|
أسوار مدينة
النجف *
لقد كان لوقوع النجف على حافة الهضبة الغربية
جعلها مفتوحة إلى الصحراء و"عرضة للغزاة"(1) ، وخاصة من قبل
الأعراب الذين يحيطون بهذه المنطقة ، ولبعد مدينة النجف عن مدينة
الكوفة التي كانت تابعة لها إداريا حيث لم يتسنى لها الحصول على أي
مساعدة أو قوة عسكرية لصد الهجمات التي تتعرض لها(2)، في حين كانت
مدينة الكوفة نفسها تفتقر إلى هذا الأمر وكانت عرضة لهذه الهجمات
من وقت لآخر .
وقد يستغرب البعض من هذا القول ، ويتساءل ماذا يمكن الحصول من هذه
المدينة التي لم تزل في بداية نموها وازدهارها بحيث تكون عرضة
ومطمع لهجمات الأعداء ..؟ وللجواب على هذا السؤال إنه لا نقصد
تاريخ مدينة النجف ضمن فترة زمنية محددة وإنما على طوال تاريخها
وما اقيمت من عمارات متكررة على المرقد الشريف وما صاحب ذلك من
عملية استقرار وسكن في هذه المدينة ومن غير شك انها قد جلبت انظار
من يحاول ان يناوئها او يمسها بسوء سواء كان لدوافع مادية أو دوافع
أخرى متعلقة بالدين والعقيدة.
وانطلاقا من أهمية إلمنطقة فلابد من تحصين المدينة و السور من
الوسائل الرئيسية المهمة في المدينة الذي يساعد على حفظ الأمن
والاستقرار(3) من أي اعتداء محتمل ، وعليه كان بناء سور لمدينة
النجف أمر لا يتغاضى عنه ، بل من الأمور الضرورية لحفظ هذه المدينة
للأسباب الآنفة الذكر.
ويمتد تاريخ أسوار مدينة النجف مع الجذور التاريخية لنشأتها(4) ،
حيث ارتبط نشؤها بمشهد الإمام علي (عليه السلام) من جانب ، وبمدينة
النجف من جانب آخر(5) ، أي يمكن القول أن بناء الأسوار كان في
بداية الأمر حول المرقد المقدس ضمن نطاق محدد ، ثم على أثر توطن
الناس في المدينة حيث ألزمت الظروف الجديدة إلى بناء سور يحمي
السكان المقيمين ومن أهم الأسوار التي بنيت في مدينة النجف خلال
العصر العباسي هي :
أولا : يعد أول سور بني في النجف كان حول المشهد المقدس من قبل
محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان في القرن الثالث الهجري بعدما عمر
القبر الشريف ، وقد أغفل السنة التي شيد فيها هذا السور ، ومن
المحتمل أنه بنى هذا السور خلال الربع الأخير من القرن الثالث
الهجري ، مع عمارته للمرقد الشريف ، ويذكر الحسيني أنه قد زار
النجف(6) وهذا ما أكده السيد حسن الصدر نقلا عن كتاب زينة المجالس
حيث قال : "حج الداعيان الحسن ومحمد ابنا زيد بن الحسين فأمر
بعمارة مشهد أمير المؤمنين"(7)، أضف إلى ذلك أنه شيد سورا حول
المشهد : "لرد هجمات المعادين والمناوئين فإنه بات حول المرقد
العلوي لم يكن ولا طامعا في البقاء"(8) وخاصة خلال تلك الفترة حيث
لم تأمن مدينة النجف من أي هجمات قد تتعرض لها وهي لا زالت في دور
التكوين والنشأة.
