| البعد الأول : البعد الديني |
الدين -كما هو بديهي- هو الأساس في هذه العلاقة ، وخدمته هي الغاية
الأولى فيها ، فيجب أن تكون أحكامه ومناهجه هي السبيل الذي يحكم
الأدوار والمسؤوليات والمهمات التي تفرض على كل من رجل الدين
والمجتمع فيها .
وطبيعي أن يضع الإسلام –وهو دين الله وهداه- لهذه العلاقة حدودها
ومعالمها ومسؤولياتها ، وحقوقها وواجباتها ، سواء بالنسبة إلى رجل
الدين ، وما يفرض عليه تجاه نجاة المجتمع وإقامة أمر الله فيه ،
وإعلاء كلمته بين أبنائه ، أم بالنسبة إلى المجتمع وما يجب عليه
تجاه رجل الدين ، كقائد له في طريق الله ، وكمرشد له في سبيل
الكمال الذي يعنيه استمساكه بدينه القويم .
وهكذا تواترت التوصيات الإسلامية من جميع ألسنة الحجة الإلهية ،
وخصوصاً في سنة الرسول (ص) وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ،
وانتظمت أحكام الشريعة لتعرف كل طرف في هذه العلاقة بما له من حقوق
، ولتضعه –في الوقت نفسه- أمام مسؤولياته ، لبلوغ الغاية من بناء
هذه العلاقة ، وتحقيق أهدافها ، ولأننا لسنا هنا بصدد متابعة هذه
الناحية ، فلا نعرض لشيء منها ، ولا لشيء من أجواء عطاءاتها .
ولأن لرجل الدين دور الفاعلية في هذه العلاقة -قبل غيره من أبناء
المجتمع-، فمن الطبيعي أن يكون هو المطالب الأول بالوقوف على ما
رسمه الدين لها من أهداف ، وما قررته الشريعة لها من حدود ومناهج ،
وأن لا تقصر إحاطته عن شيء مما تفرضه عليه من مسؤوليات ، بما فيها
تعريف المجتمع بمسؤولياته تجاهه نفسه ، وتجاه موقعه ، وتجاه كلمته
التي يطلقها فيه -بعد تمييزها ، وبعد ثبوتها أمام المقاييس
الإسلامية-، كحجة لله قائمة على الناس ، أو كباب من أبواب رحمته
بهم ، مقابل كلمات أخرى تعترض الناس في هذا السبيل أيضاً ، ولكنها
لا تثبت لمقاييس الحق ، ونهجه الواضح ، لأنها لا تعدو حينئذ أن
تكون باباً من أبواب الضلال ، والفسق عن طريق الله ، وإن صدرت ممن
شاء الإعلام أن يرفع اسمه –دون حق- إلى أعلى عليين .
وأقول : تعريف أبناء المجتمع بهذه الأمور التي تعود إلى علاقتهم به
، ومسؤوليتهم إزاء كلمته ، لأنه من غير اليسير على غير ذوي
الاختصاص أن يتعرفوا حدودهم الواضحة ، ومسؤولياتهم المناسبة في مثل
هذه المجالات الحساسة والدقيقة ، دون إرشاد من رجل الدين ، ودون
عناية مثابرة منه ، مع الانتباه إلى أن المراد برجل الدين هنا ليس
الشخص المعين ، بل النوع الذي يحمل راية الهدى ، ويذود عن حياض
الشرع المقدس .
أما المجالات الدينية لعمل رجل الدين في المجتمع ، فهي –ولا ريب-
تستوعب جميع ما يحتاجه للاستمساك به دون أي استثناء ، ولكن هاهنا
مستويين لعمل رجل الدين هما :
أولاً -: المستوى الخاص ، الذي يحتاجه في علاقته مع بعض الناس دون
غيرهم ، لسبب من الأسباب التي تقتضي تخصيص شخص أو مجموعة خاصة في
التبليغ والتربية .
ولأن هذه المجالات الخاصة لا تحدد عادة ضمن ضوابط معينة ، فليس من
السهل التعرض لشيء منها في تقرير كهذا ، يهدف إلى إرشاد رجل الدين
إلى بعض مسؤولياته العامة في المجتمع .
ويمكن القول بأن هذا النوع من المجالات غالباً ما يكون موكولاً إلى
حكمة رجل الدين ، ووعيه لدقائق الأمور ، وإخلاصه في أداء رسالته ،
وتحفظه على وحدة المجتمع ، وسلامة أبنائه ، فهذه الصفات هي التي
تمكنه من إحكام البناء في كل شخصية من شخصيات أبنائه وإخوته في
الله ، وتقويم مسيرة كل منهم على أسس ثابتة من الهدى والنور ،
والاستقامة في طريق الله (تعالى) .
