(2)
أركان التبليغ الإسلامي

عملية التبليغ الإسلامي -كما نعلم- مهمة إسلامية كبرى ، أقام عليها الإسلام –وكما قرأنا في نصوص سابقة- بناء كيانه ذاته في حياة الإنسان ، واستقامة هذه الحياة في سبيله .
ومع التدقيق في هذه المهمة نرى أنها تعمد أركاناً أساسية أربعة ، تشكل العمود الفقري فيها ، لترد بعدها الظروف والملابسات الأخرى التي تواكبها ، وهذه الأركان هي :
1- الكلمة التي يقصد تبليغها .
2- المبلّغ ذاته ، وما تعتمده وظيفة التبليغ من أسس في كيان شخصيته .
3- المبلّغ (باسم المفعول) ، وما يمكن أن يهيئه لفتح منافذ بصيرته لاستماع تلك الكلمة ، ثم الاستجابة المناسبة لها .
4- تسلسل الغايات التي تقصد عادة في هذه العملية ، والطرائق التي تمكّن من الوصول إليها .
وهكذا فمن يروم التعرف على معالم الحقيقة في هذه المهمة ، ووضع أسس ومناهج مناسبة ، تكفل للعاملين فيها درجات من النجاح ، عليه أن يأخذ باعتباره كل واحد من هذه الأركان مع ما يستلزمه من شؤون ، وإلا لم يصب الحقيقة فيها ، ولم يدرك الغاية التي يريد .
وفي البدء لا بد من الاعتراف بالواقع من أن كل واحد من هذه الأركان واسع الآفاق ، متعدد الأطراف ، ومن غير الممكن أن نستوعب الحديث فيه ضمن لقاء أو لقاءين سريعين حين نروم الخروج بمحصلة مجدية ، تمكننا من تصور منهج رشيد في عملية التبليغ .
ولهذا فنحن نقتصر في هذا الحديث على جانب من طبيعة الكلمة التي يقصد المبلغ تبليغها ، لاستيضاح شيء من متطلباتها في عملية التبليغ ، على أن نستكمل نظرتنا حولها وحول الأركان الأخرى في سلسلة أحاديثنا مع الإخوة المبلغين –إن شاء الله-أمل أن تتكامل لنا رؤية جيدة حول هذه المهمة الإسلامية الكبرى وحول شيء من ضروراتها ومستلزماتها .
** ** **
وفي بيان هذه الكلمة قد يقول قائل : إنها حدود الإسلام وحقائقه وحجته ، وما يعنيه من عقائد وأحكام ، حيث أرسل الله بها محمداً (ص) ، واصطفى لها عترته المطهرين (ع) ، لقيمها هؤلاء الأصفياء المطهرون (ع) أنواراً في البشرية ، يهتدي بها المهتدون ، أو يضل عنها الضالون .
وواضح أن إطلاق الكلمة بعمومها هذا حتى في مجال التطبيق العملي للمبلغ ، يعني إبقاءها في جو من الضبابية والغموض ، قد يوجب إرباك المبلّغ فيما يجب عليه القيام به من مهمات في كل خطوة من خطوات عمله التبليغي ، مما يوجب ارتباكاً للمتلقي في تلقي الصورة التي ينبغي له أن يستوعبها عنه ، وبالتالي يوقع كل أبناء المجتمع في خلل غير معلوم النتائج .
وهي نقطة مبدئية مهمة ، ويمكن أن يعزى كثير من الخلل الواقع في مجال التبليغ الإسلامي في مختلف العصور إلى عدم الاهتمام بها ، وعدم أخذ مستلزماتها بالاعتبار .
