|
الحالة
الاقتصادية للنجف
قبل ظهور مدينة النجف الأشرف كان موضع النجف المطل على البحر
القديم ميناء نشطا ترسو فيه السفن . للتبادل التجاري بين دولة
المناذرة في الحيرة وجهات العراق والهند والصين.
قال أبو المظفر سبط بن الجوزي : وكان البحر المعروف بالنجف في ذلك
الوقت جاريا ، وكان مرسى السفن من الهند والصين إلى ذلك المكان
يحمل فيه الأمتعة إلى ملوك الحيرة لما كانت عامرة ، ولما استحال
الماء وانقطع عن مصبه في النجف صار ذلك البحر برا ، وصار بين
الحيرة مسافة (1).
وبعد ظهور المرقد المطهر لأمير المؤمنين (عليه السلام) ونشوء مدينة
النجف الأشرف كان لموقع المدينة على حافة الصحراء أثر في بروز نشاط
تجاري آخر مع القادمين من أعماق الجزيرة العربية للتبضع من العراق
، ما يقوم به التجار النجفيون من رحلات على تلك الأنحاء وغيرها ،
وقد ساعد في ذلك ما عرف به النجفيون من الإرتباط بالعقيدة
الإسلامية من جانب ، والأخلاق الحميدة من جانب آخر.
قال ابن بطوطة في رحلته : وأهلها – أي النجف – تجار يسافرون في
الأقطار وهم أهل شجاعة وكرم ، ولا يضام جارهم صحبتهم في الأسفار ،
فحمدت صحبتهم(2).
ولما كان هناك تلازما وثيقا بين التقدم الاقتصادي والاستقرار
الأمني ، وفي أي مجتمع كان ، فقد شهدت مدينة النجف أدوارا من
الازدهار الاقتصادي نتيجة لما مرت به من أمن على سلامتها وسلامة
الطرق المؤدية إليها ، ولما تلقى من عناية ودعم من السلطة الحاكمة
في العراق . فقد كان الوضع الاقتصادي في النجف الأشرف نشطا في
العهد الإيلخاني الذي امتد من سنة 656هـ إلى سنة 736هـ ، واحتلت
النجف المرتبة الخامسة بين مدن العراق ، فكانت تجارة العراق تتركز
في بغداد بشكل رئيسي ثم في الموصل والبصرة و واسط والنجف(3).
وقد تتقدم النجف في بعض السنين لتحتل المرتبة الثالثة بين مدن
العراق ، ففي إحصاء لعوائد الإيالات (المحافظات) في العراق سنة
740هـ في عهد السلطان الشيخ حسن نويان الإيلخاني ، فكانت كما يلي :
بغداد (80,000) دينارا ، البصرة (441,000) دينارا ، النجف (76,000)
دينارا ، بعقوبة (164,000) دينارا ، واسط (448,500) دينارا(4).
ويكشف عن مدى ما وصلت إليه مدينة النجف الأشرف من ازدهار اقتصادي
في هذا العهد ما ذكره الرحالة ابن بطوطة في زيارته مدينة النجف عام
726هـ ، قال : إنها من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء
، ولها أسواق حسنة نظيفة دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق
البقالين والطباخين والخبازين، ثم سوق الفاكهة ، ثم سوق الخياطين
والقيسارية ، ثم سوق العطارين(5).
كما مرت مدينة النجف بمراحل من الخمول الاقتصادي بعد حوادث أدت إلى
عدم اطمئنان النجف على سلامتها ، وفي كثير من الأحيان إلى انقطاعها
عن العالم الخارجي ولفترات ليست بالقصيرة ، أو عدم وجود طرق تجارية
كافية ومأمونة موصلة إليها في جميع الأوقات وتعرضها لموجات من
السلب والنهب ، وبالتالي خمول نشاطها الاقتصادي.
ولعل العامل الرئيسي في بقاء الكيان الاقتصادي لهذه المدينة قائما
دون انهيار هو تعدد مصادر الدخل للمجتمع النجفي مع أن هذا الكيان
لم يكن زراعيا ولا صناعيا ولم تكن التجارة وحدها هي المصدر الوحيد
له
| ويمكن تعداد الدخل الاقتصادي في النجف
بما يلي : |
1- ما يكسبه التجار النجفيون في
تجارتهم داخل النجف وخارجها . فقد ورد
في نصوص تاريخية كثيرة أن أرض النجف كانت محلا لتلقي وتوديع الحاج
حين وروده أرض العراق ، وكانت قوافل الحاج تمر بالنجف في ذهابها
وإيابها من بغداد ومن أنحاء مختلفة من العراق.