ثانياً -: المستوى العام الذي يحتاجه في علاقته مع أبناء المجتمع
كافة ، حيث تقتضيه وظيفته الدينية الأولى في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، وهذا المستوى هو الذي يعنينا الحديث فيه ضمن هذه
الخطوط .
ومع أن المجالات التي ينبغي أن يعنى بها رجل الدين في المجتمع
كثيرة جداً ، ولاسيما إذا لوحظت من خلال الدور الاجتماعي لرجل
الدين ، إلا أن أكثرها أهمية يندرج في مجالات ثلاثة ، هي : العقيدة
، والعبادة ، والأخلاق .
وهكذا أوردت المقترحات ضمن ما يعنيه كل واحد من هذه المجالات
الثلاثة ..
** ** **
الأول : مجال العقيدة
في هذا المجال يقترح على رجل الدين ، وراء أن يكون له علم تام بكل
ركن من الأركان الأساسية للعقيدة التي تعنيها الحجة الإلهية في
مذهب أهل البيت (عليهم السلام) -أولاً- .
ووراء أن يبني معرفته بتلك العقيدة على أسس واضحة من البرهان ،
والأدلة المتكاملة التي لا نقص فيها ولا خلل ، ولا تعترضها شبهة
–ثانياً- .
ووراء أن تستقيم تلك العقيدة في ذاته ، بشكل تقوم جميع أبعاد
شخصيته كرجل دين ، لتنعكس على كل فكرة يلتزمها ، وكل سلوك يأتيه
–ثالثاً- .
وحين نؤكد القول : وراء هذه الأمور ، لأنها –وكما علمنا في التقرير
السابق- أنها مجال اختصاصه ، وهي التي تعطيه هويته الخاصة كرجل دين
، مما يفرض عليه أن لا يقصر أو يقصّر في أي من شأنها ، إذ القصور
هنا يعني عدم تكامله في اختصاصه ، وعدم نيله الهوية التي يتعامل
بها مع المجتمع ، كما أن تقصيره مما يوجب عجزه عن أداء مهماته
المطلوبة منه في المجتمع ، ولاسيما في بناء عقيدة أبنائه كأول صلة
لهم بدينهم ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه -كما هو معروف- .
نعم ؛ يقترح على رجل الدين وراء تلك الأمور :
أولاً : أن يمتلك من القدرة التربوية الكافية ، ومن البيان المشرق
، ما يؤهله للتصدي إلى بناء هذه العقيدة في عقول أبناء المجتمع ،
وخصوصاً أولئك الذين ينضوون تحت ظله ، ويعتقدون أنهم يقتبسون الهدى
منه ، كل حسب ثقافته ، وكل حسب توجهاته العلمية ، وكل حسب مستواه
في المعرفة ، بدء من أبسط البسطاء من الناس ، وانتهاء بأكبر العقول
العلمية التي تزخر بها المجتمعات المثقفة هذه الأيام .
فمعروف أن رجال الدين الأكفاء هم الموئل الأول لأبناء المجتمع
للتعرف على معالم دينهم ، وملاذهم في معالجة الشبهات التي تعترض
طريقهم ، ولا ريب أن القضايا العقائدية في القمة من تلك المعالم .
أما رجوع الناس إلى وسائل أخرى -بما في ذلك مراجعة كتب العقيدة
ومصادرها المطروحة في الساحة الثقافية- غير مضمون النتائج ، ولا
مأمون العواقب ، ما لم يشرف على مراجعاتهم رجل اختصاص قدير ، يقف
بكل منهم على ما في تلك المصادر من دقائق البحوث ، وإيضاح ما تعنيه
مصطلحاتها ، تماماً كما هو الشأن في أي اختصاص آخر ، إذ أن التوغل
في العلوم والفنون ، دون أستاذية مرشدة ، ليس إلا خبط عشواء لا
تؤمل منه نتيجة ، بل وقد لا يؤمن فيه الوقوع فيما لا تحمد عقباه ،
مع الالتفات هنا إلى خطورة البحوث العقائدية على مسار الإنسان في
حياته ككل ، وعلاقته بالحقيقة في عالم المذاهب ، واستقامة خطواته
في سلم الكمال .
ثانياً : أن تكون له قدرة كافية على التصدي لما يلقى في الساحة
المذهبية والدينية ، من نظريات وشبه وإشكالات ، وما يستحدث كل يوم
في ساحة الإعلام ، من دعاوى الضلال ، وصوارف عن اتباع الحق ،
ومعالجتها جميعاً قبل أن يستشري أمرها ، وتتسع دائرتها في طبقات
المجتمع ، وقبل أن تتدخل فيها عوامل التشويش والضبابية ، فتصعب على
الهيمنة والعلاج ، ومع أن مسؤولية الدفاع عن حياض الحق ، والذود عن
كلمته ، إلا أن رجال الدين هم الذين تحملوا هذه المسؤولية قبل
غيرهم من المؤمنين ، ومن أجلها اختصوا بعلومه والتعرف على دقائق
نظرياته ومناهجه .