ثانياً : ينسب بناء السور الثاني في مدينة النجف إلى أبي الهيجاء
عبد الله بن حمدان ، باعتمادنا على نص أورده ابن حوقل ذكر فيه :
"وقد شهد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان هذا المكان وجعل عليه
حصارا منيعا"(9) ، ولم تحدد لنا من القرن الرابع الهجري وحدودا في
سنة 312هـ أو ما بعده لأنه حج خلال هذا العام(10) وقلد طريق الكوفة
ومكة(11) ، فربما قام بزيارة مرقد الإمام علي (عليه السلام) أثناء
مروره بمدينة النجف إحدى المحطات الرئيسية لطريق الحج البري الذي
يربط العراق وبلاد المشرق بمكة والمدينة وشبه الجزيرة العربية ،
ومن خلال ما شاهده من عملية استقرار وسكنى في هذه المدينة بعد
عمارة محمد بن زيد العلوي : "فسكن النجف إذ ذاك خلق من العلوية
نسبا وعقيدة وتخططت المدينة في الجملة"(12) ، لذا شيد سورا احاط
بالسور الذي شيده الداعي العلوي من قبل ويبدو لي انه لم يكن سورا
للمرقد الشريف وإنما أحاط بمدينة النجف ضمن حدود جغرافية ضيقة بعض
الشيء ، لأن المرقد المقدس كان قد أحيط بسور من قبل ولم يكن بحاجة
إلى ذلك بقدر ما كان يحتاجه سكان المدينة الذي أخذوا يتزايدون خلال
الأعوام القليلة الماضية ، وهذا السور يعتبر حماية للسكان من جهة
ومرقد الإمام علي (عليه السلام) من جنة أخرى. لذا يمكن اعتبار أن
هذا السور هو بداية التوسع الذي أخذت تشهده مدينة النجف : "بعد
توافد الزائرين له ، والسكن حوله"(13).
ثالثا:
تذكر بعض المصادر أن عضد الدولة البويهي بنى سورا لمدينة
النجف(14) وذلك على أثر التوسع الكبير الذي شهدته مدينة النجف(15)
حيث يبلغ محيط هذا السور ألفين وخمسامئة خطوة(16) ، وقد حدد الشيخ
جعفر محبوبة موقع هذا السور : "عند أول سوق الصفارين(17) اليوم وهو
يبعد عن الصحن الشريف بـ 199م(18)، وهذا يعطينا دلالة واضحة على
حجم التوسع الذي شهدته مدينة النجف خلال القرن الرابع الهجري حيث
أخذ عدد السكن يتزايد بصورة مطردة وذلك ما لمسوه من عظيم اهتمام من
قبل الخلفاء والسلاطين بهذه المدينة ، وبعدما توفرت فيها عوامل
الاستقرار والأمان وابتعادها عن كافة ما يعكر أمنها واستقرارها.
رابعا : شهدت مدينة النجف خلال القرن الخامس الهجري توسعا ملحوظا
في خططها ، حيث أخذ يتزايد عدد السكان المقيمين والمهاجرين إليها
من مختلف المدن، وكان لهذا التوسع مدعاة إلى بناء سور آخر بعد أن
ضاقت المدينة المحيطة بالسور القديم الذي بناه عضد الدولة البويهي
لذا كان بناء أبو محمد الفضل بن سهلان سورا جديدا لمدينة النجف سنة
400هـ ووضع هذا بين أيدينا دليلا آخر على حجم توسع مدينة النجف ،
حيث ذكر ابن الأثير حوادث سنة 400هـ : "وفيها مرض أبو محمد بن
سهلان فاشتده مرضه فنذر أن وفي بنى سورا حول مشهد أمير المؤمنين
(عليه السلام) فعوفي فأمر ببناء سور عليه فبنى"(19) وقد ذكر الذهبي
في حوادث هذا العام المذكور(20) وقد تولى ببناءه أبو إسحاق
الأرجاني(21).
