

قال الشهيد الأول محمد بن مكي المتوفى سنة 786هـ : لعل موضع القائم المائل الوارد في الأخبار هو المسجد المعروف الآن بمسجد الحنانة قرب النجف ، ولذا يصلي الناس فيه(16).

أخرج الشيخ الطوسي ، عن عبد الله بن مسكان ، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) ، قال : سألته عن القائم المائل في طريق الغري ، فقال : نعم ، إنه لما جاوز سرير أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ، انحنى أسفا وحزنا على أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وكذلك سرير إبرهة لما دخل عليه عبد المطلب انحنى ومال(17).

وفي هذا الموضع أنزلوا سبايا كرائم آل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عيالات الحسين (عليه السلام) بعد شهادته في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61هـ ليأخذ عبيد الله بن زياد والي الكوفة الحيطة لنفسه من الكوفيين ويستعد بشرطته خوف النهوض عليه عاجلا ، حتى يطوفوا بعيال الحسين (عليه السلام) سبايا في سكك الكوفة وشوارعها ، ويعلم الناس صنعه بآل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

روى الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي ، عن المفضل بن عمر ، قال : جاز الصادق (عليه السلام) بالقائم المائل في طريق الغري فصلى ركعتين ، فقيل له : ما هذه الصلوة؟ .

فقال : هذا موضع رأس جدي الحسين بن علي (عليهما السلام) وضعوه ههنا لما توجهوا من كربلاء ثم حملوه إلى عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه(18).

وورد مرسلا أن حملة الرؤوس عبثوا برأس الحسين (عليه السلام) ورؤوس أهل بيته وأصحابه البررة في الثوية ، فحن السبي وحنت الأرض جزعا مما صنع بالرؤوس ، ومن هنا سميت هذه البقعة بالحنانة ، ثم حملت الرؤوس على أطراف الرماح أمام السبايا إلى الكوفة وطيف بها سكك الكوفة وشوارعها(19).

 

6- مقامي الإمام علي بن الحسين عليه السلام

من الآثار التاريخية القديمة في النجف الأشرف مقامي الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام).

المقام الأول

يقع في الجهة الغربية لمدينة النجف المسورة مما يلي جرف البحر ، في محلة العمارة (محلة المسيل القديمة) ، وهو مقام مشيد معروف ومشهور . وقد تقدم أن هذا المقام ومرقد اليماني كانا خارجين عن مدينة النجف خلف السور الذي أشاده آصف الدولة الهندي سنة 1226هـ ، وعى أثر تكرار غزو الأعراب الوهابيين للنجف تبرع الصدر الأعظم نظام الدولة الوزير محمد حسين خان العلاف ببناء سور صغير يحوط المقامين ، فأدخلا إلى المدينة.

قال شيخنا محمد حرز الدين : حدث علماؤنا الأعلام ، عن مشايخ الغري الأقدس ، عن مشايخهم : أن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) كان عندما يأتي من الحجاز لزيارة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) ينزل في هذا المكان ليوهم الرائي له أنه جاء حاجا إلى بيت الله الحرام من هذا الطريق العام ببادية العراق ، وأنه يريد الوضوء من قليب قديم في هذا الموضع.

قال: ويحكى أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان إذا أراد أن يزور جده أمير المؤمنين في العراق ، يأتي في طريقه إلى هذا المكان قرب القليب ، فيربط ناقته فيه ، ثم يذهب حافي القدمين فيزور القبر الشريف ، ثم يرجع ويبيت في هذا المكان ، وفي الصباح يرجع إلى الحجاز . وقد وردت أخبار كثيرة في زيارة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) للمرقد المطهر ومبيته عنده ، أما أن يكون هذا المكان هو محل مبيته ، فليس لدينا ما يثبته سوى الشهرة الطائرة عند النجفيين وعلمائها ورواتها ، والاعتناء به كثيرا ، وعرفه النجفيون بهذا الاسم خلفا عن سلف وصاغرا عن كابر.

وفي محراب المقام صخرة جميلة الشكل بديعة الصنعة منقوش عليها أحرف مقطعة ، يقال إنها من آثار الشيخ البهائي وإن هذه الأحرف هي طلسم يمنع من لسع الأفاعي.

 

المقام الثاني

وفي النجف مقام آخر ينسب إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) موقعه غربي الصحن الغروي الشريف ، يبعد عنه ما يقدر بمئة وخمسين مترا تقريبا ، في آخر سوق العمارة (سوق القاضي) في دار قديمة . 

في كتاب النوادر : إن في منتهى هذا الزقاق – الذي صار سوقا يعرف بسوق العمارة بعد فتح باب الصحن الجديد – محرابا قديما مجللا يزعم الناس أنه محل كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يربط ناقته فيه عندما يجيء لزيارة جدة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ثم أهملت أسماء هذه المحال وسميت بمحلة عمارة المؤمنين(20).

واليوم أصبح هذا المقام من الآثار الإسلامية المندرسة في النجف الأشرف بعد الهدم الأخير للقسم الأكبر من محلة العمارة.

 

7- مقامي الإمام الصادق وموضع منبر القائم عليهما السلام

يؤثر في النجف الأشرف مقامان للإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ، صلى فيهما عند مجيئه لزيارة مرقد جده أمير المؤمنين (عليه السلام) . وصرحت أخبار كثيرة – تقدمت – أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يأتي تارة من الحجاز لزيارة المرقد المطهر ، وأخرى من الكوفة أو الحيرة ، كما دل بعض شيعتهم على مرقده ، وأعطى صفوان الجمال دراهم لإصلاح دكة على القبر حتى ظهوره على يد هارون الرشيد العباسي.