** ** **
والخطوات العملية المطلوبة في هذا المجال لرجل الدين –إضافة إلى
ضرورة إحاطته بما في الكتب الدراسية الحوزوية من دقائق العقيدة
وتفصيلاتها ، والتي هي الأساس العلمي لشخصيته- :
متابعة مصادر الثقافة العقائدية
1 -: أن يكون دائم المتابعة لما هو موجود في الساحة الثقافية ، من
الكتب والمصادر التي لها مساس بالجانب العقائدي من الأديان
والمذاهب ، الإسلامية منها وغير الإسلامية ، ما يستقيم منها مع
مذهب أهل البيت وما لا يستقيم ، والتعرف على منطلقاتها
واتجاهاتها ، سلبية كانت هذه الاتجاهات أم إيجابية ، وتحديد
مستوياتها ، وعدم استبعاد أي منها عن دائرة اهتمامه ، وذلك لأسباب
منها :
أ -: الاستفادة منها في مقام الإرشاد والتبليغ ، وبلورة طرائق
بيانه للعقائد أمام مختلف فصائل المجتمع ، ويتعرف على ما يلزم كل
طبقة من طبقات المجتمع الذي حوله من لغة الخطاب ، حيث لا يستطيع
أداء رسالته بين الناس دون مراعاته لحاجة كل فصيل ، وكل طبقة من
البيان والتعريف .
بـ -: إرشاد من يروم التعرف على شيء من دقائق العقيدة الحقة من
المثقفين ، وحثه على قراءة ما يناسب توجهاته الثقافية ، ومستواه
العلمي ، من تلك الكتب والمصادر ، مع متابعة دائبة منه للتعرف على
مدى استفادته منها ، وتوجيهه لكيفية هذه الاستفادة ، وسد ما يلمسه
من الثغرات التي قد تحدث فيها ، من أجل الحصول على درجات عليا من
المعرفة والاطلاع على العقائد القويمة في مذهب أهل البيت (عليهم
السلام) ، والاستقامة معها حتى مراحل متقدمة من التكامل .
جـ -: التصدي لما يبذره أعداء الحق ، ومذهب
أهل البيت (عليهم السلام) في المصادر ذات الاتجاه السلبي ، من
مفاهيم وشبه لا تستقيم وهدى الله (سبحانه) ، أو تضع العراقيل في
سبيل اطمئنان النفوس إلى الحقيقة من مصادرها .
وهذه النقطة تفرض على رجل الدين :
أولاً -: أن لا تضيق متابعته ، أو اطلاعه ، عن المصادر السلبية ،
المناوئة لدين الإسلام –بشكل عام-، أو لمذهب أهل البيت (عليهم
السلام) –بشكل خاص-، بكل ما تحمله هذه المصادر من جذور الضلال
والانحراف ، وما تتسم به دوافعها من حقد ، وما تحمله طرائقها في
البيان من مراوغة وتشويش ، وما تستعمله من تلاعب في العواطف
تستخدمه للهيمنة به على الأذهان ، على أن يكون تعامله معها دائما
بشكل طبيعي وعلمي وموضوعي ، بعيد عن الانفعالية والتعصب .
ثانياً -: أن لا يستهين بجزئية من جزئياتها الفكرية أو البيانية ،
إذ يمكن أن تكون هي الأساس في انحرافها عن الحقيقة ، أو تكون هي
همزة الوصل بينها وبين الأذهان أو العواطف التي تخاطبها ، مما يعني
أنها مصدر قوتها في التأثير .
ثالثاً -: أن لا يستعظم شيئاً من أمرها في نفسه ، وإن رآها محاطة
بكل عنايات أصحابها ، ولم يجد من ذاته القدرة على المواجهة
المباشرة معها ، إذ هي لا تعدو كيد الشيطان الضعيف ، مهما بلغت من
القوة في التلاعب بالأذهان ، والجاذبية أمام العواطف ، وله من معين
العصمة وقبسات أنوار أهل البيت (ع) ، وجهود المخلصين من علمائهم
خير عون على كشف مبلغ ما فيها أمام الحقيقة ، وما فيها من موهنات
ذاتية ، وعليه أن يلتفت إلى أنه إنما يتعامل مع هذه الرؤى من منطلق
وظيفته كقائد في طريق الحق ، ومن شرائط هذا الموقع أن لا يستكين
صاحبه أمام أعتى الخطط التي يتبعها عدوه ، وما عليه عند القصور عن
المواجهة إلا أن يستعين بمن يمده بالقوة والمنعة من إخوة الطريق .