2- ما يبعث به المسلمون الشيعة من حقوق شرعية إلى النجف باعتبارها
مقر الزعامة الدينية ، حيث تصرف في مواردها ، كالإنفاق على طلبة
العلوم ، وبناء المدارس الدينية ، وغير ذلك من موارد.
3- ما يبعث به الملوك والوزراء لإعمار
وتجديد المرقد المطهر وبناء الأربطة
وسور المدينة المشرفة وشق الأنهر إليها ، فتتوفر نتيجة لذلك فرص
كثيرة للعمل.
فكانت لمحمد بن زيد المعروف بالداعي الصغير ملك طبرستان المتوفى
سنة 287هـ في كل سنة ثلاثون ألف درهم أحمر يصرفها على العتبات
المقدسة(6).
وحينما جاء الشاه عباس الصفوي زائرا العتبات المقدسة في العراق أمر
بتجديد القبة العلوية ، ووسع الحرم ، وجلب من أجل ذلك المهندسين ،
ودام العمل ثلاث سنين(7)
وفي سنة 1042هـ جيء بماء الفرات إلى أرض النجف بأمر الشاه صفي
الصفوي ، كما أمر وزيره المرزا محمد تفي المازندراني بتعمير القبة
المنورة ، فمكث الوزير في النجف ثلاث سنين(8).
4- ما يجريه الملوك والوزراء من نفقات
سنوية وهبات لخدم المرقد المطهر والمجاورين والزائرين.
فكان عضد الدولة البويهي يبعث في كل سنة مقدارا من التحف والهدايا
إلى العتبات المقدسة(9).
وورد أن في سنة 633هـ أمر الخليفة المستنصر بالله العباسي بتفريق
ثمانية آلاف دينار من مال الطبق ، منها ألف دينار لفقراء العباسيين
، وألف دينار لفقراء الطالبيين ، وألف دينار للشرفاء المقيمين في
دار الشجرة من حريم دار الخلافة ، وألفان لفقراء العلويين
المجاورين لمشهد علي (عليه السلام)(10).
5- ما يمنحه الملوك والوزراء والأعيان
عند زيارتهم للمرقد المطهر كهدايا للفقراء والمجاورين
. ففي زيارة عضد الدولة البويهي للنجف الأشرف سنة 371هـ طرح في
الصندوق دراهم ، فأصاب بكل واحد من العلويين أحدى وعشرون درهما ،
وكان عدد العلويين ألفا وسبعمئة اسم ، وفرق على المجاورين خمسة
آلاف درهم ، وعلى القراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم ، وعلى المرتبين
والخازن والنواب على يد أبي الحسن العلوي ، وعلى يد أبي القاسم بن
أبي العابد ، وأبي بكر بن سيار (رحمه الله)(11).
وفي سنة 479 هـ زار السلطان ملك شاه السلجوقي ووزيره نظام الملك
المرقد المطهر في النجف ، وأطلق لمن فيه ثلاثمئة دينار ، وتقدم
باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء إلى النجف فبدئ فيه ، وعمل له
الطاهر نقيب العلويين المقيم هنالك سماطا كبيرا(12).
وحينما زار النجف السلطان المغولي غازان بن أرغون عام 698هـ أمر
للعلويين والمقيمين بها بمال كثير(13).
6- الدفن في النجف .
في النجف مقبرة كبيرة تعرف بمقبرة وادي السلام تعتبر ربما من أكبر
المقابر في العالم ، واستمر الدفن في هذه البقعة لقرون خلت لما
وردت من أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في فضل
الدفن في هذه البقعة المقدسة ، كما تقدمت الإشارة إليها وحصل من
جراء تجهيز ودفن الموتى الكثير من الانتفاع المادي والاجتماعي لعدد
كبير من الناس في النجف ، وتكونت نتيجة لذلك طبقة جديدة في المجتمع
النجف كثير العدد يعتمد دخلها في الأساس على عدد الجنائز التي يؤتى
بها لتدفن في النجف .حينما زار الرحالة نيبور مدينة النجف سنة
1179هـ - 1765م قدر عدد الموتى الذين يؤتى بهم من أماكن مختلفة
ليدفنوا في النجف أنه كان يتجاوز الألفين في السنة.