فبينما هي تفرض على المبلغ ، وعلى الجهات العليا التي تتكفل التبليغ الإسلامي ، تحديد الأفق المطلوب من تلك الكلمة في كل مرحلة ، والملامح المفروض بيانها في كل عملية من عمليات التبليغ فيها ، وحسب ما تقتضيه حاجاتها ، وتستوجبه ظروفها ووقائعها من مستويات وطرائق بيان ، مع ملاحظة دقيقة للأركان الأخرى لهذه العملية ومتطلباتها أيضاً ، حيث تحدد على أساسها جميعاً خطوات العمل بشكل منسق وممنهج ، نرى أن أمور التبليغ الإسلامي تجري بنحو من العشوائية وعدم التنسيق حتى في جهود الفرد الواحد .
هذا في وقت يعلم الجميع أن البلاغ أو البلوغ إنما يعني (الوصول) ، فتبليغ الكلمة يعني توصيلها ، وواضح أنه لا يتحقق إلا حيث تنتهي هذه الكلمة إلى وعي الطرف المقصود .
وهذا ما دعا البيانيين لأن يعرّفوا البلاغة بأنها : (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) .
ولأن هذه النقطة تعتبر –وقبل هذه المرحلة- من شؤون الحكمة التي تعني وضع الشيء في موضعه ، فقد كان لها تأثيرها المباشر حتى على مسار الدعوة الإسلامية ورسالتها في البشرية ، وكمثال على هذا نقف عند نموذجين لهما دور مهم في مجال التبليغ الإسلامي ومنهجته :
أولهما : إن الله (سبحانه) لم يأمر رسوله محمداً (ص) بتبليغ رسالته للناس دفعة واحدة ، وإنما أمر بالتدرج في البيان معهم طيلة فترة حياته (ص) ، حيث كان يستغل المناسبات كمراحل لهذا التبليغ ، حين يعلم توجه الأذهان لقبول المفهوم أو الحكم المراد بيانه ، ومع هذا فهو لم يعلن إكمال الدين ، وإتمام النعمة على الناس ، إلا حين أعلن ولاية علي (ع) ، لتستمر بعده ولاية الطاهرين (ع) من عترته ، حيث يعني هذا –وبكل وضوح- أن الرسول (ص) أرجأ بيان بعض المفاهيم والأحكام الإسلامية إلى حيث يتكامل استعداد الناس لقبولها في واحد من عصور أئمة الهدى (ع) .
بل ويمكن القول : إن هذا الإرجاء لا يزال قائماً في بعض تلك المفاهيم حتى ظهور قائم أهل البيت (ع) ، حيث تستتم البشرية كمالها الأعلى المنشود ، ويهيأ لها قبول جميع مفاهيم الدين المحمدي كما أراده الله ، وإقامة أحكامه بشكل لم تعهده البشرية في سابق أيامها .
ثانيهما : معلوم أن رسالة محمد (ص) عامة في أحكامها ومفاهيمها للبشرية كافة ، وهذا ما صرح به القرآن نفسه ، إذ قال (تعالى) : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً .." .
"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً .." .
وقد يرى البعض -من هذا العموم- ضرورة أن يتعرف كل الناس على كل ما تستوعبه هذه الرسالة من حقائق ، ليهتدي بها من يهتدي ، ويضل عنها من يضل .
إلا أن الرسول (ص) –مع هذا- صرح في قولة مشهورة عنه لدى المسلمين عامة : (نحن -معاشر الأنبياء- أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) .
وهذه الكلمة تعني -في أبسط مفهوم لها- أن الناس متفاوتو الفهم والإدراك ، مختلفو التوجهات العلمية والفكرية ، فالحكمة تقتضي أن تؤخذ درجات تلك الأفهام ، وتوجهات تلك العقول في أي هدى يقدم إليها ، أو نور يوضع بين أيديها ، في كل ما يقال وما يفعل ، كي يوضع المفهوم المناسب في مكانه المناسب ، إذ لا بد من مراعاة ذلك الاختلاف في التوجهات والمستويات الإنسانية ، وأخذها بالاعتبار في أي كلمة يقولها قائل ، وفي أي بيان يقدمه مربّ لأي فرد أو فصيل من الناس يقصد بتلك التربية .
