الخط الثاني
التربية العقائدية للمجتمع |
لا تحتاج أهمية العقيدة في الدين أو المذهب –
أي دين واي مذهب – الى مزيد بيان فالعقيدة هي الأساس الذي يقوم
عليه كيانه، وهي الرصيد الذي تتبلور من خلاله فكره ونظرياته، وهي
المحور الذي تدور عليه مرتكزاته الأخرى وتستبين فيه مثله وقيمه
الكبرى.
ومن هنا كانت التربية العقائدية للمجتمع هي الأساس الأول الذي تقوم
عليه علاقة رجل الدين به حتى قبل الأسس الأخرى التي يردنا في هذا
التقرير بالرغم من أهميتها التي نعلمها، وكما كانت العقيدة، وضرورة
إطلاع رجل الدين على ما هو متداول في المجال الثقافي من المصادر
تعتبر المكون الأول في شخصية رجل الدين، ويجب ان تكون المحور الأول
في تربيته لذاته كذلك يجب أن تكون العقيدة هي الرصيد الأول والفعال
في تربيته للمجتمع الذي تحمل مسؤوليته ففيها تنطوي جميع الوظائف
العامة التي تتصور له في واقع المسلمين، لأن بناء العقيدة في هذا
الواقع يجب أن يشكل الهدف الأسمى الذي تقول عنده جميع الأهداف
المرحلية الرفيعة.
ومن الاعدادات التي يجب ان يستحضرها رجل الدين في هذه التربية
العقائدية للمجتمع اشعار المجتمع بأهمية العقيدة.
اولاً: ان يشعر أبناء المجتمع بأهمية العقيدة كأساس لتدينهم
وانتظامهم السليم في سلك مذهبهم المبارك، وان يبني هذا الشعور على
أسس واضحة تجعل الاهتمام بالعقيدة توجهاً اجتماعياً عاماً تتطلع
اليها مختلف الشرائح الاجتماعية الواعية، ومطمحاً لعقولها وبصائرها
لتصبح محوراً تتمحور عليه عواطفها.
وهذا هو النهج الذي اتبعه القرآن وأمر دعاته بإتباعه (قُلْ هَذِهِ
سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ
اتَّبَعَنِي).
ومع ان النهج الأكثر صعوبة على رجل الدين، الا انه الاكثر كفاءة في
تحقيق ما يصبو اليه من نتائج في مجتمع الإيمان، ولا سيما مع ملاحظة
ما يلي:
1- تصاعد المستويات الثقافية والتطور العلمي لدى أبناء المجتمع
المسلم، حيث لا تتجاوب اذهان الشرائح المثقفة العليا عادة الا لما
عهدته من نهج علمي استدلالي لا ستهانتها بالمناهج الاخرى التي
لاتأتيها عن هذا الطريق.
2- واقع الصراع المتنامي والمتطور بين الحق والباطل، وما بين
الإسلام وغيره من الأديان، وما بين مذهب أهل البيت والمذاهب
الأخرى، وهو كما نعلم صراع دائم وحساس وعميق، وبدأ يستخدم كل
الوسائل الحديثة للمعرفة والإعلام، ويستعين كل ما عهدته الاذهان من
سبل قد تصور الباطل حقاً، والحق باطلاً، اذ ليس الهدف في هذا
الصراع هو الوصول الى الحقيقة دائماً، بل تدخلت فيه مختلف الأغراض،
وتداخلت فيه جميع الرؤى والغايات النهائية والمرحلية، وما لم تتبع
واضحات السبل لا يمكن الوصول في المسير الى هدف، وليس هناك اوضح من
النهج العلمي المتبصر، وليس هناك أجلى من النتائج المقررة فيه، لكن
مضمون الوصول الى هذه النتائج وان طال المسير، وبعد المسرى، وصعب
النهج المتبع فيه.
3- تضاؤل الاهتمام بالمفاهيم والقيم الدينية فنتيجة الطغيان
المتوجه المادي العام في الحضارة القائمة، فالعواطف الدينية تتضاءل
يوماً بعد آخر، و............ المذهبي يضمحل تدريجياً، وما كان
حطاً احمر قبل عقود قليلة أصبح تجاوزه مستساغاً في الأيام الحاضرة،
وهكذا ولهذا فالإعتماد التربية الدينية على مجرد العواطف والتطلعات
الروحية يعني الحكم عليها بالعقم الذي تتحقق منه أي نتيجة، وحتى
لوتصورت هناك نتيجة الا انها تبقي دون المؤمل، ودون الثمار المرجوة
للجهود المبذولة، مما يعني ضرورة الاستناد الى التبصر الفكري
والنهج العلمي الصامد الوحيد في آثاره ونتائجه اما عوادي المادة
وعتو النهج المادي مع الزمن، نعم لا ينكر اهمية العاطفة في التعامل
مع الدين، ومع مقدساته وشعائره اذ هي لباب التوجهات الروحية التي
يعتمدها عنصر التدين لدى الإنسان، الا أن النهج القرآني بشكل عام
ونهج أهل البيت (ع) منه بشكل خاص يضع هذا البعد في موقعه الخاص من
التكامل الإنساني القائم على التبصر العقلي الرشيد لتصبح التوجه
العاطفي والجذب الروحي وغيرها في طول الوقت التبصر وتبعاً له في
الإلتزام والفاعلية، اذ هو شرط أساس لها ولا اعتبار لها بدونه كما
أشارت اليه الآية الكريمة التي سبقت، وكما تدل عليه احاديث العقل
في ترك أهل البيت (ع).
