ينبغي الالتفات لقضيتين مهمتين ، وهما : القضية الأولى : تعدد الوكالات يلاحظ أن بعض الوكلاء والمعتمدين -من ذوي الطموح في العمل الإسلامي- يحاول التحرر من القيود التي يراها تكبله في رؤى بعض المرجعيات ، من خلال الاستعانة بمرجعيات أخرى لا تضع له مثل تلك القيود في العمل ، بل وقد تحثّه على تجاوزها أو التحرر منها ، لما أشرنا إليه من اختلاف المرجعيات في الرؤى والولايات ، وأولويات العمل الإسلامي . ولهذا فهو يأخذ أكثر من وكالة أو اعتماد ، ويتصرف حيث يجد مجالا للتصرف ، إما بإذن بعضها ، أو بالعمل وفق توجهاتها العامة في مجال التطبيق ، وإن لم تأذن له مرجعيات أخرى ، أو لم يحرز مطابقة تصرفه لتوجهاتها ومسارات رؤآها ، بل وإن علم بعدم رضاها بتلك التصرفات . والذي ينبغي أن يلتفت إليه في هذا المجال : أن أخذ رجل الدين وكالة أو اعتماداً من مرجعية معينة ، يعني أنه يتحمل مسؤولية هذه المرجعية في المجتمع الذي يرجع إليه ، وفي مثلها ترد القضايا السابقة التي تحدثنا عنها . أما أخذه لوكالتين أو اعتمادين من مرجعيتين أو أكثر ، فإن عمله هذا يعني تحمّله لمسؤوليات كل تلك الوكالات والاعتمادات ، بل وتحمّل مسؤولية وحدة الخط المرجعي ، وما يستتبعه من وحدة المجتمع المؤمن ، واستقامته في هذا الخط العتيد، ولا يسوّغ له التجرد من مسؤوليات أي من تلك الوكالات أو الاعتمادات . وقد أشرنا –سابقاً- إلى أن ما يعنيه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في فتحه باب الاجتهاد ، إنما يعني المحافظة على وحدة الحق في مجتمعه ، وديمومة النور فيه واستقامته في طريق الله مع الزمن ، مما أظهر النشاز في أي دعوة تعصبية تلقى في هذا المجال أو ذاك ، وهذا ما لا بد للوكيل أو المعتمد الانتباه إليه ، والتقيد به –وبكل ما له من أبعاد وآثار ومسؤوليات– كأساس مبدئي في علاقته مع موقع المرجعية -من جهة-، وفي تصرفاته مع المجتمع –من جهة أخرى-، وعلى هذا الأساس يجب عليه محاسبة نفسه وتصرفاته ، وبكل دقة وشفافية دون أدنى تلكؤ أو تهاون ، على أن تعدد المرجعيات التي يركن إليها في مجال عمله الإسلامي ، وتصرفه الاجتماعي مما يضاعف مسؤولياته تلك ، ولاسيما مع دقة الوضع الذي تعيشه الأمة المسلمة ، وحساسية القضايا التي تمر بها . ** ** ** القضية الثانية : استنساخ طرائق العمل يحاول بعض الوكلاء والمعتمدين أن يستنسخوا طرائق عملهم في أداء مهماتهم الإسلامية في المجتمع ، من نماذج يرون نجاحها لدى آخرين من غير السلك الحوزوي المنتسب للمرجعية ، ويأخذونها كما هي ، ودون أن يخضعوها لمتطلبات الموقع الخاص الذي يشغله كرجل دين ، له ضوابطه وحدوده الخاصة ، حيث تفرض عليه الالتزام بشرائط ومناهج معينة ، قد لا يعير لها الآخرون أهمية . فمع أن الوظيفة الشرعية لرجل الدين في تبليغ الأحكام ، وإعلاء كلمة الله في المجتمع ، وتربية أبنائه تربية صالحة ، تستدعي -ولا ريب- تطوراً مستمراً مع مستجدات الحالة الاجتماعية التي تعيشها الأمة ، وما ينشأ فيها من توجهات حضارية وحاجات وطرائق ، ولهذا فقد سبق أن أكدنا على ضرورة أن يعيش رجل الدين حياة مجتمعه ، كما ينبغي له أن يعيش ، ليدرك من حاجاته وطموحاته ما يستطيع أن يمدّه به من هدى الله وبيناته في كل حاجة ، ويضعه في الطريق المناسب من هذا الهدى مع كل طموح ، ولكن هذا لا يسوّغ له الخروج عن واحد من ثوابت رسالته التي تحمل مسؤولياتها ، أو يستكين في شيء من أمره لغير كلمة الله ، أو يخضع لغير أمره ونهيه .. وهذا يعني أن يكون لديه من الوضوح والتبصّر ، وقوة الموازين التي يتبعها في تصرفاته ، ما يمكّنه من تحديد كل أفق من آفاق عمله ، وبلورة كل خطوة من خطواته ، في حدود الراجح أو السائغ من الآفاق والخطوات ، مع مراعاة تامة للأولويات والثمار التي يمكن للمجتمع أن يقطفها من تلك الآفاق والخطوات في علاقته المتنامية مع دينه الحنيف . وأن يعي –في الوقت نفسه- كل ما يعترض العمل الإسلامي عادة من مزالق ، قد تكون ذات تأثير سلبي كبير لا على توجهاته الشخصية فحسب ، وإنما على توجهات أبناء المجتمع الذين يتصلون به أيضاً ، فينأى بهم عن الغاية التي يقصدها من حيث يطمح إلى البلوغ بهم إليها ، وهي غالبا ما تكون مزالق دقيقة وحادة وواسعة ، وسريعة التأثير بشكل قد لا يمكنه تداركها، أو تدارك النتائج السلبية التي تتأتى منها . وأن يدرك -قبل هذا- أن التطور في العمل الإسلامي يجب أن لا يكون على حساب الاستقامة مع أحكام الشريعة وثوابتها ومستلزماتها في الواقع الفردي أو الاجتماعي ، فإن الأمور في دين الله (تعالى) ، وفي مذهب أهل البيت (عليهم السلام) – بالخصوص- لا تقاس بمقاييس مادية أو شكلية ، وإنما تقاس بمدى استقامتها مع الروح الإسلامية ، والثوابت والأسس التي بني عليها هذا الدين الحنيف ، والعطاء الإيجابي الذي تثمره في الحياة الإنسانية ، كل هذا مع إخلاص مطلق لله في العمل ، واستقامة مع أمره في النية والسلوك ، ومجانبة لنهيه في كل مراحل الطريق . هذا كله ؛ في حين أن من طرائق العمل المتبعة لدى غير السلك الحوزوي ما يستوجب التصرف غير المأذون به في الأموال العامة ، أو حتى الشرعية منها .. ومن طرائق العمل ما يكون فيه ضغط أو مضايقة على الآخرين دون رضا منهم .. ومن طرائق العمل ما لا يتناسب المصروف من الأموال فيه مع الثمار الإيجابية التي تتأتى منه .. ومن طرائق العمل ما يثمر سلبيات في مسار المجتمع المؤمن لا يمكن تداركها بسهولة .. ومن طرائق العمل ما تقتضي الأولويات الاجتماعية والتربوية تأخيره ، وتقديم ما هو أجدى ثمرة للمجتمع المؤمن ، وأقرب لتحقيق حاجاته .. ومن طرائق العمل ما يسمح بتدخل فئات لا تمتّ للعمل الحوزوي ، أو حتى الإسلامي ، بصلة واضحة ، ويمكّنها من استخدامها كورقة ضغط على الخط المرجعي ، أو الاستعانة بها في سبيل تحقيق مآرب سياسية أو اجتماعية ، أو غير ذلك ، دون اعتبار للغاية التي يطمح إليها رجل الدين . ومن طرائق العمل ما تكتنفه الضبابية والغموض ، وتهافت الخطى ، بشكل تتداخل فيه الأهداف ، لينأى بأبناء الإسلام عن الرؤية السليمة فيه ، وقطف الثمار المرجوة منه .. وهكذا . وكثير من هذه الأمور السلبية مما لا يعير له الآخرون أهمية لقدرتهم على تلافيه ولو بوسائل لا تقل سلبية عنه ، أو حتى هو بعض اهتماماتهم