البعد الثالث : البعد الاجتماعي

معروف أن لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) -في بنائه للعلاقة ما بين أبنائه ورجل الدين المنتسب إليه- أعماقاً وشرائط وحدوداَ يختلف بها عن غيره من الأديان ، بل وحتى عن المذاهب الإسلامية الأخرى .
وكل واحد من تلك الشرائط والحدود –في حقيقته- حكم شرعي ، أو موضوع لحكم شرعي ، يحاسب على أساسه الطرف المعني بهذه العلاقة ، كل بحسبه ، وكل بحسب موقعه ومسؤوليته .
وهذا يعني -في أبسط توضيح له- أن المبدأ الأول الذي تعتمده هذه العلاقة إنما هو الله –سبحانه-، قبل أي من أطرافها الأخرى ، أي قبل رجل الدين وقبل أبناء المجتمع معاً ، وأن المسؤولية المقررة في تحديد وظائفها إنما هي من شأنه (تعالى) وحده ، وان كان موردها كل من الطرفين الفعليين لها في الواقع الفعلي .
فالله (تعالى) هو المقرر ، وهو الحاكم ، وهو المحاسب ، وما على أي من الأطراف إلا أن يتمثل ، وإلا أن يستقيم في امتثاله هذا حتى أعلى الدرجات المطلوبة فيه ، ما دامت ينتظم في هذا الدين ، وما دام يركن إلى مذهبه الحق .
وهنا تتضح دقة الموضوع ، كما تتضح المقاييس التي تتبع للتعرف على طبيعة الاستجابة لمقتضياتها ، أو النكول عنها .
ومع أن هذا هو الخط العام للعلاقات التي يبنيها الإسلام في واقع الإنسان كافة ، على صعيد الفرد ، أم على صعيد المجتمع ، أم على الأصعدة الأخرى من شؤون الإنسان ومجالي حياته ، حيث تبدأ جميعها من الله مصدر التشريع وحده ، وهو الذي يضع حدودها وأبعادها ، إلا أن لعلاقة المجتمع برجل الدين امتيازها على سائر علاقات الإنسان ، لما لها ذاتها من دقة وحساسية ، وتأثير إيجابي أو سلبي على المسار العام للمجتمع ، وعلى انتظامه في النهج الإسلامي القويم .
ومما يزيد الموضوع دقة وحساسية ، أن الفارق بين سلبية الآثار وإيجابيتها قد لا يكون من الوضوح بدرجة يدركها عامة الناس ، فقد يجمع موقف واحد كلا الأمرين لفرد واحد ، فهو يكتسب الرشد والصلاح من بعض جهاته ، بينما يكتسب الغي والضلال في جهات أخرى ، وهكذا .
وهذا بعض ما يوضح الدقة في مسؤولية رجل الدين لكونه مصدر الفاعلية في تلك العلاقة عادة ، ولكونه الأقرب إلى فهم طبيعة الرؤية الإسلامية في المواقف ، وإلى العلم بالأحكام الشرعية فيها ، ولكونه المتكفل لتوعية المجتمع في التعامل مع مجريات هذه العلاقة ، ومقتضياتها كافة ، مما يعني أن رجل الدين يتحمل العبء الأكبر من شؤون هذه العلاقة وأحكامها ، وإن لم يمنع هذا أبناء المجتمع -وخصوصاً المثقفين الواعين منهم- من تحمل مسؤولياتهم ، وتبعات تقصيرهم إزاء رجل الدين ، وهدر الأوقات التي يمكنهم الاستفادة فيها منه .
وللعلاقة بين رجل الدين والمجتمع مرحلتان متداخلتان في التأثير والفاعلية هما :
1 -: مرحلة تكوين هذه العلاقة وبنائها .
2 -: مرحلة الفاعلية والتجليات العملية التي يحققها رجل الدين في المجتمع .
ونوكل الحديث في هذه المرحلة إلى ما سنذكره في الخطوط القادمة ، إذ أن معظمها إنما يرد في بلورة هذه الفاعلية ، وما يمكن لرجل الدين أن يفرضه من تأثير في حياة الناس ، واستجابتهم لأمر الله ونهيه ، واستقامتهم مع نهجه القويم .
أما هنا فنقف قليلاً عند مرحلة تكوين هذه العلاقة وبنائها ، وما يفرض على رجل الدين اتباعه لتوثيق صلة أبناء المجتمع به ، واتباع كلماته وتوصياته .
