من ثوابت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن الركائز الأساسية التي يعتمدها في عصر الغيبة ، فتحه باب الفقاهة والاجتهاد ، فجعل من حق كل أحد يبلغ القدرة على استيعاب ما شرطه في فهم أدلته الشرعية والتعامل معها ، بل ومن واجبه أن لا يخضع في فهمه لهذه الأدلة ، ولا في استنباطه للحكم الشرعي منها ، إلا لما ترشده إليه الموازين التي رسمتها له الحجة الإلهية ، وسنّه له أهل بيت العصمة (عليهم السلام) ، مباشرة ودون أدنى واسطة ، وإن كانت هذه الواسطة التي اعتمدها واحدا من عظام الفقهاء الأبدال ، الذين سلّمت إليهم قيادة الفقه والعلم الديني في زمن من الأزمنة . كما أنه أمر أبناءه ، بأن يصبح هذا المبدأ بعض الأسس الأولى لعلقتهم به ، ومن التوجهات العامة لتربيتهم ، ليكونوا في تواصل دائم مع دين الله القويم في كل آن ، وفي كل أمر يستجد في حياتهم ، فيرتبطوا بأولئك الفقهاء –وفق شرائط خاصة-كمراجع لهم في قضاياهم الدينية ، حيث يكفلون لهم الرؤية السليمة لأحكام الله (تعالى) ، ويضمنون لهم سلامة الانتهاج في طريقه ، سواء على مستوى التقليد ، أم على مستوى الحكومة الشرعية ، وما يتأتى فيها من بلورة الحقوق العامة أو الخاصة وتمييز مهمات الأفراد والجماعات . وهذا يعني -فيما يعنيه- أن تعدد الفقهاء والمرجعيات الدينية في كل زمن من هذه الأزمنة أمر طبيعي ، لا ريب في ثبوته ، ولا مناقشة في مشروعيته ، ويجب التسليم به والانقياد إليه ، بكل ما يستوجبه من اختلاف في رؤى أولئك الفقهاء تجاه القضايا التي يمكنهم التدخل فيها ، أو اختلاف في طبيعة هذا التدخل ، حيث لا يكلف الفقيه بغير رؤيته الخاصة التي يعتمد فيها على الأدلة المقررة له ، حتى الوصول من خلالها إلى الحكم الشرعي المطلوب . وهكذا ؛ فقد أصبح فتح باب الاجتهاد : أولاً : من عوامل خلود مذهب الحق غضاً نقياً ، متجدد العطاء مع الأجيال ، دائم الوفاء بحاجة البشرية من هدى الله العظيم في كل عصر ، رغم التطور الذي تشهده الحضارات الإنسانية ، واختلاف التوجهات الفكرية ، واتساع دائرة الحياة ، وما يستوجبه هذا الاتساع من تنام في حاجة العصور إلى الحكم الشرعي . ثانياً : من العوامل الأساسية في وحدة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ووضوح معالم الحق فيه ، حيث بقي المذهب الوحيد الذي لم يتأثر في ثوابته الأولى ، ومصادر تشريعه ، وطرائق استنباط أحكامه ، عما عهدته الأجيال لأتباعه البررة ، حيث أشرف أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم على كل بادرة منهم في هذا السبيل . ثالثاً : من العوامل الأساسية في فرز الحجة الإلهية اللامتناهية العطاء والإعجاز في كلمة الله عزوجل، وكلمات الرسول (ص) وأهل بيته المطهرين (عليهم السلام) ، عما يمكن أن يبلغه الجهد الإنساني المحدود في فهم تلك الكلمة ، وإن صدر من عظام العلماء ، وذوي العقول الخلاقة من بني الإنسان . رابعاَ : من أوضح معجزات التشريع الإسلامي المتجددة فيه على مر العصور ، حيث تنتهي إليه حجته في مجالات الأحكام ، والتعامل مع أدلتها ، لأنها الأساس الذي تحتاجها الأجيال الإنسانية في علاقتها بدينها الحنيف ، وبأحكام شريعته الغراء ، حتى تسلم زمام أمرها إلى الإمام المعصوم (ع) ، الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا . ** ** ** أما الوظائف التي أوكلت لهذا الموقع الإسلامي العظيم ، فهي -بالإضافة إلى تأكيد المهمات السابقة التي رسمت لرجل الدين ، واعتبار هذا الموقع هو القمة في الوفاء بها جميعاً ، بل القطب الذي يوحد الجهود التي تبذلها الدرجات الدنيا كافة ، وينسقها في الطريق السليم ، والروح التي تمدها جميعاً بالهدى والنور-، ثلاثة أمور مهمة عليها تتمحور حياة الأمة المؤمنة في عصر الغيبة ، هي : أولاً : انتهال الأحكام الشرعية من معين أدلتها المرسومة في تراث العصمة ، ودلائل الحجة الإلهية مباشرة ، وبيانها إلى الأمة ، وفق حاجاتها المتجددة مع الأيام ، ليكون بدوره مورد تقليد الأمة واتباعها . ثانياً : ملء موقع الحكومة بين أجيال الإيمان بالحق الذي شرعه الله (تعالى) ، حيث حرم