مهام مقومة في شخصية المعتمد

كون الوكيل أو المعتمد بابا لتواصل الأمة مع المرجعية العليا -من جهة-، وكونه عيناً لهذه المرجعية في المجتمع -من جهة ثانية- يفرض عليه –كما قلنا- مهمات عظمى لابد له من الوفاء بها ، لا في حدود كفاية المجتمع ، وتنظيم مجريات حياته وعلاقاته المختلفة فحسب ، وإنما على مستوى أن تصبح أركاناً مقومة لبناء شخصيته ، ومعالم كيانه ، ونحن نقف في هذا التقرير عند بعض من أكثرها أهمية :
المهمة الأولى : أن تكون له من سعة النظر ما يستوعب به كل مستلزمات فتح باب الاجتهاد ، وأن يأخذ هذه الحقيقة الكبرى من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وتعدد مراجع التقليد ، بعض الأركان الأساسية في علاقته مع المجتمع الذي يستلم فيه مسؤوليته الإرشادية .
فلا يكون تقليده الشخصي لمرجعية معينة ، ولا توكيلها له ، أو اعتمادها إياه ، مدعاة للتعصب ، أو للتشنج في المواقف ، أو خروجه عن الحقيقة في التقدير ، أو توهينه لشأن الفقهاء الآخرين ، ولاسيما مع علمه بكفاءة أولئك الفقهاء ، وجلالة قدرهم ، وأهليتهم للمرجعية ، لأن فتح مذهب أهل البيت (عليهم السلام) باب الفقاهة فيه ، يعني أنه جعل تعدد الفقهاء فيه واحدة من حقائقه الجلية ، وضروراته الواضحة ، بل وبعض جوانب العظمة والخلود والإعجاز فيه –كما أشرنا- .
بل وعليه أن يغرس هذا المبدأ –بما له من معان وآثار ومسؤوليات- في أعماق أبناء المجتمع ، ليصبح بعض الركائز الأولى لعلقتهم بمذهبهم ، ومن الأسس أو التوجهات العامة لتربية شخصياتهم ، وذلك :
أولاً : من أجل أن يكونوا على تواصل دائم مع دين الله القويم في كل آن ، وفي كل أمر يستجد في حياتهم ، وليتابعوا ارتباطهم المستمر مع مرجعياتهم الدينية ، بما هي موئل وملجأ ، يكفل لهم الرؤية السليمة لأحكام الله (تعالى) ، ويضمن لهم سلامة الانتهاج في طريقه ، سواء على مستوى التقليد ، أم على مستوى الحكومة الشرعية ، وما تؤدي إليه من بلورة الحقوق العامة أو الخاصة ، وتمييز مهمات الأفراد والجماعات ، مع غض النظر عن الأسماء ، أو العلاقات ، أو المميزات الأخرى لكل منهم ، حيث لا ترد هذه العناوين إلا في المراحل الأخرى .
ثانياً : من أجل أن يصبح رصيداً لكل الموازين العامة التي يقوّمون بها الشخصيات المنتسبة إليه ، فيوثّقوا ارتباطهم بمن تثبت استقامته معها ، وينبذوا كل من لا تطّرد فيه ، وإن استعان بما استعان به من سبل ووسائل لا تنتظم مع ثوابت الدين ومقاييسه ، كالعصبية أو الإغراء أو غير ذلك .
وبفضل هذه الموازين ، وارتكاز أتباع أهل البيت (عليهم السلام) عليها ، أثبت الواقع التأريخي والمذهبي أن هذه الطرق الملتوية كانت –وخلال جميع العصور- أوهى من أن تصمد أمام الحقيقة الإسلامية ، وأضعف من أن تتمكن من التشويش على منابع النور ، وموازين الحق في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وغالباً ما يكون القائمون بتلك الطرق ، والمعتمدون عليها ، أوائل الضحايا التي ترمي بهم معالم الحق في مزابل التأريخ –كما يشاهده المتتبع لهذه الساحة على امتداد العصور- .
ثالثاً : من أجل أن تتسع مدارك أبناء المجتمع لاستيعاب رؤى جميع الفقهاء المأمونين ، وإن اختلفت هذه الرؤى في بلورة بعض الأحكام الشرعية ، وفي المواقف التي تعتمدها ، وهذه السعة هي التي جعلت حياة أبناء مذهب أهل البيت(عليهم السلام) بمنأى عن الفرقة والاختلاف الاجتماعي جراء هذه الناحية ، حيث لم تخدش وحدتهم ، ولا انتماؤهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ولم يكن تقليدهم لفقيه معين ، أو انضواؤهم تحت ولايته ، مدعاة للتعصب له مقابل الفقهاء الآخرين ، الذين تتحقق فيهم الثوابت المقررة لهذه الفقاهة -بحال من الأحوال- .
فبسبب هذا التوجه المذهبي العام لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) ، أصبح أي نشاز أو انحراف عن الحق في أي دعوى تشنجية أو عصبية -قد تتعالى من هذا الطرف أو ذاك- جلياً لدى كل الأتباع المخلصين لهذا المذهب ، بمجرد حدوثه ، وبمجرد عرضهم إياه على الموازين الثابتة ، التي عهدوها من مذهبهم الحق ، بل وقد تصبح هذه الدعوى مدعاة للحكم على صاحبها نفسه بالنشوز أو الضلال عن نهج أهل البيت (عليهم السلام) ، مع غض النظر عن الموقع الذي يشغله هذا المدعي ، وبالرغم مما يستخدمه من سبل وطرائق يحاول بها الهيمنة على الآخرين .
** ** **
المهمة الثانية : أن تتسم نظرته لسلك المرجعية بواقعية إيمانية ، لا تقتبس إلا من معين أهل البيت (عليهم السلام) ، سواء في تمييز الدعاوى التي تطرح في ساحته ، أم في عمق الارتباط به .