أما الرحالة الإنكَليزي لوفتس فقد قدر عدد الجنائز عند زيارته
لمدينة النجف عام 1270هـ والتي كان يؤتي بها للدفن في النجف بشيء
يتراوح بين (500) و (8000) جنازة في السنة (14).
وبحسب الإحصاءات التي قامت بها إدارة الصحة التركية العامة عام
1912-1913م والمبعثرة في مكاتبها هنا وهناك في مدن العراق بلغ عدد
المدفونين الذين يؤتى بهم من خارج النجف 7558(15).وقد زاد عدد
الموتى الذين يؤتى بهم إلى النجف كثيرا بفضل توفر سبل النقل
السريعة .
7- ما ينفقه الزائرون لمدينة النجف
على مدى أيام السنة ، كنفقات الإقامة
وشراء ما يلزمهم لمتابعة سفرهم ، خصوصا في مواسم معينة من أيام
السنة كزيارة يوم الغدير والمبعث النبوي الشريف ، يحضر فيها الناس
من شتى أرجاء العالم الإسلامي .
وتطورت الزيارة لهذه المدينة المقدسة إلى شبه حج قائم على مدار
السنة . وأشار الرحالة ابن بطوطة في عام 726هـ إلى أيام الزيارة في
النجف بقوله : وهذه الروضة ظهرت بها كرامات لأن بها قبر علي (عليه
السلام) ، فمنها أن في ليلة السابع والعشرين من رجب أي ليلة المبعث
النبوي الشريف وتسمى عندهم "ليلة المحيا" يؤتى إلى تلك الروضة بكل
مقعد من العراقين وخراسان وبلاد فارس والروم ، فيجتمع منهم
الثلاثون والأربعون ... وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد
ويقيمون سوقا عظيمة مدة عشرة أيام(16).
أما الرحالة الدانماركي نيبور الذي زار النجف سنة 1179هـ -1765م
فهو يقدر عدد الزوار الذين كانوا يقصدون النجف يومذاك بحوالي خمسة
آلاف زائر في السنة(17).
وفي سنة 1240هـ - 1824م مر المسيو فونتانيية – نائب القنصل الفرنسي
في البصرة يومذاك – ببغداد وزار واليها داوود باشا ، وكتب في وصفها
ما يشير به إلى النجف ، فهو يقول : أصبحت بغداد مجمعا للمسلمين
نظرا لوجود ضريح الإمام علي . وهذا الإزدحام يجعل من أية نقطة في
البر وسطا تجاريا كبيرا(18).
وقال الرحالة الإنكَليزي لوفتس عند زيارته للنجف عام 1270هـ : إن
لقدسية النجف كان يقصدها الزوار الشيعة من جميع الأنحاء ، وعلى
هؤلاء كانت تعيش البلدة بأجمعها وأن توارد الزوار على النجف بكثرة
قد أغناها غناء غير يسير في تلك الأيام ، وكان يقدر معدل عدد
الزوار الذين كانوا يفدون عليها في كل سنة بمقدار (80,000)
شخصا(19).
1مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: 1/3-4.
2 رحلة ابن بطوطة : 199.
3 العراق في عهد المغول الإيلخانيين : 135،139.
4 تاريخ آل جلاير (فارسي) : 190.
5 رحلة ابن بطوطة : 198.
6 تاريخ طبرستان (فارسي) : 1/95.
7 الأحلام : 54.
8 المنتظم الناصري (فارسي) : 2/182.
9 تاريخ ديالمة وغزنويان (فارسي) :89.
10 العراق في عهد المغول الإيلخانيين :257.
11 فرحة الغري : 154.
12 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : 9/29.
13 الحوادث الجامعة : 497.
14 موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) : 1/234-237.
15 دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث : 78-79.
16 رحلة ابن بطوطة : 200.
17 موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) : 1/223.
18 موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) : 1/231-232.
19 موسوعة العتبات المقدسة (قسم النجف) : 1/234-237.
|
|