من القضايا المهمة التي تستتبع الحقيقة السابقة ، والتي فرضت نفسها على الساحة الاجتماعية العامة ، وأوجبت على رجال الدين والوكلاء كافة أن يأخذوها في أوليات اهتماماتهم ، ولاسيما في العصور المتأخرة التي تعقدت فيها الحياة ، واستبانت أهمية الارتباط بالمرجعية فيها ، مسألة ولاية الفقيه ، وما تعنيه من انعكاسات على الواقع الاجتماعي لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) . ومع أن هذه المسألة ليست وليدة العصر الحاضر ، وليست الوحيدة في اختلاف ما بين الفقهاء من رؤى ، إلا أن نزول هذا الاختلاف إلى الساحة الاجتماعية والسياسية والإعلامية ، أخرج الحديث فيها –غالباً- عن إطاره الموضوعي الشرعي ، وجعله منفذاً لتدخل من لا يملك الحديث فيه من غير الاختصاصيين ، بل وجعله مكمناً لتطاول المتطاولين على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، أو استغلال المستغلين ، مما جعل التعرض للموضوع –وراء ما تذكره كتب الاختصاص الفقهي- من الدقة والحساسية بدرجة قد تصبح مجالاً لإثارة الفرقة بين أبناء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) . ومعلوم أن هذا التقرير لا يعنى بهذا الموضوع ، إذ هو من شأن الفقهاء ، وعلى كل مكلف أن يرجع إلى مقلده فيه ، إلا أننا –ونحن نتعرض إلى مسؤولية رجل الدين في المجتمع- لا بد لنا من استحضار بعض النقاط التي لها صلة مباشرة بتلك المسؤولية : النقطة الأولى : إن اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إنما هو في موضوع سعة ولاية الفقيه وضيقها ، بعد اتفاقهم جميعا على وجود هذه الولاية في نفسها ، ووجود حدود معينه لها ، تبعاً لما يعنيه الدليل المقرر لدى كل منهم ، وليس شيئاً آخر ، وفي هذا الإطار وحده يجب أن توضع هذه المسألة لا في مجالات أخرى سواها . وهكذا فما يراه فقيه من الفقهاء أنه من شؤون ولايته التي يجب عليه التصدي لها ، ويتخذ فيها قراره وفق متطلبات الحالة الخاصة ، لا يراه فقيه آخر أنه من شؤون الولاية ، ووظيفة الفقيه فيه لا تعدو وظيفة أي مكلف يطلع على موضوع حكم شرعي ، ليمتثله هو ومن يستنصحه في هذا المجال . ولهذا فما يقدمه من رؤية خاصة يرد ضمن مجال تشخيصه للمصلحة التي استطاع تشخيصيها ، لسبب من الأسباب ، ليضع كلاً من المؤمنين أمام مسؤولياته المباشرة في إطار امتثاله للحكم الشرعي الذي يجب عليه اتباعه في تلك المسألة . النقطة الثانية : إن عدم انضواء بعض المهام والأعمال -خصوصا ذات الطبيعة العامة منها- تحت موضوع ولاية الفقيه ، لدى بعض الفقهاء أو حتى جميعهم ، لا يعني خروجها أبداً عن دائرة الحكم الشرعي -كما قد يتصوره البعض– ، نعم ؛ السؤال هو : كيف ؟، وما نوع الوظيفة التي يجب أن تتبع فيه حينئذ ؟ . وزاد من أهمية هذا السؤال : ما تعيشه الأمة من ضبابية تشوش عليها فهم الأسس التي تعتمدها مسؤولية المؤمن في القضايا العامة ، وموقع المرجعية والفقهاء منها ، في الوقت الذي لا يرى مقلدو فقيه معين أن مقلدهم يرى شمول ولاية الفقيه لها ، بل وقد مني الكثير من رجال الدين بما منيت به العامة من الناس جراء هذه الضبابية ، ليقعوا في نفس الخلل الذي وقع فيه الآخرون ، فارتبكت الخطى ، وتفاوتت النظرات من حيث لا ينبغي لها أن ترتبك أو تتفاوت . وما يمكن اعتماده في الإجابة عن هذا السؤال : أ : عموم الأحكام الإسلامية : فمن الأوليات الواضحة في الإسلام عموم أحكامه لحياة الإنسان كافة ، وأن لله في كل واقعة حكما ، يصيبه من أصابه ، ويخطئه من أخطأه ، كما في تعبير بعض الروايات التي وردت في بيان هذه الحقيقة . وعن الإمام أبي الحسن الرضا (ع) ، انه قال -من حديث طويل له في هذا المضمون:- (إن الله لم يقبض نبيه حتى أكمل له الدين ، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء ، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتـاج إليه الناس كملاً ، فقال (عز وجل) : )مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ( .).. إلى أن يقول (ع) : (وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة ، إلاّ بيّنه ، فمن زعم أنّ الله لم يكمل دينه ، فقد ردّ كتاب الله ، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر به) . وهذا العموم كما يشمل وظيفة المؤمن في القضايا الشخصية ، التي جرت عليها عبادات الفرد ومعاملاته الخاصة ، يشمل كذلك وظيفة المؤمن في القضايا العامة ، وإقامة أمر الله فيها ، حيث تعنيه مسؤوليته في بناء حياته الاجتماعية ، وإقامة أمر الله (تعالى) فيها ، وحيث يعنيه الدفاع عن عزة الإسلام وكرامة المؤمنين .. ب : ولاية الإيمان : أو ما يسمى بالاصطلاح الفقهي بـ (ولاية عدول المؤمنين) . فالإسلام قد جعل هذه الولاية المبدأ الأول لكثير من تلك الوظائف الشرعية ، ولاسيما ذات الطابع الاجتماعي منها ، فالشريعة المقدسة حين جعلت مثل هذه الولاية هي الحاكمة في العلاقة ما بين المؤمنين ، فهي تعني أنها جعلت لكل مؤمن عادل دوراً مباشراً في حياة المجتمع المؤمن ، وشرّعت له سلطنة عليه في التصرف ، حيث لا بد من وجود مثل هذه السلطنة ، دون أن تسمح بها لطرف آخر من غير ذوي الإيمان . بمعنى أن على كل مؤمن أن يلي من أمر المجتمع المسلم ما تسعفه به طاقاته وكفاءاته ، دون أي تهاون أو تقصير يسمح بتحقق أي خلل يرد من أي جهة يستطيع تداركها ، إذ أن هذه الولاية لا تتحدد في أفق معين ، ولا في موقع خاص ، ولا في صنف من الناس ، وإنما هي عامة تعتمد العلاقة المبدئية للمؤمن بدينه الحق . وموضوع هذه الولاية هو حاجة المجتمع المؤمن –من الجهة الأولى-، وقدرة المكلف على سداد هذه الحاجة –من الجهة الثانية- ، أما غايتها فهي انتظام أمور المجتمع ، واستقامته في طريق الله (تعالى) ، ليحاسب كل فرد فيه بمقدار ما يملكه من طاقات وكفاءات ، وما يتوجه إليه من تكليف . وهكذا أصبحت هذه الولاية أساساً لجميع الواجبات الكفائية التي يقررها الفقهاء ، حيث يجب على عامة المكلفين سداد حاجاتهم في كل ما تعتمده حياتهم ، وتوفير ضروراتهم المشروعة دون أي استثناء ، لتتطور هذه الواجبات وتتسع التكاليف بها مع توسع جوانب الحياة وتطورها ، وحيث أراد الله (تعالى) لعزة الإيمان وكرامة المؤمنين . أما ما يذكره