فمن بدائه الإسلام ، ومن أوليات مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، أنه لم يشرع حكماً من الأحكام ، ولم يسن موضوعاً من الموضوعات ، ثم يتركه هملاً للأهواء أو للعواطف تقول فيه ما تشاء ، دون أن يضع له حدوداً معينة ، أو يقيده بقيود تستقيم مع ثوابته التي أقيم عليها كيانه ، وقد علمنا -في الأمر الثاني من الأمور التي سبقت في التوطئة- بعض ما أعدته الحجة الربانية في تحديد طبيعة الفقاهة وشرائطها ، وما ألزمت المكلفين به قبل الرجوع إلى أي فقيه ، سواء في التقليد ، أم في التقاضي ، أم في غير ذلك .
وتشديد اعتبار هذه الواقعية في رجال الدين أو الوكلاء أكثر من غيرهم ، لأن نظرة أبناء المجتمع ومواقفهم في هذه الأمور غالباً ما تتبع كلماتهم بالخصوص ، مما يفرض عليهم –ولعظم دور المرجعية في حياة الأمة- التقيد التام بالاستقامة مع دلائل تلك الحجة الشرعية ، والوضوح في التزام الحقيقة التي تنتهي إليها ، كما يفرض عليهم بيان أسس التمييز السليم لأبناء المجتمع ، وغرسها في ثوابتهم العامة وتوجهاتهم أيضاً ، بعيداً عن العصبية والعاطفة العمياء .
** ** **
المهمة الثالثة : أن تكون رابطته بالمرجعية طابعاً بارزاً في رؤيته العامة للأمور ، وسمة طبيعية في سلوكه الاجتماعي ، ليستطيع –من ثم- غرس هذه الصلة كروح فعالة في أعماق أبناء المجتمع المؤمن ، إلى درجة تصبح توجها عاما ينسق خطواتهم في الحياة ، ويُحكِم بناء علاقاتهم كافة ، إذ لا بد من الالتفات إلى ما يعنيه هذا التوثيق من آثار إيجابية كبرى في حياة الأمة ، واستقامة أبنائها مع روح الإيمان ، كما أن له أثره الفعال في وحدة كيانهم ، وقوة انتمائهم لمذهبهم العظيم ، ودرء الكثير من جوانب الخلل والضعف التي يمكن أن تطرأ جراء افتقادهم للقيادة الحكيمة ، والبلورة الدائمة للرؤى المتجددة للحياة وتطوراتها، لدور موقع المرجعية في غناء كلا هذين الجانبين .
فمن الوظائف الأولى التي رسمت للأبدال من فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) في كيان الأمة ومسارات حياتها : ضرورة الحفاظ على سلامة الهدى الرباني ، وديمومة حجة الله (تعالى) في هذا المذهب الحق ، وقيامها فيه ناصعة النور أمام العقول المتطلعة ، ودفع الغوائل التي تحاول التطاول على شيء منها ، أو النيل من وضوحها وثباتها أمام البصائر ، واتخاذ مختلف السبل التي يحتاجها الوعي البشري في هذا الدفاع المذهبي ، ولاسيما على صعيد الفكر ، ومسايرة الركب الحضاري في أوليات المعرفة ، وتعامل العقول السليمة ، وإرشاد الأمة المؤمنة إلى آفاق منعتها ، ومجالي عزتها وكرامتها التي أرادها الله لها بين الأمم ، وكما يقول الإمام الكاظم (عليه السلام) - في حديث:- (... لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام ، كحصن سور المدينة لها) .
** ** **
المهمة الرابعة : أن يتفهم طبيعة تدخل المراجع في أمور الحياة المختلفة ، وما يتأتى نتيجة اختلاف الرؤى الفقهية من حدود تحكم كل مرجع لدى تدخله في القضايا التي يتدخل فيها ، ليضع أبناء المجتمع –من ثم- في الأفق الصحيح من هذا الاختلاف ، وما ينعكس بسببه على وظائف المكلفين ومواقفهم ، لأن القصور في هذا الفهم سيوقعه ويوقع أبناء المجتمع في ضبابية وتشويش قد ينعكسان سلباً على حياتهم ، ولاسيما في القضايا العامة التي ينتظر فيها الناس كلمة المرجعية لتوحيد رؤيتهم ، وتنظيم مواقفهم وخطواتهم في العمل .
فالفقيه إنما يتدخل في الموضوع الذي يتدخل فيه ، ويقدم الرؤية التي يراها ، من خلال ما يعتقد أنه من تكليفه الشرعي فحسب ، سواء على صعيد الفتوى ، أم على صعيد الولاية والحاكمية الشرعية ، ولهذا فهو لا يحكم برؤية فقيه آخر سواه ، إلا حيث ترشده الأدلة الشرعية أن هذه الرؤية نافذة في حقه وفي حق مقلديه ..
أما حيث لا تسمح له رؤيته الفقهية بالتدخل في بعض الأمور ، أو حيث يرى أن تدخله مما سينعكس سلباً في تأثيره على حياة لمجتمع ، فسكوته عن إعطاء رؤية معينة ، لا يعني تهربه من المسؤولية –كما قد يتصور بعض القاصرين- وإنما للتحفظ على سلامة المجتمع ووحدته ، أو لأسباب مشابهة ، وهذا ما لا بد أن يعرفه المؤمنون عامة لئلا يقعون بأخطاء لا يمكنهم تداركها .