عليها الرجوع إلى قضاة الجور . ثالثاً : الولاية على المجريات العامة لحياتهم ، والإشراف على تنظيم أمورهم ، وبلورة حقوق كل منهم ، وواجباته تجاه مجتمعه ، وتجاه علائقه وأمواله ، مع ملاحظة اختلاف الفقهاء في حدود هذه الولاية . على أن هذه الولاية -وهي في أضيق حدودها- من الأهمية ، وسعة الآثار بدرجة تحيط بجوانب واسعة من حياة الأمة ، لتقوم عليها صحة كثير من أعمال كل فرد من أبناء المجتمع ، كالتصرف في الأموال العامة ، والمجهولة المالك ، وتنظيم مصارف الحقوق الشرعية ، والصدقات ، وتمييز الحقوق المالية والاجتماعية ، وغير ذلك ، وهي -كما نرى- أمور لا يستهان بأهميتها في مسارات الحياة ، بل ولا غنى لأي فرد من أبناء المجتمع المسلم عنها ، وخصوصا بعد أن تداخلت الحقوق ، وتعقدت الحياة الاجتماعية ، بهذا الشكل الذي تجري عليه المجتمعات الإنسانية في هذه العصور . ولأهمية موقع المرجعية في حياة الأمة ، فقد وضع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) موازينه الدقيقة لتمييز الحقائق فيه ، وفي من ينتسب إليه ، كما فرض مسؤوليات كبرى على أبنائه تجاهه . وتتضاعف أهمية تلك الموازين ، وهذه المسؤوليات في ظروف تشوشت فيها الأمور ، واتسعت فيها دائرة الدعاوى ، كالظروف التي نعيشها هذه الأيام ، وذلك لأسباب منها : 1- محاولات تدخل وسائل الإعلام المعادي للتعتيم على معالم الحق في هذا الموقع العتيد ، وإشاعة الضبابية القاتمة بين أبناء المجتمع حوله ، أو حتى فرض مدّعيات بعيدة كل البعد عن استيفائها لمستلزمات هذا المنصب الرباني العظيم . 2 – تنامي ظروف الصراع بين الحق والباطل ، واتساع أبعادها ، وتعمق جذورها حتى بلغت الركائز الأولى لوحدة المجتمع المؤمن ، مما جعل كلمة الحق -في كثير من الأحيان- أبعد وأدق من أن يستطيع رجل الدين قولها أو بيانها في المجتمع دون تأثير قد لا يقل –في سلبياته- عن الغض عنها .. 3 - اتضاح أهمية المرجعية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وعظمة تأثيرها في قيادة مسيرة المجتمع المؤمن ، مما جعل هذا الموقع أول أهداف الباطل في صراعه مع هذا المذهب ، كما جعله أبرز مطامع كثير من القاصرين ، دون التفات إلى طبيعة العناية الربانية الخاصة بهذا المنصب ، والتوفيقات المباشرة التي تمدّ بها المؤهلين الحقيقيين لإشغاله ، وحماة شأنه ، مقابل الأخذ الشديد للمتلاعبين باسمه ، أو المتصدين -لا عن حق- في إدعائه . 4 - اتضاح الأبعاد العالمية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كمنقذ وحيد للبشرية في مسار تكاملها ، وتخليصها من شراك الانحراف والسقوط ، مع اتضاح دور المرجعية الرائد في تحقيق هذه الأبعاد ، مما استقطب المزيد من ألوان الصراع التي لم يسبق لها نظير . وكل هذا مما يفرض على جميع المؤمنين الانتباه الشديد لخطورة الموضوع ، وضرورة الاتباع الكامل لدلائل الحجة الإلهية فيه بوعي وتبصر ، يكفلان لهم الاستقامة الدينية في علاقتهم مع هذا الموقع العتيد ، واتنهال أحكامهم منه . وتتضاعف هذه المسؤوليات في حق رجل الدين ، بحكم موقعه في المجتمع المؤمن ، وبحكم دوره الريادي فيه ، حيث يفرض عليه هذا الموقع أن يكون استيعابه لتلك الدلائل بدرجة تمكّنه من الرؤية السليمة لموقع المرجعية ، وتوفر جميع شرائطه المطلوبة ، قبل أن يطرح أي رؤية له أمام الآخرين ، أو يبني علقة له مع أي من المراجع ، فكل كلمة تصدر منه قد تصبح سنة يقتدى يها . أما حين ينال هذا الرجل اعتماد المرجعية ، أو وكالتها في المجتمع المؤمن ، فطبيعي أن يصبح محوراً مباشراً لمسؤوليات كبرى إضافية يستوجبها قربه هذا من موقع المرجعية ، مما يعني أن لهذه العلقة المباركة مسؤولياتها الإضافية وراء مسؤولية الانتساب إلى سلك الحوزة العلمية ، أو الإضافة إلى الدين ، وما يعنيه من تهيؤ للتبليغ الإسلامي ، والسعي لإقامة أمر الله في المجتمع ، حيث يصبح باباً للتواصل بينها وبينه ، وطريقاً لكفاية حاجاته من الشؤون التي لا يكتسبها إلا من خلال صلته بمرجعيته ، سواء على مستوى بيان الأحكام الشرعية ، أم على مستوى الحكم بين المؤمنين ، أم غير ذلك . |