الفقهاء من تكاليف كفائية في مجال بعض الصناعات والحرف والعلوم والإرشاد والتعليم ، وغيرها من الوظائف التي يحتاجها المجتمع ، فهي لا تعدو أمثلة ومصاديق لهذه الولاية التي تشمل بأحكامها سداد كل فاقة اجتماعية مشروعة عني بها الإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) . وبهذه الولاية حدد الإسلام لكل فرد من أبنائه وظيفته وموقعه في المجتمع من خلال ما تفرضه عليه الحاجة العامة ، وضرورات التكامل الاجتماعي ، وانتظام المجتمع المؤمن في طريق الله (تعالى) ، فلا خلل ، ولا نقص ، ولا تفاوت . وهكذا فإن سعة ولاية الفقيه للأمور الاجتماعية أو ضيقها لا يؤثر على مسار الحياة الاجتماعية الإسلامية ، ولا في توجه التكليف الشرعي للمؤمنين في إشغال الوظائف التي يحتاجها المجتمع ، أو الإعداد لها تربويا وعلمياً وقوة وانتظاماً ، وغير ذلك ، إذ أن كل تلك الوظائف واجبة بالأساس وبالتكليف الأولي للمسلم ، وإن لم يقل أحد من الفقهاء بولاية الفقيه فيها . فكل أبناء المجتمع المسلم مكلفون بالالتزام بتلك الأحكام ، وبسداد حاجتهم فيها ، ولا يسقط تكليفهم بها ، ولا يعذّرون عنها ، إلا مع عجزهم عنها ، وبشرط أن لا يكونوا هم الذين يوقعون أنفسهم بهذا العجز ، بسبب تقصيرهم أو تهاونهم ، أو انحرافهم عن طريق الله القويم ، إذ سيكون كل مقصر مسؤولاً عن تقصيره ، وبمقدار ما صدر عنه من تفريط . إلا أن هذا التعذير الإلهي في مجال الامتثال العملي ، لا يرد في مجال العقيدة بوحدة الكيان الإسلامي ، وتمام نور الله (تعالى) في كل ركن من أركانه ، والالتزام ببلاغ حجته فيه ، ففي هذا المجال لا يرتضي الله من المسلم إلا التسليم بتلك الوحدة ، والإيمان بكل تكليف يفرضه عليه دينه ، والعزم على امتثال هذا الحكم مع القدرة عليه ، والاستعانة بالله (تعالى) على هذا الامتثال . فبهذا التسليم يستبين للبصيرة خلل ما بين اعتقاد المكلفين والتزامهم وسلوكهم ، ويتضح حتى للمكلف نفسه -حين يمتثل الحكم الشرعي– طبيعة هذا الامتثال ، وما يستحقه من درجات المثوبة عند الله ، كما يتضح له –حين لا يمتثل ذلك الحكم– طبيعة هذا الخلل ، وما إذا كان تركه عن قصور أو تقصير ، ليرد بعدئذ مجال التعذير مع تحقق القصور ، أو الدركات التي يستحقها من عقاب الله ، وأليم عذابه مع التقصير والتفريط في أداء المهمة ، كما يتضح له لطف الله به على كل حال ، ورعايته المباشرة لدينه الحنيف في حالة استجابة الناس له ، أو تهاونهم عن أمره ، وحسب ما تجري به موازين المحاسبة الإلهية ، وما يستتبعها من مؤاخذة المعاندين ، أو التوبة على من شاء منهم . وعلى التزام المكلفين بعموم الأحكام الشرعية يتحقق دور كل منهم في إقامة المصالح الإسلامية العامة أو الخاصة ، سواء في مجال الفرد أو في مجال المجتمع ، أو التاريخ ، إذ أن للحياة العامة أطرافها المختلفة ، وآفاقها الواسعة ، ولكل منها حكمه الخاص ، ولكل منها مسؤوليته التي يجب على المؤمنين القيام بها ، والوفاء بمتطلباتها ، تماماً كما هو الشأن في الحياة الفردية الخاصة .. والتعذير الذي يستدعيه العجز عن القيام