وهكذا فما يناسب فرداً من الأفراد قد لا يناسب فرداً آخر ، وما يفيد مجتمعاً من المجتمعات له توجهات معينة قد لا يناسب مجتمعاً آخر له توجهاته الأخرى ، وما ينفع طائفة من طرائق البيان قد لا ينفع طائفة أخرى ، وهكذا ، والطبيب الحاذق لا يضع الدواء إلا فيما يشفيه من الأمراض ، وحكمة الحكيم تلزمه أن لا يحيد في خطوات عمله عن أي من مقتضياتها .
والى اختلاف العصور في مدى قبولها لكلمة الحق ، وإلى مقتضيات الحكمة في كل دور من أدوارها ، يمكن أن تعزى اهتمامات وطرائق أئمة الهدى (ع) في مجال عملهم ، وأدائهم لرسالتهم ، وقيامهم بأداء ما كان عليه من مهمات ، حيث اتسمت حياة كل منهم وجهوده بطابع معين ، يتناسب وطبيعة الظروف والتوجهات التي يمكنه العمل من خلالها للوفاء بأمانته الكبرى ، وإقامة حجة الله فيها على العباد .
ولفهم طبيعة اختيار الرسول (ص) وأئمة أهل البيت (ع) للكلمة التي بلّغوها ، والطرائق التي استخدموها لفرض هذه الكلمة على الواقع الإنساني –وبعيداً عن الدخول في التفاصيل التاريخية لمسيرة حياة كل منهم- يمكننا -بنحو الإجمال- الرجوع إلى ما حدده القرآن في مجال بيان مهمات الرسول (ص) في البشرية ، حيث يلقي هذا التحديد بضوئه على طبيعة اختياره للكلمة التي يستوجبها كل موقف ، والطريقة التي يستخدمها في أدائها .
ولتكن وقفتنا هنا عند قوله (تعالى) : "لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ." .
"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ." .
فالعنصر المشترك في هاتين الآيتين : أن من مهمات الرسول في البشرية تتلخص في مهمات أربع :
أولاها : إلقاء بينات رسالته إلى العباد ، وإعلامهم بنبوته ، حيث يثبت أن الله وحده هو المصدر الوحيد للكلمة التي يحملها بينهم ، وأن دوره لا يتجاوز البلاغ فيهم فحسب .
ثانيها : تزكيتهم ، أي تربيتهم والنهوض بهم إلى حيث يتكاملون في حياتهم ، مع تنقية مداركهم من الشوائب التي تعيقهم عن الارتفاع في سلّم الكمال .
ثالثها : تعليمهم ما كتبه الله عليهم من الأحكام ، وما شرعه لهم من الطرق التي تؤدي بخطاهم إلى ذلك الكمال ، وما يهيئ لهم النجاح والفوز ببلوغه ، مقابل الطرق الأخرى التي تؤدي إلى تنتهي إلى التردي والنكوص عنه .
رابعها : تعليمهم ما يمتاز به دين الله من واقعية في الأسس التي أقام عليها شريعته ، والمبادئ التي بنى عليها مناهجه وأحكامه ، حيث لا بديل لهم عن الالتزام بها ، ولا غنى لهم بدون التعرف عليها .
وهذه هي السمات التي تتجلى بها الكلمة التي يقدمها الرسول (ص) والأئمة الطاهرون (ع) في أدائهم لوظائفهم في كل موقف يقفونه في البيان وإقامة الحجة ، أي أن تلك الكلمة إنما هي : المربية في طريق الكمال ، المنقية للذات الإنسانية من الشوائب المعوقة ، المعلمة لها ما كتب عليها من حدود الله وأحكامه ومناهجه ، المعلمة لها أيضاً ما بنيت عليه شرائع الدين ومناهجه من واقعية تتسق مع حكمة الله (تعالى) في الخلق والتشريع ، وحين نضع هذه السمات في خطوطها الرشيدة ومستلزماتها في مجال العمل ، نعلم أنها الشرائط المطلوبة في بلوغ أي كلمة إلى العقول ، واتخاذها الموقع المناسب الجدير بقيادة السلوك .