وهذه هي أهم الأسوار التي بنيت في مدينة النجف إلى نهاية العصر
العباسي، حيث كان بناء هذه الأسوار بداية للتوسع الذي أخذت تشهده
مدينة النجف ابتداء من القرن الثالث الهجري بعد ما توفرت عوامل
النهوض والاستقرار فيها ، حيث شهد تاريخ هذه المدينة مع بدايات
القرن المذكور انتقال مهم من مرحلة السكنى الفردية إلى مرحلة
السكنى الجماعية ، أما القرن الرابع الهجري شهدت مدينة النجف نهوض
في مختلف مرافقها ، أما القرن الخامس الهجري كانت النجف مدينة
قائمة بذاتها لها خصائصها التاريخية والاجتماعية والحضارية
والاقتصادية ، وأصبحت تنافس مدينة الكوفة التي أخذت تتضاءل أمام
ازدهار وتطور مدينة النجف خلال هذه الفترة. قال الشيخ محمد كبة في
تاريخه : وفي سنة اثني عشر ومائتين وألف كان فيه تجديد بناء سور
النجف الأشرف. وقال أيضا في تاريخه : وفي سنة إحدى وعشرين ومائتين
وألف كان مجيء سعود الوهابي إلى النجف.
قلت : وقيل إن سعود الوهابي اللعين هو الذي أمر بتوطأة القناة الذي
يجري به الماء إلى النجف فواطأوه أصحابه وهدموه.
قال الشيخ محمد كبة في تاريخه : وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف
كان فيها بناء سور الجديد للنجف بأمر محمد حسن العلاف وزير فتح علي
شاه ، انتهى .
يقول السيد حسن البراقي في كتابه اليتيمة الغروية : حدثني الشيخ
السند الشيخ عباس المتقدم في الذكر أن العلماء كاتبوا لجميع
النواحي ببناء سور إلى النجف لأن السور القديم كان منخفضا وقد جاء
سعود الوهابي إلى النجف وحاصرها ورجع بالخيبة فخافوا من سطوته
وسطوة غيره فحينئذ كتبوا إلى الآفاق لبناء سور جديد لحفظ البلاد ،
فجاء رجل من أهل الهند فأمر ببناء بعض السور فبنى مقدار ربع من
السور وهو من جهة قبلة البلاد ، ثم إن جدي الشيخ الكبير كاتب أبا
أمين الدولة وهو وزير فتح علي شاه بذلك فأجابه بالقبول ووجه الفعلة
والبنائين فبنوا باقي السور من أوله إلى آخره وأدخل إلى البلاد
كثيرا من الأرض ووسع بلاد النجف وهو هذا السور الموجود ، انتهى ما
ذكره.
* من كتاب تاريخ
النجف حتى عصر العباسي تأليف محمد جواد فخر الدين
1 الشبيبي ، كتاب النجف ، ص112.
2 محبوبة ، ماضي النجف وحاضرها ، 1/209.
3 عثمان ، نشأة المدينة الإسلامية ، ص135.
4 الحكيم ، حسن ، أسوار مدينة النجف الأشرف ، مجلة سومر ، مج38،
ج1،ج2،1982، ص211.
5 الحكيم ، حسن ، أسوار مدينة النجف الأشرف ، مجلة سومر ، مج38،
ج1،ج2،1982، ص211.
6 لؤلؤة الصدف ، ص43.
7 نزهة أهل الحرمين ، ص30.
8 الشبيبي ، كتاب النجف، ص122.
9 صورة الأرض ، ص215.
10 مسكويه ، تجارب الأمم، 5/120.
11 ابن الجوزي ، المنتظم، 6/188.
12 الشبيبي : كتاب النجف ص122-123.
13 الحكيم : أسوار مدينة النجف، ص211.
14 الكوفي : نزهة الغري ، ص130.
15 مستوفي ، نزهة القلوب ، ص134.
16 مستوفي ، المصدر نفسه ، ص134.
17 سوق الصفارين بين سوق القصابين وباب السيف وهو منتصف السوق
الكبير.
18 ماضي النجف وحاضرها ، 1/210.
19 ابن الأثير : الكامل ، 7/49.
20 تاريخ الإسلام ، حوادث سنة 381هـ - 400هـ ، ص243.
21 ابن كثير ، البداية والنهاية، 11/342، الشبيبي، كتاب النجف،
ص127.
|
|