واستيعاب رجل الدين لتعدد الفقهاء ومرجعياتهم ، يجب أن يعتمد هذه الحقيقة بالذات –فيما يعتمده من حقائق هذا التعدد-، على أن تمتد -وبما لها من آثار ونتائج- إلى جميع مهماته في الصعيد الاجتماعي الذي تحمل مهمة الإرشاد فيه ، إذ بموجب هذه الحقيقة يستطيع تحديد المسؤوليات والحدود الشرعية لكل واحد من أبناء المجتمع ، ويبين من خلالها حقوقه وواجباته ، وخصوصاً حين تصبح هذه الآثار والنتائج -بدورها- أحكاما شرعية ، أو متعلقات لأحكام شرعية ، يفترض بالمكلفين امتثالها ، والخروج عن عهدتها ، كل تبعاً لتقليده ، ومن المعلوم أن مسؤولية تعريف المجتمع بدقائق هذه القضايا تعتبر من المهام الأولى لرجل الدين فيه ، فعامة المكلفين أقل وعيا –في العادة- من أن يتتبعوا هذه الحقيقة في امتدادتها المختلفة في تكليفهم دون متابعة مباشرة منه .
** ** **
المهمة الخامسة : أن يكون واضحاً في علاقاته الاجتماعية ، مستقيماً في سلوكه العام ، منظماً في تصرفاته التبليغية ، دقيقاً في استيعاب المفاهيم والرؤى ، أمينا على نقلها لمن يراد نقلها إليه دون إضفاء يشوش الأذهان ، أو يربك المواقف ، وبشكل يكسب ثقة المرجعية في وفائه بالتزاماته لها في المجتمع ، وفي إيقافها على الحاجات التي تهمها وتدخل في وظائفها من شؤونه ، كما يكسب –في الوقت نفسه- ثقة المجتمع في وفائه بالأمانات التي تعهدها له في تواصله مع مرجعيته .
وتتأكد هذه الشرائط في المجالات التي تعتبر مدعاة لريب المرتابين ، أو لسوء الظن من عامة الناس ، كالتصرفات المالية ، والعلاقات مع ذوي النفوذ السياسي والاجتماعي ، وفي المواقف الدقيقة والحساسة التي تنتظر الأمة فيها كلمة المرجعية .
وواضح أن المعتمد أو الوكيل يحتاج إلى هذه الثقة في مختلف آفاقها تلك ، إذ بدونها لا تستطيع المرجعية الاعتماد عليه في تفعيل رؤاها والتزاماتها في المجتمع ، كما أنه بدونها لا يضمن انتظام المجتمع في خطواته التي يحاول فيها تفعيل رؤى المرجعية ، وما تفرضه على أبنائها من مواقف وتوجهات ، وخصوصاً في القضايا ذات الأهمية الخاصة من حياتهم ، على أنه ذاته لا يمكنه التسامي في أدائه لوظائفه الدينية ، بشكل يحقق ما يطمح إليه من خدمة الدين ومذهب الحق ، دون أن يحرز لنفسه تلك الثقة في كلا جانبيها .
** ** **
المهمة السادسة : أن تكون له قدرة جيدة على تنقية الأمور ، وتصفية الأحداث ، وفرز جزئيات القضايا التي تقع في الساحة الاجتماعية ، وإرجاع المواقف والأعمال إلى أولياتها التي أنيط بها الحكم الشرعي مباشرة ، ودون تداخل أو ضبابية قبل تطبيق الحكم الشرعي المطلوب عليها في حال وجوده-، أو نقلها إلى المرجعية لبيان هذا الحكم في حال عدم وجوده أو عم التعرف عليه من قبل المكلف ، أو لتقول فيها كلمتها التي تراها مناسبة فيها .
ولكثرة الأخطاء التي يقع الكثير منا في هذا المجال ، حيث تفتقد الدرجات الكافية من الوضوح فيه ، رأيت أن أقف عنده بشيء من التفصيل يجعلنا في أفق مناسب ، يمكننا من تفهم مسؤولياتنا فيه .
ومن الأسباب التي تدعو إلى التأكيد على هذه التنقية ، وضرورة فهم ما يستتبعها من صفاء في الرؤية والتطبيق ، نلتفت إلى ثلاثة موارد مهمة ، مما له دور أساس في مسؤولية رجل الدين في المجتمع
** ** **
المورد الأول : الأحداث المحتاجة للحكم الشرعي
يلاحظ أن كثيراً من الأحداث يتكوّن –في واقعه- من مشاهد ومواقع وحالات وأفعال متداخلة ، متشابكة ، وإن بدا واحداً من خلال النظرة العرفية السطحية ، وواضح أن تلك الأجزاء قد لا يجمعها حكم واحد ولا تبعات واحدة ، بل لكل منها حكمه الخاص ، ولكل منها تبعاته التي يختلف بها عن غيره ، وإن اتحدت في الوقت والفاعل والمظهر .
وهذا التداخل يفرض على رجل الدين دقة خاصة في نظرته لكل حدث ، وقدرة على التفكيك بين تلك الأمور المجتمعة فيه ، وفرز كل حدث ، وكل فعل ، وكل حالة عن غيرها قبل أن يطبق عليها الحكم الشرعي المناسب ، دون أن يستهين بصغيرة من الصغائر العابرة فيه ، أو يغض النظر عن طارئ يطرأ منه ، فقد يكون لتلك الصغيرة ، أو لهذا الطارئ حكمه الخاص الذي يجب أخذه بالاعتبار ، أو يكون ذا تأثير مباشر أو غير مباشر في مجريات أحكام شرعية أخرى ، لا تتضح أبعادها دون ملاحظته .
وبدون دقة النظر تلك ، وما يتأتى نتيجتها من قدرة على الفرز والتنقية ، لا يمكن لرجل الدين ، ولا لغيره من المكلفين ، بلورة الحقائق التي يرد عليها الحكم الشرعي ، ولأنه من شأن المكلفين لا يمكن –من ثم- حتى للمرجعية ذاتها أن تبتّ فيها بشكل واضح إلا حيث ترجعه إليهم .
وتتأتى القدرة على الفرز في متداخلات المواقف والقضايا من خلال ما يلي :
أولا : التعرف على دقائق الموضوعات التي يتعلق بها الحكم الشرعي ، والاطلاع على تفاصيلها ، وهي درجة غالبا ما تقع وراء علم المكلف بالأحكام الشرعية ومواردها ، إذ هي تحتاج إلى الخبرة والتدبر المستمر في الأحداث الجارية ، ومواصلة التطبيق الرشيد للأحكام في مواردها .