رابعاً -: أن لا يهوّل شيئاً من أمرها أيضاً أمام أبناء المجتمع ،
فيمدها بقوة أو فاعلية في التأثير على بعض الأذهان ، تجعل من الصعب
عليه أو على غيره من رجال الدين معالجة سلبياتها ، أو التصدي لما
تتركه من شبهات ، في وقت هي لا تملك مثل هذا الرصيد من القوة لولا
ما زرعه هو من التعظيم لها في نفوس البسطاء .
وبعد ؛ فإن وقوع رجل الدين تحت تأثير انفعالات العواطف تجاه تلك
المصادر ، لما يراه فيها من مجانبة للموضوعية في تعاملها مع
الحقيقة التي يعنيها دينه العظيم ، أو مذهبه الحق ، قد يغلق أمامه
أبواب الرشاد ، والنظرة القويمة التي تمكّنه من التصدي السليم لها
، والتهيؤ لمقابلتها بما يناسب من المعالجة والاستئصال ، مما يعني
وقوعه في المحذور الذي يجب أن لا يقع فيه قادة الحق ، ولأي سبب كان
، لأن قصور القادة الأكفاء عن معالجة السلبيات التي تعنيها الفكر
المناوئة للإسلام ، أو لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، أو تتأتى
منها ، وعجزهم عن بيان ما فيها من الخلل والضلال ، يعني فسح المجال
أمامها للاستشراء في المجتمع المؤمن ، وتمكين رؤاها من التأثير
الفعال بين أبنائه ، إذ ليس هناك من هو أمكن من هذه الشريحة في
التصدي لها ، ودفع شرها ، وبيان ما فيها من بعد عن الحق والحقيقة ،
وحماية الرأي العام المسلم من سلبياتها .
** ** **
متابعة ما يطرحه الإعلام من الفكر العقائدية
2 -: المتابعة المستمرة لما تطرحه الساحة الإعلامية من تصورات أو
توجهات ذات صبغة عقائدية ، إيجابية الاتجاه كانت هذه الأطروحات أم
سلبية .
فرجل الدين هو المعني الأول بهذه الأطروحات قبل غيره ، لأنها من
أوليات مهماته في الحياة –أولاً- ..
ولأنها تكسبه جوانب جديدة من الخبرة تمكّنه من توظيفها في مهماته
الاجتماعية –ثانياً- .
فمن النوع الإيجابي من تلك الأطروحات ، يستفيد :
أولاً -: الاطلاع على صور حية لما يعدّه حماة الإسلام ومخلصوه من
الرؤى العقائدية التي يحتاجها المجتمع في حدوده الإيمانية الخاصة ،
أو ما هو أوسع من ذلك ، حيث تعنيه إقامة حجة الله على الناس كافة .
ثانياً -: اكتساب طرائق جديدة في تقديم العقائد الإسلامية تتناسب
وحاجات العصر .
ثالثاً -: الانتباه إلى جزئيات أو مستلزمات ضرورية تتطلبها الأذهان
في فهمها لتلك العقائد ، سواء في طريقة الأداء ، أم في المادة
العقائدية التي يقدمها ، أم في المواد العلمية الأخرى التي يستعان
بها في توضيح العقيدة أو الاستدلال عليها .
وتزداد أهمية هذه الرؤى والطرائق حين يدرك أنها أقرب لأذواق أبناء
المجتمع وأفهامهم ، أو يلتفت إلى أنها أنسب للتوجهات الثقافية
والعلمية السائدة في المجتمع .
أما حين يلمس رجل الدين قدرة هؤلاء المخلصين على التعامل السليم مع
وسائل الإعلام ، والاستخدام الأمثل لها في نشر المعرفة الدينية ،
والتأثير على الرأي الإسلامي أو العالمي العام في إثبات ما ينبغي
إثباته من عظمة الحقائق الإسلامية ، وخصائص مذهب أهل البيت (عليهم
السلام) خاصة ، وبيان ما فيها من سمو واستقامة مع الفكر ، فمن
الطبيعي أن تصبح متابعته لجهودهم ، ورابطته مع عطائهم أكثر أهمية
بالنسبة له ، لتكون استفادته منهم أجدى تأثيراً .
** ** **
أما النوع الثاني -ذي الاتجاه السلبي-، فيمكنه أن يقف –في متابعته
الموضوعية له- على ما يحمله من مكامن القوة أو الضعف في أصوله
وتوجهاته ، وأن يتعرف على الطرائق التي يستعملها رواده في بيان
تصوراته ، وما يستخدمونه من وسائل لامتلاك عواطف المتابعين ، وما
يستعين به هؤلاء في محاولتهم للهيمنة على النفوس ، كل ذلك ليهيئه
للقيام بوظيفته في التصدي له ، أو معالجة آثاره في الرأي العام
العالمي أو الإسلامي –مع إمكان ذلك له-، وإلا ففي المجتمع الذي
يعيش فيه ، وينضوي تحت لوائه -على أقل تقدير- .