ولأن أولئك الأصفياء قد بلغوا القمة في تحقيق هذه الشرائط ، فإن كلمتهم نالت درجة الإعجاز الأبدي في تحقيق الغاية ، -كما يعلمه كل متدبر في هذه الناحية- .
أما ونحن نتكلم الآن في مهماتنا التبليغية في عصر ما بعد العصمة ، حيث شاءت حكمة الله (تعالى) أن تغيب هذه العصمة عن ساحة الحياة القائمة ، حيث حرمت البشرية نفسها من الانتهال من المعين الصافي لحجة الله مباشرة ، فمن الطبيعي أن يكون التأسي بطرائق أولئك الصفوة المطهرين (ع) هو العدة التي يطمح إليها كل عامل في هذه المهمات ، لتكون تلك الشرائط هي النور الذي يسطع في الكلمة التي يبلّغها المخلصون لهذا الخط العتيد ، وفي الطرائق التي يتبعونها في تبليغهم .
ولكن الواقع أعقد من أن يُنظر بهذه البساطة التي تلقى في كلمات ، إذ أن العوامل والظروف التي فرضت نفسها على الساحة الإسلامية أكبر وأدق من أن يستهان بها ، وهي قد ألقت بظلالها القاتمة حتى على الصورة التي تحملها الأذهان عن كلمة الإسلام ذاتها ، وشوشت على طبيعة الآفاق والحدود التي يمكن للعقول أن تستوعبها منها ، هذا فضلاً عما يمكن للمبلغين أن يقدموه للإنسانية فيها .
وكأمثلة سريعة على هذا نشير إلى بعض تلك العوامل التي أثرت على وعي الناس للكلمة الإسلامية في عصر الغيبة :
أولا : عامل إبعاد العصمة وذويها عن مسار الحياة العامة للمسلمين بعد الرسول (ص) ، ومحاولات قادة ركابهم الاستقلال عن أنوارها في توجيه هذه الحياة ، والاستغناء عنها في كل أفق من آفاقها .
ولا نقصد هنا مسار الحياة السياسية فحسب ، وإنما مسار الحياة العلمية أيضاً ، ومحاولة المسلمين في الوقوف على طبيعة الكلمة الإسلامية ، حيث أبعدوا بأنفسهم عن الرؤية السليمة لأبعادها الحقيقية -وكما أنزلها الله (سبحانه)- ، ومن الطبيعي حينئذ أن يدبّ الخلل في معرفة الإنسانية لهذه الكلمة ، وأن تقصر عن استيعاب آفاقها ، فدقائق هذه الكلمة ليست في متناول كل أحد ، وإنما هي تحتاج إلى المدد المباشر من المبدأ الذي أنزلها ، فحيث تفتقد المعرفة هذه الرابطة فمن الطبيعي أن ينعكس هذا الافتقاد في سلبياته على كل ركن من أركانها ، وهي نتيجة حتمية لا مفر من الوقوع فيها ، والتسليم بها .
وهذا ما حذر منه الرسول (ص) حين أوصى المسلمين بالتمسك بكلا خليفتيه معاً ، القرآن وأهل بيته ، إذ ينالون السلامة من الضلال الأبدي دون ضم أحدهما مع الآخر : (إني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا) ، والروايات الواردة عنه (ص) كثيرة ، ومتواترة المضمون .