وغاياتهم ، إلا أن تساهل رجل الدين -ولو في بعضها- ، أو قيام الوكيل والمعتمد بها دون استئذان من مرجعية وكالته واعتماده ، مما قد يحمّله تبعات قد لا يستطيع تحملها ، بل وقد يصبح من السنن السيئة ، التي عليه أن يتحمل وزرها ووزر من عمل بها ، لفترات طويلة أو قصيرة من الزمن . والملاحظة المتكاملة لهذا الموضوع من جوانبه المختلفة تقتضي .. أولا : أن يتطور الوكيل أو المعتمد في عمله التربوي والتبليغي مع مستجدات الحاجة الاجتماعية ، في المضمون والشكل والطريقة ، وأن يستغل التقدم العلمي في مجال التربية والإعلام ، والخدمة الاجتماعية وغيرها ، في سبيل الوفاء بمسؤولياته الكبرى في ساحة ذلك العمل ، وأن يبتكر من الوسائل ما يشد إليه العقول والبصائر ، ليلقي إليها كلمة الله واضحة المعالم ، جلية الملامح ، وأن يستقطب من العواطف ما يستعين به على تمكين تلك الكلمة في النفوس ، وأن يستفيد في كل ذلك من خبرات الآخرين ، ومدى نجاحهم أو إخفاقهم في بلوغ النتائج . ثانيا : أن يكون له من القوة والمنعة وثبات الشخصية ما يمنعه من الاستكانة لدواعي الانحراف ، ولو في بعض مفاصل العمل ، وأن يكون لديه من قوة الموازنة والتمحيص ما يجنّبه المزالق التي تكتنف طريقه ولو في حدودها المنظورة . فالعمل الإسلامي –وكما يعلمه كل ذي بصيرة– واحد متكامل .. في الدعوة والوسيلة والغاية .. في النية والكلمة والفعل .. في المبدأ والطريق والخاتمة ، ويستحيل التقرب إلى الله بما يبغض ، إذ لا يطاع الله من حيث يعصى ، كما يستحيل قطف حلو الثمار في دين الله إلا من حيث اتباع أمر الله (تعالى) ، ومجانبة ما نهى عنه ، لأن الطريق فيه جزء من المسؤولية . وأي طريق يتخذ في الدعوة إلى الله يجب أن تخضع لهذه الموازين بالخصوص ، دون أي موازين أخرى مهما بدت براقة الملامح جذابة الشكل . وهذه النقطة تشكل المقاييس التي يجب على العاملين في سبيل الله اتباعها ، والالتزام بنتائجها في كل خطوة ، وعلى أي حال ، وفي أي مدى ، وإن استوجب الأمر التضحية بالغالي والنفيس ، وإلا لم يحتسب العمل لله ، وإن قدمت فيه الأنفس ، وأهدرت من أجله الأموال ، ولنا في المواقف المشرقة لأولياء الله المطهرين (عليهم السلام) خير أمثلة واضحة في هذا الميدان .. ومن الله العون ، ولا حول ولا قوة إلا به . ** ** ** وإلى هنا أقف في استعراض ما لاحظته من المهام التي تنهض عليها المقومات الأساسية لشخصية رجل الدين من حيث وكالة أو اعتماد المرجعية ، آملا أن يحضى بعنايتها ، وبيان رؤاها المباركة فيه ، ولفتنا إلى ما ينبغي الالتفات إليه من أولوياته ، فهي المعنية الأولى بوكلائها ومعتمديها ، فمنها وحدها يستمدون قبسات وعيهم ، ومقومات سلوكهم ، أدام الله ظلها على العباد ، وسددنا باتباعها في سبيل الهدى والرشاد . وأخيراً ؛ دعاؤنا إلى المولى (تعالى) أن يرزقنا النور في الرؤية ، والخلوص له في النية ، والثبات على الحق في الخطى ، والنجاح في الأعمال ، فهو وحده (تعالى) ولي التوفيق ، وهو أرحم الراحمين . (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .) . وصدق الله العلي العظيم .
|