ولا نعتقد أن أهمية هذه المتابعة ، وما ينتج عنها من خبرة فنية
وعلمية ، بخفية على أحد ، ولاسيما في هذه الأيام التي اتسعت فيها
دائرة الإعلام بين الأمم ، وقوي تأثيره على الرأي العام بشكل لم
يسبق له مثيل في التأريخ الإنساني ، ومع ما يشاهد من تجنيد الباطل
لكل طاقاته وإمكاناته في سبيل هدم أركان الحق حتى في أتباعه ،
ولاسيما في أصعدة الطبقات المثقفة ، وخصوصاً الشباب منهم .
** ** **
4 -: تذاكر الأمور العقائدية ، وتدارسها مع الأساتذة والفضلاء من
إخوته في الطريق ، بدقة تقف به على الحقائق ، وتفتح أمامه السبل
للأداء الأمثل لواجباته فيها .
وتتأكد ضرورة هذه المذاكرة فيما يطرأ من الأمور العقائدية في
الساحة الثقافية ، وفي القضايا التي يحاول أصحابها تلوينها بتوجهات
ومصطلحات مستحدثة قد تكون غريبة عن ذهنه إذ لم تمر عليه في دراساته
المتعارفة ، ولم تعترضه في مطالعاته الشخصية لكتب ومصادر العقيدة .
وتطرد أهمية هذه المذاكرة لرجل الدين في بدايات نشأته العلمية ،
وفي بواكير علاقته مع المجتمع ، حيث يحتاجها في تكوين صورة واضحة
له عن الحدود التي يفترض به الوقوف عليها من شؤون العقيدة ، وعن
الطرائق المثلى التي يستوجبه عليه بيانها للآخرين ، وعن الوسائل
المطلوبة ليخضعها لقدرته الشخصية في الخطاب ، ومدى كفاءته في الذود
عن حياض الحق في مذهبه العظيم .
** ** **
الثاني : مجال العبادة
والمقصود بالعبادة هنا : كل المعاني التي استوعبها الإسلام في
فكرته العامة ، ورسم لها أصولها ونتائجها المهمة في الحياة ، حيث
يمكن تصنيف هذه المعاني في خطين أساسيين هما :
أولاً : المعنى الخاص للعبادة ، ويعنى به خصوص ما ألفه عامة الناس
من الطقوس العبادية المعروفة ، كالصلاة والصيام والحج وأشباهها .
ثانياً : المعنى العام ، وهو ما يعنيه الإسلام في إعطائه جميع
مظاهر السلوك الإنساني سمة العبادة والقرب من الله (تعالى) ، حين
يخضعه المكلف إلى أمر الله ونهيه ، ويربطه برضا الله –سبحانه-، وإن
لم يكن ضمن الطقوس المتعارفة للعبادة بمعناها السابق المعروف .
وهذا المدد جعل البعد العبادي في الإسلام شاملا لجميع جوانب الحياة
، الفردية منها والاجتماعية ، الاقتصادية منها والسياسية والتربوية
وغيرها ، فلا استثناء ولا تخصيص ، وإنما هو حيث يكون هناك امتثال
لأمر الله أو نهيه ، وحيث يقصد وجه الله فيما يأتيه العبد وما يذره
، وهي خاصة في دين الإسلام ينفرد بها عن غيره من الأديان .
** ** **
الأول : المعنى الخاص للعبادة
ويجب أن يدرك رجل الدين فيه : أن إتيانه بهذه العبادات ، وقيامه
بطقوسها وشعائرها ، يجب أن لا يقتصر على حدود ما يقوم به غيره من
المكلفين ، من استجابته لأمر الله بها ، وامتثاله لما كلفته به
شريعته منها فحسب ، وإن كانت تلك الاستجابة ، وهذا الامتثال ، في
أسمى درجات الخشوع والإخلاص ، وإنما الذي عليه هو التسامي إلى ما
يكمن وراء تلك الاستجابة وهذا الامتثال من معان عظمى ، هي التي
تشكل الحقيقة المطلوبة لمثله فيها ، لأنها -في الأساس- هي رصيده
المطلوب في بنائه لشخصيته القويمة كـ (رجل دين) .
ومع أن تلك المعاني أعمق وأوسع من أن يحاط بها ضمن تقرير سريع كهذا
، إلا أننا نذكر هنا أربعة منها كأمثلة عامة لها :
** ** **
الأول : أن يدرك أن عبادته هي القوام الحقيقي لشخصيته كرجل دين ،
وأساس عدته التي تمكنه من أداء وظيفته الكبرى، والوفاء بشؤون
رسالته التي تعهدها أمام الله (تعالى) في شتى أبعادها .