ومع أن هذا الخلل قد بدأ منذ اليوم الأول لانحراف مسيرة ركب المسلمين عن معين العصمة ، مما اضطر أهل البيت (ع) أنفسهم لأن يأخذوه في مهماتهم ، ويجهدوا في إقامة دلائل حجة الله في كل جانب من جوانبه ، وفي كل بادرة منه ، وأي نتيجة تستجد له ، أو تأثير يتحقق جراءه ، وقدموا من أجل ذلك عظيم التضحيات ، إلا أن سلبياته قد تضاعفت مع افتقاد النور المباشر بعد حصول الغيبة ، بل وهي لم تقف مع المسلمين عند تلك المديات والتوجهات التي حصلت في عصر الأئمة (ع) ، وإنما اتسعت دائرتها وتعقدت بشكل تجاوز حدود المعالجات التي أثرت عن أئمة الهدى ، مما أثّر حتى على الفهم العام لتلك المعالجات ذاتها .
ثانياً : عامل الامتداد الزمني الذي أخذ في رسالة محمد (ص) كخاتمة لرسالات الله (سبحانه) حتى يوم القيامة .
ثالثاً : عامل الامتداد الاجتماعي الذي اخذ في هذه الرسالة كدين جعل للناس كافة..
ومع أن الله (سبحانه) لما أخذ هذين العاملين بعدين واقعيين في هذه الرسالة الخاتمة ، وضع فيها كل ما يلزمهما من شرائط أساسية ، تضمن استيعاب أحكامها ورؤاها ومعالجاتها لأي حالة أو تطور أو ظاهرة تحدث في آفاق الحياة الإنسانية ، وإلى يومها الأخير دون أدنى خلل أو تفاوت ، إلا تداخل هذين العاملين مع العامل السابق ، أي مع إبعاد العصمة عن مسار حياة الأمة ، وعن قيادتها للمعرفة الإسلامية –خاصة- منع العقول عن أن تقف على الطبيعة الواقعية لتلك الأحكام والرؤى ، وجعل الأذهان تتخبط في المجهول ، إلا بصيص نور ضئيل من ألطاف العصمة في هذا الأفق أو ذاك .
وأخذ هذه العوامل الثلاثة وتداخلها في كلمة الإسلام في هذه العصور ، تستوجب ممن يتحمل مسؤولية تبليغها ملاحظة ما يلي :

1 -: تحديد المنهل الذي ينتهل منه المبلغ لتلك الكلمة ، على أسس مبدئية واضحة ، تعتمد مقولة العصمة في أولياتها ، وفي كل ركن من أركانها ، لا في حدود العقيدة والالتزام الفكري فحسب ، وإنما في صعيد التطبيق العلمي أيضاً ، وقياس كل مقولة يصادفها في طريقه العلمي على أساس واضح من الموازين التي رسمتها تلك العصمة خاصة ، واستبعاد كل ما لا ينسجم مع هذه الموازين بحدية وجدية ، لا تعتمد إلا الموضوعية والحقيقة فحسب ، على أن يستمر انسجامه هذا مع موازين العصمة في كل كلمة يقولها ، وفي كل موقف يتخذه ، لتصبح تلك الموازين –من ثم- بعض الأصول العامة لمسيرة المجتمع المؤمن الذي يتكفل مسؤوليته .
2 : أن يلتفت إلى أن طبيعة الفهم البشري للأمور –من جهة-، وتداخل العوامل الثلاثة السابقة –من جهة أخرى- قد أوجب أن تنقسم الحقائق الإسلامية من حيث علم البشرية بها إلى قسمين :
أولهما : الحقائق المعلومة الثبوت للمسلمين ، حيث لم يرد فيها ذلك الاختلاف الذي يضطر المسلم إلى مراعاته في الفهم والإدراك –من جهة-، وفي بيانه وتبليغه إلى الآخرين –من جهة ثانية- .
وواضح أن هذا القسم لا يستوجب من المبلغ جهداً وراء الوقوف عليه ، والإحاطة بحدوده المسلّمة ، قبل بيانه إلى الآخرين بشكل من أشكال البيان .