وهكذا فيجب أن تكون موارد الأحكام الشرعية ومتعلقاتها ، وتطبيق هذه الأحكام -في مواردها تلك- بشكل سليم ، واكتشاف دقائقها في الأحداث والمواقف المتداخلة من أولويات اهتمام الطالب الحوزوي ، أو رجل الدين حتى قبل استلامه أي مسؤولية في الساحة الاجتماعية ، إذ أن دخوله في هذه الساحة العملية دون أن تكون له قدرة مناسبة على تلك التطبيقات مما سيوقعه ، بل وسيوقع المجتمع الذي يستلهم منه أحكامه الشرعية والرؤى الدينية في سلسلة من الأخطاء ، أو حتى الخطايا أيضا، ولاسيما مع تداخل الكثير من الموارد ، ومع تهاون الناس في تدينها ، وفي تطبيقها للأحكام الشرعية في حياتها ، ولا أعتقد أن تبعات ذلك مما يسهل على أحد تحملها .. كما هو واضح .
ثانيا : استيعاب ما يعنيه اختلاف الرؤى الفقهية في القضايا والحوادث والأعمال والأحكام التي يصدرها كل فقيه ، وما ينتهي إليه كل حكم من تلك الأحكام في وظائف المكلفين .
فبعض الموارد له طابع الأحكام العامة ، التي يذكرها الفقهاء في رسائلهم العملية ، أو في المصادر الأخرى للفتوى ، بينما بعضها الآخر يعتبر من شأن القضاء ، أو ولاية الفقيه ، حيث لا يتأتى حل الإشكال فيه إلا بحكم خاص منه ، وواضح أن كلاً من النوعين يستتبع وظائف خاصة ، يفترض بالمكلف أن يتبيّن حكمه الشرعي الواضح فيها .
واستقاء المجتمع لهذه الحدود والأحكام ، وتمييز مواردها في الوظائف والأعمال ، إنما يتأتى –في الغالب- من خلال رجل الدين قبل غيره من الناس ، مما يؤكد ضرورة أن يكون دقيقاً في هذه المجالات ، لئلا تتداخل الحقوق والواجبات في المجتمع ، ويتهاون الناس في إقامتها ، لتقع -من ثم- في محاذير لا تتناهى .
هذا إضافة إلى أن الموضوعات التي تحتاج إلى مراجعة المرجعية ، فالوكيل أو المعتمد هو الذي يتحمل هذه المهمة فيها لكونه باب التواصل ما بين المجتمع ومرجعيته ، ولهذا فما لم ينطلق فيها عن رؤية واضحة ، ودقيقة التبصر للأمور وتداخلاتها ، سيوقع المجتمع في ضبابية قاتمة ، لا تستبين معها الموضوعات والحدود ، ولا يعلم المجتمع ما يلزمه من الأحكام الشرعية المطلوبة فيها ، مما قد يؤثر –بالتالي- على علاقته مع مرجعيته من حيث يرغب أن يوثق هذه العلاقة .
** ** **
المورد الثاني : اختلاف أبناء المجتمع في التقليد
من القضايا الشائعة والمرتكزة في المجتمع المؤمن هذا التعدد الملحوظ في مراجع التقليد ، وهو –كما علمناه- نتيجة طبيعية لانفتاح باب الفقاهة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، كما أنه من الظواهر الإيجابية فيه .
فكل من أبناء المجتمع المؤمن يرجع في تقليده إلى فقيه معين ، وقد يختلف فيه حتى عن تقليد أقرب الناس إليه ، إذ يفترض فيه أن لا يخضع في هذه المسألة إلا لما قام لديه من حجة شرعية ، أوجبت اعتقاده بأهلية المرجع الذي يقلده ، وإن كان لا يغمط الآخرين شيئاً من مقامهم الرفيع ، وهذا -كما أشرنا إليه سابقاً- يعتبر من الارتكازات العامة والمعروفة لدى أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .
فالوكيل أو المعتمد –بل وكل رجل دين- يتعهد مجتمعاً من المجتمعات ، يجب أن يأخذ هذا التعدد باعتباره ، وإن كان هو يقلد ، أو يحمل وكالة أو اعتماداً من مرجعية معينة ، إذ قناعته الخاصة ليست حجة على الآخرين ، إلا حيث يثبت لهم سلامة رأيه وفق الحجة الإلهية التي التزمها ، هذا في وقت التزم لمجتمع ما أن يفي له بحاجاته الدينية الأساسية ، ومن أكبر هذه الحاجات أهمية –طبعاً- تعريف أبنائه بأحكامهم الشرعية ، مما يفرض عليه أن يجعل كلا من أولئك المقلدين أمام حكمه الشرعي الذي يعنيه من مرجعه الخاص ، دون أن يربك أياً من منهم فيما يجب عليه امتثاله من الأحكام الشرعية ، وهذا يعني ضرورة التعرف على مرجع كل من المكلفين الذين يردون ضمن مهمته ، ليقوم بواجبه إزاءه حين يبين له ما يلزمه من الأحكام .
أما في محاضراته العامة ؛ فيجب أن ينبه على رأي أي من الفقهاء يصوغ حديثه ، مع الإشارة إلى آراء الآخرين –مع إمكان ذلك-، وإلا نبه مقلدي كل منهم إلى كيفية التعرف على آراء مرجعه .
وتزداد أهمية التنقية هنا ، وفرز ما بين الآراء ، في الموضوعات التي يشترك فيها اثنان أو أكثر من المكلفين ، مع اختلاف كل منهم عن الآخر في مرجع تقليده ، واختلاف الآراء الفقهية لهؤلاء المراجع في ذلك الموضوع المشرك ، كما في بعض المعاملات ، أو في الأحوال الشخصية ، حيث لابد أن تتخذ حينئذ وسائل علاجية خاصة للخروج عن الإشكالات التي تتأتى نتيجة هذا الاختلاف ، ولو بالرجوع إلى المرجعية ذاتها ، حين ينحصر العلاج بهذا الرجوع .
