الأمر الأول : الإضافة إلى الدين

معروف أن الإضافة إلى الدين تشكل حجر الزاوية في شخصية المنتمي للحوزة العلمية ، ولهذا فمن الطبيعي أن تكون متطلباتها محور وجود هذا الرجل ، وأساس كيانه الشخصي ، والركائز الأولى لحياته ومواقفه ..
وهذا يفرض عليه أن يعيها تمام الوعي ، من أولى خطواته في الانتساب للحوزة ، وأن يهتم بتبين شرائطها وحدودها ، لا من أجل أن يضعها في دائرة علمه فحسب ، بل ليجعل من تغذّيهِ بعطائها ، ومن ارتوائهِ من معينها شاغله الأول في كل آن ، وفي كل موقف ، وكل خطوة له في مسيرته في طلب العلم ، وتعامله المبدئي مع الثوابت الحوزوية القائمة ، ووفائه لمسؤولياتها الخاصة أو العامة ..
فالدين في هذه الشخصية المنتسبة ، هو القائد ، والدين هو السائق ، والدين هو الطريق والمنهج ، فالإضافة هنا مباشرة ، ودون أي وسائط ، فيجب أن يكون الحاكم الفعلي المباشر فيها هو الدين وحده ، ولا مجال فيها لسواه ، إلا حيث تقتبس النور من مصادره الحقة ، ليكون الدين –من ثم- هو الشعاع الذي تبثّه فيما حولها من شرائح المجتمع الذي تعيش فيه ، علماً ، ومعرفة ، وعقيدة ، وعبادة ، وأخلاقا ، وتعاملا ، وبيانا ، واستقامة مع الحق ، وثباتا على نهجه ، واتباعا لمنهج أهل البيت (عليهم السلام).
أما العلائق الأخرى كلها ، الفردية منها والاجتماعية -بما فيها العلائق التي تقتضيها الحياة- فهي تأتي في الدرجات الأخرى أهمية وتأثيراً ، بل يجب أن تخضع هذه العلائق -بدورها- إلى مقتضيات تلك الإضافة ، وتحكم جميعها بأحكامها ، حتى وإن استوجبت التضحية بالغالي والنفيس ، إذ لا نفيس في مقابل تلك العلاقة الكبرى كما نعلمه من ثوابتنا المعروفة ، وجرى عليه العِظام الأبدال من قادة هذا الخط العظيم ، و (ما أوذي نبّي مثلما أوذيت) .. كما يقول (ص).
** ** **
ومما فرضته الشريعة على رجل الدين –ولما يملكه من معرفة بثوابت هذا الدين وأحكامه وأخلاقه-، إضافة إلى تأكد مسؤولياته تجاه خصال الإيمان ، ومضاعفة محاسبته إزاء بوادر دينه ومذهبه لكونه أقرب إلى حجة الله (تعالى) فيها ، ألزمه بأن يتخذ دور الريادة في المجتمع :
أولا : في تبليغه لحجة الله ، وديمومة انتشارها وتمامها في كل جانب من جوانبه ، وإقامة هدى الله (تعالى) في كل صعيد من أصعدة حياته ، سواء في بلورة العقيدة وأخلاق القرآن ومثل أهل البيت (عليهم السلام)، أم في بيان الأحكام الشرعية ، أم في الارتباط مع المصادر الذين عينتهم الأدلة المرسومة في تراث العصمة ، ودلائل الحجة الإلهية .
ثانيا : في تربية أبناء الإيمان ، وبث روحه في أعماقهم ، وإقامة شخصياتهم على أسس ثابتة من العطاء الإسلامي الأسمى، سواء على مستوى العقيدة ، أم على مستوى الاستقامة مع أحكام الشريعة الغراء ، أم على مستوى التخلق بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) ، على أن يصبح رجل الدين هو القمة والمثل الأعلى لقدوة ذلك المجتمع .
ثالثاً : في الحفاظ على سلامة الهدى الرباني في المجتمع ، وديمومة حجة الله (تعالى) في مذهب أهل البيت(عليهم السلام)قائمة ، ناصعة النور أمام العقول المتطلعة ، ودفع الغوائل التي تحاول التطاول على شيء منها ، أو النيل من وضوحها وثباتها أمام البصائر ، واتخاذ مختلف السبل التي يحتاجها الوعي البشري في هذا الدفاع المذهبي ، ولاسيما على صعيد الفكر ، ومسايرة الركب الحضاري في أوليات المعرفة ، وتعامل العقول السليمة ، وإرشاد الأمة المؤمنة إلى آفاق منعتها ، ومجالي عزتها وكرامتها التي أرادها الله لها بين الأمم . . إلى أمثال هذه المهمات .
** ** **
ولأن الإسلام قد فرض على رجل الدين هذه المسؤوليات في المجتمع ، فمن الضروري أن يستعد لاستيعاب الشرائط التي تمكنه من الوفاء بتلك المسؤوليات أيضاً ، ومن هذه الشرائط :
أولاً : قوة التحمل في أداء الواجب ، وهي قوة يجب أن يكتسبها رجل الدين من خلال إدراكه لعظم مسؤوليته في الدين وفي المجتمع معاً ، ونشير في هذه المسؤولية إلى بعدين :
أولهما : ما يفرضه نفس أداء مثل هذه المهمات الكبرى من عناء ومعاناة على العاملين فيها ، حيث تختلف توجهات أبناء المجتمع ، ونظراتهم تجاه الدين ، والاستقامة معه ، والاستجابة لأحكامه ، والتطبع بأخلاقه ، مما يستوجب على رجل الدين أن يأخذ باعتباره هذه الاختلافات ، ويمد كل شريحة ، أو حتى كل فرد –مع الإمكان- بحاجته بما يلزمه ، من خلال توجهاته الثقافية والعلمية ، ومستواه الفكري والاجتماعي ، وغير ذلك ..