ثانيهما : الحقائق التي ليس لها مثل هذه الدرجة في علم الناس بها ، إذ تحتاج لمعرفتها إلى شرائط وأوليات لا ينالها إلا فئة منتقاة من الكوادر العلمية المتخصصة ، بل وقد لا تجتمع على تحديد معالمها المطلوبة حتى هذه الفئة ، كما هو الشأن في كثير من المسائل الفقهية ، التي لم تتفق فيها رؤى الفقهاء الأمناء أنفسهم .
وهذا القسم من الحقائق يستوجب من المبلغ :
أولا : أن يحدد مساره العلمي والتبليغي وفق ما يعلم –حق العلم- استقامته مع موازين الحق التي شرعتها له الحجة الشرعية ، بحيث لا يتفاوت في سلوكه العلمي ولا التبليغي عن هذه الموازين .
ثانياً : تنبيه المجتمع –وخصوصاً الطليعة المثقفة من أبنائه– إلى تلك الموازين ، وما ترشد إليه من دلائل الحقيقة في الوصول إلى الرؤية السليمة لكلمة الله التي يعنيها هذا القسم ، على صعيد العقيدة ، أم على صعيد الأحكام الشرعية ، أم في غير ذلك .
ثالثاً : استيعاب جميع الرؤى التي تخضع لموازين الإسلام بالتقدير والاعتبار ، دون أن يضفي على بعضها قدسية تقابل الرؤى الأخرى ، حيث يفترض التكافؤ في استقامتها وخضوعها لتلك الموازين ، وإن اعتمد هو واحدة منها ، حيث أن الشريعة قد فتحت باب الفقاهة ، وأعطت مجال التقليد للفقهاء المأمونين ، ممن تستقيم فقاهتهم ورؤاهم مع الموازين المشرعة لهم ، دون أولوية لبعضهم على البعض الآخر .
3 -: التصدي لبناء المجتمع ، وصياغة توجهاته العامة ، وفق ما تقتضيه الموازين الإسلامية الثابتة في مجالات العقيدة والأخلاق والمعارف الإسلامية العامة ، قبل بناء سلوكه على أسس ثابتة مما رسمته الشريعة له من أحكام ومناهج ونظم ، مع استبعاد كامل لكل ما يتعارض وتلك الموازين ، أو لا يستقيم معها ، وتأكيد دائم على توضيح الأسس التي تبنى عليها معرفة المجتمع ، وفهمها للحجة الشرعية التي تعتمدها في العقيدة والسلوك .
4 -: ديمومة التصدي لإحكام البناء الإسلامي في المجتمع ، ورد الشبه التي يلقيها الآخرون في هذا المجال ، والتحفظ على متانة ذلك البناء ، والاستقامة في الطريق القويم ، حتى مع استمرار التطورات المتصاعدة في مسار المعرفة ، وتقلبات التوجهات الاجتماعية والحضارية .
5-: مراعاة الأولويات في طرح المفاهيم والأحكام الإسلامية المطلوبة للمجتمع ، ووضع الكلمة المناسبة في المكان المناسب ..
فكما أشرنا سابقاً ، وسنبين في مجال لاحق -إن شاء الله- من اختلاف في التوجهات الاجتماعية ، وتفاوت في اهتمامات الناس وفي حاجات الأفراد ، واختلاف مستوياتهم العلمية ، وفيما يحكم كلاً منهم من ضرورات .
وعموم رسالة الإسلام يقتضي استيعابها لكل تلك التوجهات والحاجات والمستويات والضرورات ، وإغناءها بما يلزمها من التوجيه والتنظيم ، ومسؤولية المبلغ أن يقدم لكل منها حاجته ، مع مراعاة المستوى ، وطبيعة البيان الذي تقام به الحجة ، وهو ما علمناه من سيرة الرسول (ص) وأهل البيت في أدائهم لوظائفهم في إقامة حجة الله (تعالى) ، وأكد عليه أئمة الهدى في أحاديثهم المتضافرة في هذا المجال .
"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ." .

ضيــــاء الــــدين زين الدين
ربيع الأول 1430هـ