** ** **
المورد الثالث : طبيعة امتثال الناس للحكم الشرعي
ومن الموارد التي يستوجب التنقية أيضاً : ما يشاهد كثيراً من خضوع استجابة الكثير من الناس لتدخل عامل الهوى والجهل ، أو الاعتبارات الاجتماعية الخاصة ، مما ينتهي بالعامل نفسه ، أو بغيره من الناس ، إلى نتيجة بعيدة عن التصور ، بل وإلى سلسلة من الأخطاء والإشكالات التي قد لا يسهل حلها .
فبعض العاملين لا يستوعب حدود الحكم الشرعي الذي يجب عليه امتثاله ، فيقوم بعمل آخر في حين يعتقد أنه امتثل هذا الحكم .
وآخر لم يستطع التوفيق بين ما يعلمه من الأحكام وأعماله ، فيطبق حكم أحدها على الآخر .
وثالث يستهين ببعض القضايا ، في وقت هي ذات أهمية كبرى في تحديد معالم الحكم الشرعي ، أو الاستجابة له.
ورابع يفرض عليه العرف أن يخضع لتوجهات معينة في حالة من الحالات بينما هي مخالفة للحكم الشرعي ، وقد تحمله تبعات لا يسهل عليه الوفاء بها .. وهكذا .
بل وقد يكون بعض هذه المخالفات ناشئاً من عدم الدقة في بيان بعض رجال الدين للحكم الشرعي ، إما لعدم تشخيصه للموضوع الذي طبق عليه الحكم الخاص ، أو لعدم استيعابه للحكم الشرعي نفسه .
وهذه القضية –كما يعلمها ذوو الخبرة في هذا المجال- أوسع من أن يغض عنها ، وعما يمكن أن تمتد إليه في الوظائف الشرعية لأبناء المجتمع ، ولاسيما مع اتساع مديات بعد الناس عن الأحكام الشرعية ، وشيوع القصور أو التقصير لدى الكثير ممن ينتسب للحوزة العلمية ، مما يفرض على رجال الدين المخلصين التصدي لهذه الظاهرة المتصاعدة ، والوقوف أمامها بحزم ووعي وتضامن .
وهذه الظاهرة تستدعي من رجل الدين :
أ - الدقة في تمييز مكامن الخطأ أو المخالفة في أي حالة أو موقف تأتى من بعض المكلفين ، يفترض برجل الدين معالجته.
بـ - استيعاب الطريقة التي يستطيع بها معالجة ما حصل من خلل ، والإحاطة بالأحكام الشرعية التي يمكنه تطبيقها في هذه المعالجة .
جـ -: الحكمة في البيان ، والشجاعة التامة على إحقاق الحق في موارده ، ودرء الباطل ومداخله ، بعيداً كل البعد عن العوامل العاطفية ، والضغوط التي قد يمنى بها من هذا الجانب أو ذاك ، إذ عادة ما يكون الناس حساسين تجاه هذه القضايا ، وقد يتخذ بعضهم موقفاً سلبياً ممن ينبههم على الخطأ في شيء من أعمالهم .
وقدرة رجل الدين على تنقية المواقف التي تتأتى نتيجة هذا التداخل ، تعتمد غالباً على أسس ثلاثة مهمة ، إضافة إلى ما نبهنا عليه من القدرة على معرفة دقائق الموضوعات التي يتعلق بها الحكم الشرعي ، ومعرفة آراء الفقهاء ، وما ينتهي إليه كل منها من نتيجة ، وهي :
أولا : أن يعايش رجل الدين مجتمعه حق المعايشة ، ويفهم مجريات حياته ، مع وعي سليم للعوامل التي تتدخل في مسيرة كل فرد من أفراده ، والطرائق التي تحكم علاقاته ، وبلورة أبعادها ، حتى تصبح لديه قدرة تامة على معرفة حاجاته وتوجهاته العامة ، وبشكل يهيئه لاتخاذ دوره الخاص فيه ، دون حاجة منه للآخرين ، وإن كانوا من أقرب الناس إليه ، لأن الصور التي يقدمها الآخرون لأي من الأمور غالبا ما تصطبغ بذاتيات تحكم رؤى كل منهم ، وخصوصاً إذا كانوا من غير ذوي الرؤية الشرعية الخاصة ، وهي عادة لا تسلم من تدخل العواطف والأهواء والمصالح الشخصية أو الانفعالية ، وإن بدت موضوعية الملامح ، حيادية الاتجاهات ، إلا أن مسارب الأهواء قد تكون أدق وأعمق من أن يلتفت إليها .
ثانيا : أن يتمتع رجل الدين بالاستقلالية الكاملة في الرؤى ومحاكمة الأحداث ، وأن لا يستكين في خطواته إلا إلى الهدى الرباني الذي أقام عليه شخصيته ، وإلى الحكم الشرعي الذي نذر إليه نفسه .
وتأكيدنا هنا على هذه الاستقلالية -مع كونها من أوليات العوامل التي تعنيها إضافة الرجل إلى الدين ، وكما أشرنا إليه في مقدمة هذا الحديث- إنما هو :
1 - لدقة الموضوع في نفسه ، وأهميته في حياة المجتمع .
2 - لتشابك المهمات التي يتحملها رجل الدين في المجتمع وتعقدها ، وعظم دوره في إصلاح ذات بينه ، وإقامة صلاته الخاصة والعامة على أساس ثابت من أحكام الشريعة ، والنهج الإسلامي القويم .
3 - ما يحصل فعلاً في المجتمع من انحرافات قائمة ، نتيجة لهيمنة الأعراف القبلية والعشائرية ، وشيوع القوانين الوضعية ، وتغليب مصالح ذوي النفوذ على القيم والمقدرات الدينية ، وما يتأتى -نتيجة كل ذلك- من عواطف وأهواء تفرض نفسها على الغالب من أبناء المجتمع ، لتحيد –من ثم- برؤاهم عن الحقيقة ، وتوقعهم فيما لا تحمد عقباه عليهم .
