بســــــم الله الرحمن الرحيـــــــم

الحمد لله الذي تعالى أن يكون له شريك من خلقه ، أو يكون له ظهير في أمره ، أو يحتاج إلى استكمال في شيء من شأنه ، إذ ما سواه مخلوق له ، منقاد لمشيئته ، محتاج إلى رفده ، مفتقر إلى نواله ، وصلى الله على من أتم بهم نعمه على العباد ، محمد وآله سادات الخلق وهداتهم إلى الرشاد .
(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد ، فيسرنا ويشرفنا أن نحضى بتهيئة هذا اللقاء المبارك بين أساتذة أكفاء حريصين على النهوض بالمجتمع المؤمن ، وأبناء نجباء من طلبة الحوزة العلمية حريصين على انتهال معين من العلوم التى شعروا بحاجتهم إليها في أدائهم لرسالتهم العضمى في هذه الحياة ، ووفائهم بعهدهم لله حين سلكوا سبيل أصفيائه في مشعل الهدى ، والذود عن حياض دينه ، حيث انفتح أمامهم من آفاق مسؤوليات هذا الطريق ما لم يكن في حسبانهم خلال عقود عديدة مضت في أيامهم في الحوزة العلمية المباركة ، فاحتاجوا من أجل ذلك إلى شتات واسع من العلوم والخبرة – وفي أصعدة مختلفة – من اجل أن تتكامل لديهم الرؤية في مختلف الجوانب التي استوعبتها مهماتهم ، وتستقيم لديهم خطوات العمل في كل واحد منها .
كل هذا إضافة إلى ما ألفوه من علوم بني عليها كيان الحوزة العلمية ذاتها ، فاستحقت بها دور الريـادة في الحياة الإسلامية ، وكان لها من عمق النظرة ، وأصالة الفكرة ما أثبتت به إعجاز مذهب أهل البيت (عليهم السلام)وتقدمته خلال العصور المختلفة من حياة الأمة المسلمة ، وهي حقيقة واقعية يجب ان لا يغض عنها بحال من الأحوال .
وكذلك إضافة إلى الشرائط ، وطرائق الحياة والعمل ، التي اصطبغت بها مسيرة هذه الحوزة ، ومسيرة البررة من أبنائها وقادتها عبر الأيام والقرون ، فاستحقوا بتلك الشرائط وهذه الطرائق من عنايات الله ورعاياته ما أعده لأصفيائه وأنصاره في هذه الحياة الدنيا والحياة الأخرى معاً .
ولكن علينا ان نلتفت إلى ان هناك مستجدات العصور التي تفرض على العامل الإسلامي أن لا ينأى بنفسه عنها .
وهناك النظريات الإسلامية في مختلف الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والنفسية وغيرها .
وهناك الطرائق التربوية والتبليغية التي يجب إتباعها من اجل فرض كلمة الله (تعالى)جلية واضحة أمام البصائر البشرية .
وهناك مسؤلية الذود عن هذه الكلمة وعزتها بين كل هذه الدعاوى والمذاهب ، وتمام نورها أمام العقول ، في عصر اتسم بحدة الصراع بين المذاهب والأديان وشدته ، وشموله لمختلف جوانب الحياة ، وخبثٍ من الباطل وعتاته ، وقوةٍ لشوكته ، والتواءٍ في طرائق عمله ، فاق كل ما آلفته البشرية خلال تاريخها الطويل ، وعصورها المتمادية
وهناك - قبل كل هذا وبعده ، مسؤلية هذه الحوزة المباركة أمام الله (تعالى ) وهي تتعهد حمل لواء دينه ، وإبلاغ حجته ، وإقامة أمره في كل عصر ، وفي كل بلد ، وأمام كل بصيرة ، ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ )، نعم ، ( وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ، وإنه لبالمرصاد .
وكل هذه الامور وغيرها ـ كما أشرت ـ تفرض على الطالب الحوزوي ابعادا من المسؤولية وآفاقا من العمل وطرائقه، هي أوسع من أن يقتصر في طلبه للعلم والقيام بوظيفته التبليغية عند حدود المألوف الضيق الذي اعتاده الكثيرون من رجال الدين خضوعا لظروف وعوامل لا اعتقد أنها بخفية على أحد.
إذ علينا أن نعلم أن هذه الحوزة المباركة إنما هي بعين الله ونظرته المباشرة، وأنها تعمل في ظل ولي العصر (ع) قبل أي ظل آخر ، وهي كما استحقت ـ بتلك النظرة الربانية ، وهذا الظل المعصومي ـ من رعايات الله وعناياته ما أهلها لمكانتها العظمى ، وموقعها العتيد في كيان الأمة المؤمنة، أصبح كل ابن من ابنائها، وكل منتسب من منتسبيها موضعاً لحساب خاص من الله على كل عمل ، وكل كمال أو تقصير فيه دون تمام ذلك العهد الأكبر، ووفاء بتلك المسؤولية العظمى.
وما سعينا في التمهيد لهذا اللقاء المبارك إلا استجابة منا لداعي هذه المسؤولية، ونسأل الله أن يجعل عملنا وإياكم خالصاً لوجهه الكريم، وأن يبارك لنا جميعاً خطانا في سبيله القويم، وأن يلقينا وإخوتنا الأساتذة الكرام، وأبنائنا الطلبة النجباء، بركات هذه اللقاءات ثماراً جنية يانعة، تهيء لنا جميعاً مواصلة السعي، وتكامل العمل لنيل رضاه، ورضى أوليائه المنتجبين إنه أرحم الراحمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.