وبالإضافة إلى ما يعنيه كل واحد من البعدين السابقين من دلالات في تحقيق هذا البناء ، وشد أواصر ما بينه وبين المجتمع، لكونهما أساس الصلة التي تقوم عليها هذه العلاقة من طرف رجل الدين ، نذكر هنا ما يلي :
أولاً : أن يفرض وجوده على المجتمع ، وقيادته لركب الإيمان ، لا من خلال الطرق المنحرفة –كما قد يتصور-، وإنما من خلال الوضوح الفطري لاستقامته مع الشريعة ، وحسن الأخلاق ، والإخلاص لله (تعالى) في القول والعمل ، والصدق المطلق بين الفكر والتطبيق ، ورحابة الصدر التي تستوعب حاجة المحتاجين ، وجهل الجاهلين ، بل وحتى حقد الحاقدين ، ونزاهة التعامل مع القريب والبعيد .
فهذه المعاني –وأشباهها- هي طبيعة الرسالة التي يفترض به تحقيقها في نفسه ، قبل أن يسعى لأخذ ركب الإيمان في سبيلها ، وهي المعاني التي اختصرتها الآيات الكريمة –في تعبيرها عن شخصية الرسول - بمفاهيم مثل الشاهد والشهيد والسراج المنير ، قبل أن تلزمه بتبليغ حجة الله (تعالى) ، وبالتبشير برسالته أو الإنذار بها .
ولأهمية حسن الخلق في الدعوة إلى الله (تعالى) من تلك المعاني ، كررت الآيات الكريمة إبراز هذا الجانب من شخصيته (ص) : "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" .
"لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ." .
"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .." .
وهي مهمات ما كان لرجل الدين أن ينأى عنها حين يروم التأسي بالرسول (ص) في أدائه تلك المهمات في مجتمعه ، لوحدة الحكم والموضوع .
ثانياً : أن يتمتع رجل الدين بفهم كامل لطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه ، وأن يكون على درجات عليا من الحنكة والحكمة في تخطيطه لأسلم السبل التي يمكنه بها أداء رسالته ، ومن الشجاعة والثبات على الحق في تنفيذه للخطط التي يضعها ، سواء في التربية الفردية أو الاجتماعية ، أم في بنائه للرأي العام ، أم في تهيئة الاستجابة الاجتماعية للقضايا التي تطرحها المرجعية التي ينتمي إليها كأسس ضرورية لتحقيق وحدة المجتمع المؤمن ، أو السعي لنيل حقوقه ، أو إثبات قوته في التصدي لخطط الباطل ومؤثراته في الأصعدة كافة .
ثالثاً : ديمومة المحاسبة للنفس ، والوقوف على ما في ذاته من نقاط القوة والضعف ، والمحاكمة الموضوعية لخطواته في العمل ، وقياس مدى نجاحه أو فشله في أي منها ، لا على أساس عاطفي أو آني ضحل ، وإنما على أساس مما تعنيه الرؤية الإسلامية في مجتمع الإيمان ، على المدى القريب أو البعيد .
ومن المؤسف أن نرى في ملاحظتنا لأنفسنا كعاملين في سبيل الله أن العاطفة هي المحكمة لدينا في تقويم خطوات العمل ، بما فيها من شذوذ وعصبية في إصدار الأحكام على أنفسنا وعلى الآخرين ، في وقت كان من اللازم إعطاء الموضوعية دورها المناسب فيها ، لتدارك ما لابد من تداركه من عوامل الوهن ، وتلافي ما يمكن تلافيه من نتائج الأخطاء ، وتصحيح ما يفترض تصحيحه من انحراف المسيرة الاجتماعية الإيمانية ، قبل أن يأكل المؤمنون الثمار المرة للانحراف عن الغاية في بلداننا .
رابعاً : الترفع عن كل ما يضعه في مجال الشبهات أمام أنظار المجتمع ، أو يجعله محلاً لريب المرتابين ، أو تقول المتقولين ، وليكن وضوح سيرته واستقامتها ، وتوازن علاقاته الاجتماعية ، ونزاهة سلوكه هي المدافع الأول عنه أمام تطاول المتطاولين ، أو جهالة الجاهلين ، وليعلم -قبل هذا ، وبحكم موقعه في قيادة ركب الإيمان- أنه من أبرز أهداف الباطل ، ومن أوائل اهتمامات الشيطان ، للنيل من الحق الذي يحمل حجته ، ومن قدس الحقيقة التي يذود عنها ، مما يعني بالنسبة له مزيداً من الحاجة إلى القوة في طريق الله (تعالى) ، ومزيداً من الحاجة للاستقامة في هذا الطريق ، والثبات على كل ما يستلزمه من الشدائد والمكاره ، ومزيداً من الحاجة إلى الانفتاح على الآخرين ، ومزيداً من الإصرار على التقيد مع كلمة الله في كل خطوة ، وفي كل كلمة ، وفي كل موقف ، والله -قبل هذا وبعده- هو الناصر له ، والمثبت لخطاه في سبيله ، وهذا هو سبيل الأبرار الأتقياء على مدى التاريخ :
"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ." .
وصدق الله العلي العظيم