4 – شيوع استهانة كثير من الناس بتطبيق الحكم الشرعي ، وعدم الاهتمام بما يتأتى من لوازمه في الحياة .
وكل هذه الأمور تفرض على رجل الدين مزيداً من الوعي ، ومزيداً من الاستقلالية ، والاستقامة والقوة في تطبيق الحكم الشرعي ، ومتابعة الآخرين في هذا التطبيق ولا سيما في القضايا التي تعتمد عليها الحياة العامة للمجتمع .
ثالثا : أن تصبح لديه القدرة التامة على فهم استجابة أبناء المجتمع -الذي يعيش فيه- للحكم الشرعي في المواقف والأحداث ، والتعرف على طبيعة هذه الاستجابة ومداها ، إذ ما لم يتمكن رجل الدين من التقدير الصائب لتطبيق الناس للحكم الشرعي في قضية من القضايا التي تقع ضمن اهتمامه ، وما قد يتأتى عن الخلل في ذلك التطبيق من آثار في العلاقات والحقوق والواجبات ، لا يمكنه التعرف -من ثم- على ما سينشأ فيها من مستجدات الحكم الشرعي ، وهي غالبا ما تكون آثاراً دقيقة ومعقدة ، وقد لا يسهل حل مشكلاتها حتى مع تدخل المرجعية .
وهذا ما يفرض على رجل الدين في المناطق أن يلتفت إليه بشكل دقيق ، ويبينه لأصحاب المشكلة ، ويحذرهم من الوقوع فيه قبل أن وقوعهم ، أو يسعى لتلافي ما يمكن تلافيه من خلل ، وإعادة الحق إلى نصابه -مع إمكان ذلك-، أو علاجه بشكل من أشكال العلاج بعد وقوعه .
** ** **
المهمة السابعة : أن يصبح على استعداد لتحمّل ذات المسؤولية التي تتحملها المرجعية في المجتمع .
فمن المرتكزات العامة في المجتمعات المؤمنة ، أن الناس يحمّلون الوكيل أو المعتمد جميع مسؤوليات المرجعية ، بمجرد أن يعلموا بأنه يحمل منها اعتماداً أو وكالة .
وأقول : ((الناس يحمّلون)) لأن نفس الوكالات أو الاعتمادات التي تصدر من المراجع ، إنما ترد عادة في أمور محددة معروفة ، وتنصبّ –بمجملها- على استلام الحق الشرعي من المؤمنين ، وصرفها في مواردها المقررة ، وعلى إيصال بعض رؤى المرجعية إلى أبنائها في أمور خاصة أو عامة ، وأشباه ذلك من المهمات المتعارفة في اعتمادات المراجع ووكالاتهم ، دون قضايا أخرى ، حتى تلك الوظائف المعهودة لرجال الدين وتصرفاتهم في المجتمع ، فهذه الأمور إنما يقومون بها من خلال وظائفهم الشرعية الأولية ، وما ألزموا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأشباه ذلك .
إلا أن الناس عادة ما يعطون –وبارتكازهم العرفي العام- لهذه الوكالة والاعتماد دوراً أوسع من تلك الحدود التي تعارفت المرجعيات على تحديدها لوكلائها ومعتمديها في المجتمع ، شاء المعنيون ذلك أم أبوا ، ولهذا كان على الجميع أن يأخذ هذه السعة باعتباره ، وإلا تحقق الخلل من حيث لا يريد أولئك المعنيون .
وهكذا اعتبر عامة الناس الوكيل أو المعتمد لسان المرجعية في المجتمع في كل ما يقول ، واعتقدوا أنه إنما يمثلها في كل ما يفعل ، وما يأتيه من تصرفات ، وعليها احتسبوا كل ما يصدر عنه من كلمات ، وكل ما يقوم به من أعمال ، مما جعل لهذا الاعتبار نوعاً من الارتكاز العام في علاقة المجتمع بالمرجعية نفسها وبوكلائها ، وإن أصرت المرجعية في تأكيداتها المتكررة على ضرورة عدم احتساب شيء مما يصدر من وكلائها ومعتمديها عليها نفسها ، ما لم يرد فيه توقيع من المرجع نفسه ، أو يصدر من مكتبه الخاص ..
وساعد على هذه التوسعة -في نظر المجتمع- تجاه مهمات الوكلاء والمعتمدين :
أولاً : تدخّل الإعلام القاصر عن فهم العلاقة الحقيقية بين المرجعية والوكلاء ، وملاحظته السطحية لسلك الحوزويين ، واعتباره كياناً واحداً ، يُحكَم بكل تصرف يصدر من أي فرد ينتسب إليه ، دون تمييز بين طبيعة هذا الانتساب ودرجاته ، رغم التباين الواضح بين الاتجاهات والمواقع الحوزوية ..
ثانياً : تدخّل ذوي الأهداف والمصالح ، الذين يجيدون التصيد بالماء العكر .
ومن الطبيعي أن يقوم هؤلاء بالتشويش وإرباك الأمور ، لأنه يعتبر من أولوياتهم التي يسعون إليها في علاقتهم بالدين وذويه ، ولاسيما حين يشعرون أن ذلك التشويش والإرباك مما يخدم مصالحهم .
ولا ريب أن هذه التوسعة وراء حدود ما تريده المرجعية من علاقتها بوكلائها ومعتمديها ، وما يتأتى نتيجة ذلك من إرباك في الرؤية والتقدير ، وتداخل في المواقع والمهمات ، من أفضل مكامن التشويش التي يمكنهم استخدامها في تحقيق ما يسعون إليه في هذا المجال ، ولاسيما مع ما يعلمونه من واقع بعض المعتمدين والوكلاء من الرغبة في البروز ، وتجاوز المواقع الممكنة لطاقاتهم في خدمة الدين والمجتمع ، وقصورهم أو تقصيرهم تجاه الوظائف المقررة لهم .