بشرط أن يفتح له إدراكه هذا أبواب التعامل مع العبادة على أساس مما
تمده به من معين القوة في طريق الله ، والكمال في تكوين ذاته
الرسالية الفاعلة ، والعدة اللازمة له للتصدي للشيطان وحبائله
وشراكه ، التي غالباً ما يعرضها في طريقه .
ومع أن الآيات الكريمة ، وكلمات المعصومين (عليهم السلام) إنما
تؤكد على هذه المعاني في أساس تشريعها لتلك العبادات ، وفي أوليات
دعوتها للمسلمين لإقامتها ، وحثها على استلهام المعاني الكبرى منها
، كما في قوله (تعالى) : "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ
اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا . إِنَّا
سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ
هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ." .
وقوله (تعالى) : "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" .
وقوله (عز من قائل) : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ." .
وأشباه هذه النصوص ، إلا أن ضرورتها لرجل الدين أكبر ، لكونها -كما
قلت- الركن الأول في بناء ذاته –من جهة-، ولكونه قائد المجتمع في
تجسيدها بالفعل في الحياة .
** ** **
الثاني : أن يلتفت إلى أن هذه العبادة في حقيقتها شواهد فعلية
لعظمة التشريع الإسلامي في الحياة ، قبل أن تعتبر طقوساً تقام ، أو
كلمات تردد ، أو حالات تستعرض ، وما كان الله (تعالى) ليشرعها
لحاجة فيه إلى شيء منها ، وإنما هي لتنظيم تلك العلاقة المبدئية
الأولى بين الإنسان وبارئه ، لينتظم بها –من ثم- كل ما يستوعبه
وجود الإنسان وحياته من شأن .
واستحضار المسلم لهذا المعنى يفرض عليه أن يتكامل مع تلك العبادات
بكل ما تعنيه من دلالة ، بدرجة تتحقق فيها وحدة ما بين أقواله
وأفعاله ، ووحدة ما بين النية والسلوك ، والاستقامة من المبادئ
التي تعتمدها في الوجود إلى الآثار التي تستهدفها في الحياة ،
والنتائج التي يطمح الإنسان إلى اكتسابها في أدائه لها ، ثم سد كل
ما يراه من جوانب القصور في ذاته ، والخلل الذي يلحظه في سلوكه ،
أو في سماته الخلقية التي تتنافى معها .
ولا يعنى بهذا الخلل والقصور خصوص ما يرد جراء التهاون في أمر
العبادة ، ليلاحظ البعض بأن هذا الاحتمال في حق رجل الدين توهين
لشأنه ، بل المقصود هنا كل ما يقع فيه العاملون من بعد عن الغايات
الإسلامية في تشريعها ، بما في ذلك المبالغة في طرائق أدائها ، أو
في الاهتمام بشكلياتها .
وهذا يعني الالتفات إلى ما يقع فيه كثير من رجال الدين من وسوسة
غير مقبولة في أدائهم لعباداتهم ، أو تقعر في كيفية هذا الأداء ،
بشكل قد يخرج ألفاظهم أو أفعالهم فيها في بعض الأحيان عن دائرة
المتعارف بين الناس ، أو يتجاوز بها دائرة اليسر والسهولة التي
بنيت عليها الشريعة المقدسة ، وأكد عليها المعصومون (عليهم السلام)
.
ولا ريب أن هذا الإفراط مخل في أداء رجل الدين لوظيفته ، تماماً
كما هو الشأن في تفريطه في تلك الأمور ، وعدم اهتمامه بها ،
وخصوصاً في تلك الموارد التي تتضح فيها دواعي تربيته لناشئة الجيل
، وفي المواطن التي يستغلها الشيطان وأعداء الحق في إبعاد الناس عن
تلك الطقوس ، أو التشويش على عظمة الشريعة منها .
أما في الشعائر الإسلامية ذات الطبيعة الاجتماعية ، مثل صلوات
الجمعة ، وزيارات مراقد أهل البيت (عليهم السلام) ، وإحياء
مناسباتهم ، والبذل فيها ، وأشباه ذلك من الطقوس العبادية ، فطبيعي
أن تزداد وظيفة رجل الدين فيها دقة وأهمية ، مما يفرض عليه زيادة
في الوعي لمهماته فيها ، وحرصاً في التكامل عند أدائها مع التعاليم
والأحكام الشرعية ، ومزيداً من القوة في انتظامه مع الغايات
الربانية من الدعوة إليها ، والحث عليها ، دون أن يبدر منه إفراط
أو تفريط قد يؤثر سلباً على بلوغه ، أو بلوغ المجتمع الذي يتبع
كلمته إلى درجات الكمال التي يطمح إليها في أدائها ..