 

المقام الأول

يقع المقام الأول للإمام الصادق (عليه السلام) بين الركن الجنوبي الغربي للصحن الشريف ومسجد الرأس .

قال شيخنا البحاثة الحجة محمد حرز الدين ما نصه : يقع هذا المقام جنب جدار الصحن الغروي الغربي على يسار الداخل إلى الصحن من الباب السلطاني (باب الفرج) الذي فتح باسم السلطان ناصر الدين شاه سنة 1287هـ. وأدركنا بناء المقام فكان عبارة عن غرفة قديمة البناء كالصفة فوقها قبة بيضاء بنيت بالجص والآجر القديم ، طولها ثلاثون قدما وعرضها كذلك ، أمامه ساحة في وسطها بالوعة لصرف مياه الأمطار . وكان الأخيار والزوار يصلون فيه ركعتين . وروي أن السيد حسين المقرم النجف كان يصلي فيه جماعة.

وفي سنة 1368هـ هدم ذلك الدكان وما حوله لفتح الشارع العام المحيط بالصحن الشريف ، وأعيد بمكانه دكاكين جديدة . وبعد حدود ستة عشر عاما هدمت هذه الدكاكين وأصبحت ساحة معبدة ، فتح عندها باب خارجي لمسجد الرأس.

 

المقام الثاني

يقع في وادي السلام جبانة النجف الكبيرة ، وبجنبه جنوبا في نفس المكان موضع مربع الشكل والهيئة معبد بالقاشي الأزرق القديم عليه قبة زرقاء ، تزوره الناس وتصلي فيه ، وتسميه العامة "مقام المهدي" . ما عيه النصوص والأحاديث هو موضع منبر القائم الإمام محمد بن الحسن المهدي عند ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . والذي دلنا عليه وعن مكانه في هذا الموضع هو التسالم عند رجال الشيعة ورواتها المتصل بأصحاب الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

ويقول الشيخ جعفر محبوبة : (في الجانب الغربي من البلدة بنية تعرف الآن بمقام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه ، وبهذه النسبة أصبحت مقدسة عند أغلب الناس ، والذي نعلمه أن في النجف منبر القائم كما ورد مأثورا عند الإمام الصادق (عليه السلام) ، فهذا الحديث يزيدنا بيانا بأن لصاحب الأمر عجل الله فرجه مقاما في النجف ، وأما أن الموضع الذي صلى فيه الإمام هو هذا المقام المعروف الآن ، فليس لدينا ما يثبته ويصح الاعتماد عليه سوى أن الإمام العلامة الحجة السيد محمد مهدي بحر العلوم شاد في المحل نفسه عمارة ضخمة وأقام عليها قبة من الجص والحجارة وبناها على شكلها الحاضر ، وبنى القبة بالحجر القاشي الأزرق ، ويوجد في المكان نفسه وفيه ما نصه : حرره الآثم الجاني قاسم بن المرحوم السيد أحمد الفحام الحسيني في التاسع من شعبان سنة 1200هـ(21).

وقد تواترت الأحاديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، إنه صلى في مدينة النجف الأشرف ست ركعات ، اثنتين عند موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) ، واثنتين عند موضع رأس الحسين (عليه السلام) واثنتين عند موضع منبر القائم (عليه السلام)(22) وفي نص يشير إلى أن الإمام الصادق (عليه السلام) صلى عند موضع منزل القائم(23) لقد بني مقام الإمام المهدي في النجف الأشرف عام 1347هـ.

فمن النصوص الناصة عليه ما رواه الشيخ الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمد قولويه المتوفى سنة 369هـ عن أبان بن تغلب ، قال : كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) فمر بظهر الكوفة ، فنزل وصلى ركعتين ، ثم تقدم قليلا ، فصلى ركعتين ثم سار قليلا ، فنزل فصلى ركعتين ، ثم قال : "هذا موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)" . قلت : جعلت فداك فما الموضعين اللذين صليت فيهما؟. قال : "موضع رأس الحسين (عليه السلام) وموضع منبر القائم (عليه السلام)"(24).

 


 

1 الشرقي : الأحلام ص53، الريحاني: قلب العراق، ص176.

2 ابن بطوطة : الرحلة 1/110.

3 النوري : مستدرك الوسائل 2/314، القمي : سفينة البحار 2/299، كمونة : مشاهد العترة الطاهرة ص146.

4 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 1/96.

5 المكي : نزهة الجليس 1/105.

6 ابن طاووس : فرحة الغري ص57.

7 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 1/246.

8 الكاظمي : دوائر المعارف ص10.

9 حرز الدين : مراقد المعارف 2/365.

10 حرز الدين : معارف الرجال 3/125.

11 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 2/47، الأمين : أعيان الشيعة 1/402، يعقوب سركيس : مباحث عراقية ق2/232 نقلا  عن ديوان السيد مير رشيد ورقة 50-51.

12 ابن حجر : الاصابة في تمييز الصحابة 3/318.

13 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 1/247.

14 الأمين : الرحلة العراقية الإيرانية ص36.

15 الطوسي : الآمالي 1/19.

16 بحار الأنوار : 97/455.

17 الأمالي : 682.

18 المزار : 32.

19 مراقد المعارف : 2/220.

20 كتاب النوادر : 7/69.

21 محبوبة : ماضي النجف وحاضرها 1/95-96.

22 ابن قولويه : كامل الزيارات ص34.

23 الحر العاملي : الوسائل 10/310.

24 كامل الزيارات : 83.