ثالثاً : تباين ما بين بساطة المجتمع ونظرة المرجعية للأمور .
فتلك البساطة متأصلة فعلاً في نظرة المجتمع ، ولا يتجاوزها حتى من يحتسب على المرجعية منهم ، في حين أن المرجعية ترى أن تعالي أبنائها المؤمنين على هذه البساطة أمر بديهي لا ينبغي لها الاهتمام به ، أو الوقوف عنده ، كما ترى أن الحدود التي تفصل بين موقع المرجعية وغيره من الضرورات التي يدركها كل ذي عينين .
وإلى هذا التباين ، وإلى افتقاد الرؤية الواضحة لدى معظم الناس فيه ، حتى لدى الكثير من الوكلاء والمعتمدين ، يعزى كثير من الخلل المشهود في الساحة الاجتماعية الإيمانية ، مما هيأ للمنحرفين وأعداء الإسلام والتشيع استخدامه لتحقيق مآربهم الخبيثة ، حتى بدأ يؤثر على علاقة الأمة بمرجعيتها ، وبدينها ومذهبها الحق ، حيث سهل عليهم التشويش على كلمة المرجعية ، وتوهين صلة المؤمنين بها ، ولو في بعض الجوانب ، وإرباك خطواتهم ، وخصوصا في المنعطفات الاجتماعية والسياسية المصيرية ، حيث يفترض أن لا يمضي المؤمنون فيها إلا عن بصير ة ، وإلا عن هدى رباني واضح ، وإلا عن وحدة جامعة ، تحقق استقامة المجتمع المؤمن وكماله ، وتفرض حجة الله ، وسمو كلمته على كل ذي عينين ، ولاسيما في القضايا التي رأت المرجعية التدخل فيها ، لما لها من أهمية وتأثير مباشر على حياة الأمة ، ومساراتها في حقبة من حقب الزمن .
ولا ريب أن هذه القضية المهمة ، وما يتأتى عنها من توابع ، تفرض على الوكيل أو المعتمد أن يتقيد في كلماته ومواقفه وتصرفاته بخصوص انتمائه للمرجعية في توجهاتها العامة ، والتعامل مع الأمور من خلال ما تراه المرجعية في علاقاتها مع الأحداث ، وفي حدود هذه العلاقات ومنعطفاتها ، وأن يأخذ هذه التوجهات أركانا أساسية في كل ما يصدر منه ، حتى ضمن علاقاته الخاصة ، لئلا يوقع إخوته وأبناءه في المجتمع بشيء من الارتباك والاختلاف ، والضبابية في رؤية القضايا والأمور .
ولا يعني هذا التقيد أن يصبح الوكيل امّعة في المجتمع ، فيحدد علاقاته مع أبنائه ومريديه في خصوص ما تعنيه المرجعية في وكالتها أو اعتمادها ، من استلام الحق الشرعي والتصرف فيه خاصة ، أو مع إضافة بعض الولايات الجزئية الأخرى ، ثم يترك ما تفرضه عليه وظائفه الكبرى التي تعنيها مهمات رجل الدين في المجتمع ، وإنما يعني ضرورة أن يتبصّر تلك التوجهات العامة للمرجعية ، ويتفهّم ما تعنيه من علاقات تحدد على أساسها مسؤولياتها الاجتماعية العامة ، ويتدبر طرائقها في وفائها بتلك المسؤوليات ، وملاحظاتها لضرورات المجتمع ورسالته وعلاقاته ، في زمانه ومكانه ، وظروفه السياسية والاجتماعية وغيرها ، وموقع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في مجتمعاتهم .. وهكذا ، لتصبح كلماته -من ثم- ومواقفه وتصرفاته منسجمة -قدر الإمكان- مع الروح التي تعنيها تلك التوجهات في مجتمعه الذي يعيش فيه .
** ** **
المهمة الثامنة : على الوكيل والمعتمد أن يعلم –وهو ينتظم في سلك وكلاء المرجعية ومعتمديها في أفق من الآفاق ، ويبني شخصيته من خلال هذا الانتظام- أن المرجعية أفق إسلامي رفيع ، شاء الله (تعالى) أن يوحد به سلك أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، كما أخذ هذا التوحيد في مسؤولية كل من ينتسب إلى هذا الخط العتيد ، بدءً ممن ينتسب إلى المرجعية ذاتها ، وانتهاء بكل من يستظل بظلها .
فالمرجعية –في حقيقتها- أصل واحد ، يمتد في إشراقته وروحه وعطائه إلى كل فرع يتصل به ، وينتمي إليه بشكل من أشكال الانتماء كالاعتماد والوكالة وغيرهما ، وإن تعددت هذه الفروع التي تنهل منه تلك الروح وذلك العطاء .
وفي مقابل هذا فإن لكل فرع من تلك الفروع دوره المناسب في إقامة ذلك الكيان الموحد ، وتوفية حاجاته ، إذ العلاقة في هذه الجوانب غالباً ما تكون ذات طبيعة حيوية متبادلة الضرورة والمدد ، مما يعني أنه ليس من مصلحة أحد يحتل موقعاً في هذا الكيان أن يقتطع نفسه عنه ، كما أن ليس من حق أحد أن يقتطع الآخرين عنه ، إلا ذلك الأصل الأول فيه ، حيث تستبين له ضرورة تستوجب مثل ذلك الاقتطاع .
وهكذا كان على الوكيل أو المعتمد اعتبار كيان المرجعية -بما له من امتدادات في الوكلاء والمعتمدين- جزءاً مقوماً لوجوده وشخصيته ، وعليه أن يعطي لهذه الصلة أهميتها المناسبة ما دام ينتسب لهذا الكيان ، ليستمد منها حيويته وفاعليته في أداء رسالته .