وقد يكون للسلبيات التي تتأتى -جراء ذلك الإفراط أو التفريط- آثار
في المجتمع وناشئة الجيل ، تفوق حدود تصوره ، سواء على المدى
القريب ، أم البعيد .
** ** **
الثالث : أن يلتفت إلى أن تلك العبادات هي سبيله الأولى للالتحاق
بركب الأبدال من قادة الحق على امتداد التاريخ ، والتوثيق ما بينه
وبين النجباء من أصفياء الله وأحبائه ، وأن أي نهج آخر -مهما يكن
رفيعاً- إنما يأتي دون تلك الطقوس في الأهمية ، بل وهو يعتمدها في
تحقيق نتائجه ، ولا يبلغ الغاية فيه بدون الارتكاز عليها ، وإن
بذلت في سبيله التضحيات ، وأزهقت من أجله الأنفس ، ولا تزال كلمة
الإمام الحسين (ع) -في كربلائه الخالدة وفي دعائه لبعض أنصاره
الميامين-، تصك مسامع التاريخ : (جعلك الله من المصلين) .
** ** **
الرابع : أن يعي أن هذه العبادات هي وسيلته المشرعة إلى الله
(تعالى) في استلهام توفيقه ، واستمداد رحمته ، واكتساب القوة
والمنعة منه .
فتلك العبادات هي أبواب الله التي شرعها للعروج إليه ، وجعلها
وسائل للقرب منه ، ونيل رضاه ، ولهذا فإن الأبواب الأخرى -مهما
عظمت- إنما ترد بعدها في هذه الأهمية ، وتعتمد عليها في تحقيق
الغاية .
ومعلوم أن رضا الله ، والعروج إليه ، والقرب منه هي الأسس الأولى
لنيل توفيقه المأمول ، ورحمته المبتغاة .
ومعلوم أيضاً أن هذه الأركان كما تحتاج في تحققها على تحفظ المكلف
في نفس أدائه للوظيفة المطلوبة فيها ، ومواظبته على القيام بها ،
تحتاج كذلك إلى الدرجات العليا من الإخلاص إلى الله (تعالى) في ذلك
الأداء ، وعلى الخشوع التام له في هذا القيام ، بل وذلك الإخلاص ،
وهذا الخشوع ، هما المضمار الذي يحقق للمؤمن ذلك العروج الذي يطمح
إليه ، إذ لا معنى للعبادة بدونهما أبداً : إذ لمْ يفْلحَ من
الْمُؤْمِنينَ إلا +الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ" .
** ** **
وغني عن البيان أن نقول : إن كل واحد من هذه الأبعاد الأربعة
–وأشباهها- جانب تربوي مهم ، له أصوله المقررة في مصادر الأخلاق
والعرفان ، وله عطاءاته في دلائل العصمة وتراث أهل البيت (عليهم
السلام) ، ويفترض برجل الدين -ومنذ أوائل انتظامه إلى الحوزة
العلمية- أن يتعاطى معها بوعي وتدبر ، يقفان به على المطلوب فيها ،
مع إصرار في السعي نحو الغايات التي ينبغي له الوصول إليها ، لأن
هذه الغايات هي أوليات عدته في أدائه لمهماته –كما قلت–، ويجب أن
يبدأ سلوكه فيها على أيدي أساتذة أكفاء ، يتمتعون بالاستقامة
المطلقة مع نهج أهل البيت (عليهم السلام) ، ليستطيع تجنب ما يواكب
هذا الطريق عادة من شطحات ومزالق ، قد تهوي به إلى حيث لا تتداركه
أيدي الإصلاح ، والحول -قبل هذا وبعده- من الله وحده .
** ** **
الثاني : المعنى العام للعبادة
حيث يجعل رجل الدين الله (تعالى) ربه هدفه الأعلى ، ويجعل رضاه
غايته الأولى في كل ما يأتيه من فعل أمره به ، أو شأن ندبه إليه ،
وفي كل ما يتركه من عمل نهاه عنه ، أو حثه على مجانبته ، وان لم
تكن ذلك العمل من العبادات ، بمعناها الضيق المحدود ، حتى يصبح
الله -في النهاية- هو وعيه الذي يدرك به ، وسمعه الذي يسمع به ،
وبصره الذي يبصر به ، وقوته التي يبطش بها ، وقدرته على فعل
الأفعال . . .
ومع أن الدرجة العليا من هذه العبادة تعتبر القمة التي لا ينالها
إلا الأبدال المخلصون من أولياء الله وأحبائه ، إلا أن درجاتها
الدنيا ممكنة لكل مؤمن واع لطبيعة إيمانه ، مدرك لما شرعه الله له
من سبل الاستكمال ، راغب في سلوك هذه السبل ، وواضح أن هذه السمات
تعتبر من أوليات شخصية رجل الدين ، وأصول علاقاته بالله –سبحانه- .