ثانيهما : ما يفرضه الصراع بين الحق والباطل من إفرازات ، تبدأ من وساوس الشيطان في أعماق النفوس ، ولا تنتهي حتى آخر بعد من أبعاد الحياة .
ولقرب موقع رجل الدين من كلمة الحق التي يتحمل مسؤوليتها –من جهة-، ولتقدم هذا الموقع في مجتمع الإيمان –من جهة ثانية-، فلا بد له من أن يتخذ لهذا الصراع أهبته ، وعلى مختلف الأصعدة ، ولاسيما في القضايا ذات الطبيعة الفكرية والأخلاقية والاجتماعية ، فضعف رجل الدين -وخصوصاً في هذه الأمور العميقة ، المؤثرة في سلوك الإنسان- مما يوهن دوره في المجتمع ، ويهن بصلة الناس بدينهم .
ثانياً : الهيمنة على الرأي العام في المجتمع الذي يعيش فيه ، لأن لدور رجل الدين في هذا المجتمع سمة القيادة في طريق الله (تعالى) ، وفي استيعابه للمفاهيم الإسلامية ، وتطبيقه للأحكام الشرعية ، وواضح أن استجابة الناس غير مضمونة الحصول والاستقامة ما لم يتمتع رجل الدين الذي يعيش بينهم بمدى من قوة الكلمة ، والهيمنة على تنظيم علقتهم بدينهم .
ولأن هذه القيادة في رجل الدين ذات طبيعة دينية ، فيجب أن تكون تلك القوة ، وهذه الهيمنة ، قائمتين على أساس من استقامته مع رسالته ، وفنائه في انتسابه لدينه ، وفي حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإشاعة الصلاح في الوسط الاجتماعي .
ثالثاً : الترفع عن الموهنات التي تلقي بظلالها القاتمة على شخصيته في المجتمع .
فمن المعروف أن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) قد ألزم أتباعه بتمييز أي شخص أو موقع يستندون إليه في اتباعهم الديني ، ومحاكمة تصرفاته وكلماته وفق موازين واضحة ودقيقة من شرائط الإسلام وحده : (اعرف الحق تعرف أهله) –كما يقول الإمام أمير المؤمنين(ع).
وهذا الشرط كما هو مطلوب في البدء ، مطلوب في الاستمرار أيضاً ، مما يجعل رجل الدين ، وما يصدر منه موضع محاسبة وتساؤل مستمرين ، ومن أجل أن يكتسب الثقة الدائمة من المجتمع ، ونصوع صورته لديه ، فلابد له من أن يحاسب نفسه محاسبة دقيقة ، وأن ينقيها عن أي شائبة توهن من شأنه ، أو تؤثر على أدائه لرسالته .
رابعاً : استيعاب الأطراف الاجتماعية التي تتصل به ، إذ أن علاقة رجل الدين بمجتمعه المؤمن ذات طبيعة تربوية أبوية إسلامية عامة ، تستوعب أبناء المجتمع بالتربية والهداية والتقويم ، مما يفرض عليه الوفاء بجميع مستلزمات الأبوة الحانية مع كل منهم دون استثناء ، مع توازن تام في النظرة ، وإخلاص في الحب الإسلامي وفي التوجيه ، وعدم الانفعال أو استبعاد فئة منهم ، وإن حاول بعضهم الابتعاد عنه ، أو افتعال بعض المغرضين شيئاً من السلبيات تجاهه ، لأن ذلك الانفعال ، وهذا الاستبعاد مما قد ينعكس سلبا على شخصيته ، أو وفائه بمسؤولياته .
خامسا : المحاسبة الدقيقة لما يقوله أو يفعله في المجتمع ، لأن موقع رجل الدين في المجتمع ، يقضي بأن تكون كلماته وسلوكه وأخلاقه والكثير مما يصدر عنه ، بعض السنن التي قد يمضي عليها فصيل من الناس ، مما يعني أنه سيناله من سنن الخير التي يغرسها في أولئك الناس ثوابها الجميل ، وبمقدار أجر العاملين بها ، كما سيناله من سنن السوء التي تتأتت جراء كلماته ومواقفه جزاءه المناسب أيضاً ، وبمقدار ما يناله العاملون بتلك السنة أيضا ، فهذا هو مقتضى القاعدة الإسلامية المعروفة ، التي أشار إليها الرسول (ص)في قولته المشهورة : (من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) .
وأكدها الإمام أبو جعفر الباقر (ع)بقوله : (من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به ، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئاً ، ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به ، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئاً) .
ويجدر الانتباه هنا إلى أن سريان الكثير من مواقف رجل الدين التي يقوم بها عرضا ، وكلماته التي قد ينطقها دون التفات وحتى هزلاً ، قد تسري في المجتمع بشكل أخفى من أن يلتفت إليه حتى العامل أو القائل نفسه ..
وكم نبهتنا الأيام إلى كلمة طيبة قالها أحدنا ، أو فعل جميل صدر من بعضنا أمام طفل صغير ، كان له تأثيره الفعال في بناء شخصيته ، وتغيير مجرى حياته ، ليصبح قاعدة رئيسية له في علاقته مع الدين ، أو مع المجتمع ، أو في بناء أخلاقه ، كل هذا في وقت أصبح ذلك الموقف أو الكلمة في عداد المنسيات بالنسبة لقائلها أو فاعلها نفسه ، أو هو مما لم يقع تحت اهتمامه أصلا حتى حين صدورها منه ؟ ، والعكس بالعكس كذلك .