فلا بد أن يأخذ وحدة الخط المرجعي -بما يحويه من مراجع اعترف لهم بالأهلية لإشغاله- أصلاً من أصول علاقته بهذا الموقع الرفيع .
ولا بد له –وراء تلك الوحدة- من أن يتوحد بذاته مع إخوته في طريق العمل الإسلامي ، ولا بد له من ديمومة اللقاءات والتشاور معهم ، والتنسيق المستمر معهم في مجالات العمل ، وتكامل الخطوات ، وتكاتف الجهود والفعاليات ، حين يروم النجاح في مهماته ، إذ لا يمكن لهذا الكيان العتيد كله أن ينهض بأعباء الذود عن حياض الإسلام ، وبمستلزمات التربية الاجتماعية السليمة ، وتوحيد المجتمع المؤمن ، وتقويم مسيرته في طريق الله (تعالى) دون ذلك التنسيق والتكامل ، وما يعتمده من وحدة في الخطى والجهود ، تتجلى فيها التضحيات ، واستبعاد الأنانيات ، والصدق والإخلاص ، بشكل تتبينه جميع البصائر المحيطة بهذا السلك المبارك ، لتكون عدالة الوكلاء والمعتمدين هي الضامنة لكل هذه الشرائط ، كما يضمنها –قبل هذا- صفاء المنبع المرجعي ، الذي تستقي منه كل وكالة وكل اعتماد .
وهذه النقطة تعتبر أحد الفوارق المهمة ما بين السلك الحوزوي وغيره من الشرائح الأخرى ، حتى الدينية منها فضلاً عن الشرائح الاجتماعية والسياسية وغيرها ، إذ هي -في الغالب- لا تعير لذلك الصفاء والعدالة نفس الأهمية ما دامت تستطيع تحقيق مآربها بدونهما .
هذا وللحديث في هذه المهمة تتمة نسأل الله (تعالى) أن يوفقنا إليها في الحديث عن طرائق العمل لدى الوكلاء والمعتمدين –إن شاء الله- .
** ** **
المهمة التاسعة : أن يبني الوكيل أو المعتمد حتى وظائفه العامة التي فرضت عليه كرجل دين في المجتمع المسلم ، على أسس واضحة من الارتباط بذلك السلك المرجعي الموحد .
فقد سبق أن بينا -في التوطئة- أن وظائف رجل الدين -في رسالته الأولى في المجتمع-، لا تتحدد بخصوص ما تعنيه وكالته عن المرجعية ، أو اعتمادها إياه ضمن حدودهما الخاصة فحسب ، وإنما هي -قبل ذلك- تعني كل ما أخذه الإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) في قيادة الأمة المؤمنة في طريق الله (سبحانه) ، وإقامة حجته على العباد ، على أن يكون هو القدوة التربوية والأخلاقية المشهودة لأبنائه ومريديه ، حيث تتجسد فيه مُثُل الإسلام وقيمُه وحقائقه في أنصع صورها ، لتبرز به عظمة نظمه الأخلاقية والتشريعية .
ولأهمية دور المرجعية في كيان الأمة المؤمنة ، عليه أن لا ينأى - في أي من خطواته العملية في تلك الوظائف التي يقوم بها- عن ذلك الأفق ، وأن يخضع جميع مساراته لتوجهاته العامة ، ليضمن وحدة الخط الإسلامي العام ، والقوة والوضوح في رؤى أبناء المجتمع ، ولاسيما في ظروف تحاول الأيدي الغريبة أن تمتد في تشويشها وتوهينها لقوة المجتمع المؤمن في كل اتجاه ..
** ** **
المهمة العاشرة : التزام الموضوعية في تقدير جميع مفاصل العلاقات سواء مع مقام المرجعية ، أم مع المجتمع ، أم مع الرسالة التي يؤديها فيه ، وديمومة التنبه لكل ركن من أركان مسؤولياته في تلك العلاقة ، والسعي الدائب للتكامل والتطور في الوفاء بهذه المسؤوليات كافة ، مع دراسة مستمرة لجميع مكامن القوة والضعف في شخصيته ، وفي طبيعة أدائه لمهماته ، واستجابته لرؤى المرجعية في المجالات التي هي محل ابتلائه ، والاستفادة مما يحدث من سلبيات أو إيجابيات خطواته أو خطوات الآخرين من إخوته في الطريق في العمل ، قبل رفد ذاته بكل المؤهلات التي تمكنه من التطور والتكامل دون خلل أو ارتباك ، ثم استبعاد ما لا بد من استبعاده ، وتطوير ما ينبغي تطويره ، والتأكيد على ما لا بد من التأكيد عليه ، مع السعي لاكتشاف ما يفترض معرفته من شؤون تلك العلاقة ، وضرورات الوفاء بمسؤولياتها ، دون أدنى إقصاء أو إغضاء لأي شأن أو طارئ ، فبدون هذا التكامل والتسامي المستمرين لا يمكن لا للوكيل ولا للمجتمع ، بل ولا للخط المرجعي كله أن يؤدي مهماته بالمستوى الذي يقود به ركب الحياة .
ونعود هنا إلى التأكيد على ما بدأنا بالإشارة إليه في بداية هذه المهمات ، من أن جميع هذه القضايا -التي عبرنا عنها بالمهمات-، لا تؤتي ثمارها المرجوة دون أن تصبح أركاناً فعالة في شخصية من ينتسب إلى المرجعية بوكالة أو اعتماد ، وطابعا ذاتياً في مقوّماتها ، إذ التطبع وحده أبعد من أن يؤدي إلى نتيجة في موقع ديني ذي أهمية كهذا الموقع القيادي الكبير ، على أن لا يقطع من يشغله نظره عن الرفد الأكبر للنجاح في مثل هذه المهمات ، وهو توفيق الله وهداه ورعايته لمن ضمن نصرته ، والجهاد فيه .
"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ." .
"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ..0