ولأننا هنا لسنا بصدد التعرف على طبيعة هذه الأمور ، لأنها –في
حقيقتها- بعض أبواب العرفان ، التي يجب أن تكتسب من مصادرها الخاصة
، ألمأمونة في هذا الطريق القويم ، إلا أن العطاءات الكبرى التي
تعنيها وظيفة رجل الدين في المجتمع ، والنتائج المهمة التي تحققها
في أدائه لرسالته ، تفرض عليه أن يسعى مجداً في طريقها ، وأن يقف
على شيء من معالمها وآثارها ، ويواصل قراءة ما ورد فيها من معين
العصمة بتدبر وإمعان ، مع مجاهدة دائبة لنيلها ، واستظلال رشيد
بقيادة أستاذ قدير ، يؤمن معه السلوك في مثل هذه المنعطفات الدقيقة
، والمسالك الخطرة ، كثيرة المنزلقات ، ولاسيما في بدايات خطوات
السالك فيها .
** ** **
ومن العطاءات المهمة التي يعنيها هذا المعنى من العبادة في وظيفة
رجل الدين -على سبيل المثال لا الحصر-:
أولا : وضوح الأسس التي يقيم عليها رجل الدين حياته كلها ، بكل ما
فيها من علاقات وأعمال وخصال ، وجلاء ارتباطها بالله (تعالى) ،
معين القوة الذي لا ينضب ، ومصدر الاستقامة الذي لا ينحرف ، لتكون
–من ثم- حدود الله وأحكام شريعته ، ومنابع الفضل والتقوى لديه ، هي
القائدة لزمام حياته في مختلف جنباتها وأبعادها ، فلا يكون في هذه
الحياة إلا النور ، وإلا الهدى والبصائر :
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ
مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ
يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ
عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ .." .
ثانياً : ديمومة ذكره لله (تعالى) ، وعدم غفلته عنه في حال ، بما
يعنيه ذلك الذكر للذاكر الحقيقي من معين أبدي شامل للقوة ، والمنعة
والبصيرة ، فلا يفتقده الله حيث أمره ، ولا يراه حيث نهاه ، وبما
يحمله هذا الذكر أيضاً من نور يجلي له جميع الظلم التي يمر بها في
وقائع حياته ، وتصطبغ بها أحداثها كافة ، وبما يمده به كذلك من
قدرة تمكّنه من الهيمنة على مختلف الظروف والحالات التي قد توقعه
في بعض عوامل الضعف ، أو في الانحراف عن قويم السبيل ، فلا استكانة
منه للشيطان ، ولا خضوع لإغراءاته ، ولا تخاذل أمام جنوده .
ثالثاً : تهيئة السبل اللازمة له للتسامي في طريق الله (تعالى) ،
وإعداد العدة الكافية ليرتفع في سلم الكمالات العرفانية والأخلاقية
والسلوكية ، دون وهن أو تفاوت ، حيث يبقى رضا الله –سبحانه-،
ودرجات القرب منه ، هي مصدر النور الذي لا ينطفئ ، والضياء الذي لا
يخبو توقده ، في مختلف مجالات حياته .
رابعاً : فتح أولى نوافذ النور الفطري لما يلقيه من كلمات ، ويقوم
به من خطى ، أمام ما يتعامل معه رجل الدين من عقول أو نفوس ،
لتكتسب تلك الكلمات من وضوح الدلائل ، وقوة البرهان ، ما لا يحتاج
معه إلى كبير عناء ، في بث المعرفة الدينية في المجتمع ، وإقامة
حدود الشريعة بين أبنائه ، وبناء الأخلاق الفاضلة في نفوسهم ، حيث
يصبح النور والهدى والصلاح معالم واضحة –بالبداهة- فيما ينطقه من
كلمات ، وما يقوم به من أعمال ، أو يتخذه من مواقف .
ومعلوم أن هذه الفطرية التي تدركها النفوس في جبلتها الأولى ، هي
العدة الكبرى التي أمد الله بها كلمته ، وكلمة العصمة التي تعبر
عنها ، وكلمة قادة الحق وحماته على امتداد التاريخ البشري ، وهي
البرهان الأكمل الذي تستند إليه دلائلها وبراهينها ، لتصبح الأدلة
المتعارفة –كلها- بدرجة أدنى وتابعة لها ، ومكملة لها في قيادة
النفوس والعقول .
وفي كتب التفسير المعتمدة لدى أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)
ومصادر الأحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) ، ولاسيما ما
ورد في بيان أخلاقهم (عليهم السلام) ، خير معين للمؤمن في انتهال
هذا العطاء ، ولا ننسى أيضاً الكتب الثقافية الإسلامية الرائدة في
هذه المجالات ، لما لها من قدرة على تقريب المفاهيم التي قد تستصعب
في قراءة تلك المصادر .
** ** ** |
|