ببعض الوظائف لا يعني عدم وجود هذه الوظائف في أنفسها ، كما لا يعني التعذير عن الوظائف الممكن تحقيقها ، ولا عن المقدار الممكن لهم القيام به من الوظائف القابلة للنسبية والتجزئة ، كما لا يعني التعذير عن الوظائف التي أوقع المكلفون أنفسهم بالعجز عنها ، حيث سيؤاخذ المقصرون بتبعاتهم -ولا ريب- كل حسب دوره ، وكل حسب موقعه ، سواء قيل بولاية الفقيه فيها أم لم يقل ، إذ الحكم ناشئ من علاقة المسلم بدينه والتزامه بأحكامه ، وقبل أن يتوسط موقع المرجعية فيه . وهكذا يستبين -مع ملاحظة الحقيقة من أطرافها هذه-، أن تدخّل المرجعية في القضايا التي ترى أنها من شؤون ولايتها الخاصة أو العامة ، يعني أنها إنما تقوم بدورها في هذه الولاية ، وأن ما تصدره من رؤى وتوجيهات إنما هي أحكام شرعية اقتضتها هذه الولاية في حقها ، ويجب على المكلفين امتثالها ، حين يرون شمول هذه الولاية في حقهم -اجتهادا أو تقليدا- وكأي حكم شرعي آخر يتأتي من خلال هذه الولاية العامة أو الخاصة ، كل حسب رؤيته ، وكل حسب تكليفه الشرعي . أما تدخل المرجعية في القضايا التي لا ترى أنها من شؤون ولايتها ، فإنه يأتي في عداد الوظيفة الكبرى للمرجعية في الذود عن حياض الشريعة ، وتحمل أمانة الأمة المؤمنة ، والأخذ بيد أبنائها في طريق كمالهم المنشود ، ووحدة كيانهم المؤمن موحد الأواصر ، عزيزاً ثابت الخطى ، موفور الكرامة ، وهذا ما لاحظناه في وظيفة المرجعية في الأمة . ولهذا فما تصدره من رؤى وتوصيات –في هذا الحال- إنما هي الأضواء الهادية للأمة ، والتي صدرت من عين أمينة ، صافية الرؤية ، لتضع المؤمنين أمام مسؤولياتهم المباشرة في اتباع الحكم الشرعي الأولي ، الذي التزموه بحكم استمساكهم بكلمة التوحيد ، وإسلامهم أوجههم لله (تعالى) ، حتى دون توسط حكم للمرجعية في حياتهم ، لعموم أحكام الشريعة المقدسة في مجال تحقيق المصالح الفردية والاجتماعية ، ودرء المفاسد عن حياة الأمة ، واستقامة مسيرتها في طريق الله العظيم ، مما يعني ضرورة أخذ تلك الإصدارات أساسا لامتثال أنباء الإسلام لأحكامهم الشرعية في الموضوعات التي عرضت لها . إذن فتوصيات المرجعية في القضايا التي تقدم فيها رؤية معينة ، تضع المؤمنين -وعلى كلا الاحتمالين- أمام واحدة من ثلاث مسؤوليات : أولا : أمام مسؤولياتهم الشرعية التي تقتضيها ولاية الفقيه ، في القضايا التي تتسع لها هذه الولاية لدى ذلك الفقيه الذي قدمها ، ليجب عليه نفسه وعلى مقلديه ، بل وعلى من يتفق معه في حدود هذه الولاية اجتهادا أو تقليدا القيام بها ، والوفاء بمستلزماتها .. ثانياً : أمام مسؤولياتهم الشرعية التي تقتضيها ولاية الإيمان ، حيث يجب على كل منهم أن يلي من أمر أخيه المؤمن ، ومن أمر مجتمعه المسلم ما لا يتأتى الوفاء بضرورته إلا من خلال هذه الولاية ، والعمل بمتطلباتها . ثالثا : أمام مسؤوليات كل منهم تجاه دينه ، حيث أوجب الله على المسلمين إقامة حجته ، وحمل رايته ، والقيام بشؤون عزته ، وعزة المؤمنين ، وكرامتهم بين المجتمعات الإنسانية . وهذا ما يجب معرفته على كل مؤمن من مرجعيته الخاصة . |