ثانياً: التأكيد على القضايا الاساسية التي يحتاجها الوسط
الإجتماعي العام من العقيدة دون الدخول في قضايا معمقة منها، لا
يفهمها الا الخاصة من الباحثين.
فمعروف ان للمفاهيم العقائدية درجات تبدأ من التصورات البسيطة التي
يدركها حتى الاميون من الناس ولا تنتهي الا حيث يكون التسليم بها
والاعتراف بالقصور عن استيعابها نوعاً من الرسوخ في العلم.
وهكذا كان على رجل الدين ان ينظر في مستوى المسائل التي يعرض
لبيانها وايضاحها للناس المستوى الاجتماعي العام في الفهم والادراك،
وطريقة الاستدلال وبيان الأدلة وغير ذلك، وان كان هو في نفسه أهلاً
للخوض في أعماق المسائل وكان في المجتمع فرد أو أفراد يمكنهم
متابعة الحديث في تلك الأعماق، لأن بلاغ الحجة لا يتأتى الا مع
وصول المفاهيم الى عقول المخاطبين، واستيعابهم لها.
نعم، حين يكون في المجتمع الذي يتعامل معه المعتمد أو الوكيل من
يحتاج الى تلك الدرجات العليا من المفاهيم العقائدية، وكان المعتمد
نفسه قادراً على تقديمها أمكنه فتح أبواب خاصة للعناية بهذه الطبقة
الرفية، اذ لا يجوز التقصير في حقها كما لا يجوز التقصير بحق
المستوى العامّ من الناس، بل وحق من وهو أدنى من هذا المستوى اذ
لابد من أن يقدم له ما يناسبه من المفاهيم وبالطريقة التي يستوعبها
ايضاً...
وهذا الاختلاف المشهود بين المستويات الاجتماعية في الفهم والثقافة
ومقتضياتها تفرض على رجل الدين ان يكون دقيقاً في التمييز بين
المستويات، حكيماً في اختيار ما يناسب كل مستوى، دائم المتابعة
لمدى نجاح او فشله في تطبيق المناسب على موارد ليؤكد على عوامل
النجاح بينما يتدارك عوامل الخلل قبل فوات الأوان.
ثالثاً: استخدام البيان الأمثل في طرح التصورات التي يراد تقديمها
للآخرين ولا ريب ان للبيان دوره الخاص في إيقاف الآخرين على
التصورات العقائدية وترابط ما بين الادلة ونتائجها، وانشداد
الآخرين اليها، حيث يطرد هذا الإنشداد عادة مع مدى اشراقة الكلمات
التي يعبر بها الملقي عن فكرته، فبالمقدار الذي يستطيع المتكلم جذب
انتباه الآخرين يمكنه الهيمنة على أفهامهم ومداركهم ومع ان البيان
القولي يشكل حجر الزاوية في أدوار رجل الدين لرسالته في المجتمع
غالباً الا أننا يجب ان لا نغمط الصور الأخرى من البيان وأهميتها
كذلك، ولا سيما في الوظائف العامة لرجل الدين.
فمن البيان الذي يحتاجه المجتمع الطرائق الكتابية المختلفة علمية
أو غيرها، ومن البيان التحلي ببعض الصفات العليا، اخلاقية
............... محاسنها على الآخرين من خلال الآثار الإيجابية
التي تنتهي اليها.
ومن البيان الاتيان ببعض الأفعال المعبرة عن الموقف تجاه أمر من
الامور، ومن البيان القيام بعمل ذي صبغة تعبيرية تلفت الآخرين الى
الفكرة المنشودة بل ومن البيان الصمت ولا سيما حين يكون هذا الصمت
اسرع في الدلالة على المقصود .. الى غير ذلك.
وكل هذه الصور البيانية وغيرها مما يحتاجه رجل الدين في أدائه
لوظيفته التربوية والتبليغية، وفيها جميعاً ورد الكثير من النصوص
التي يجدها المتتبع في مصادر الحديث وخصوصاً في أبواب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى رجل الدين ان يكون واسعاً في
إطلاعه على الامور دقيقاً في اختياره لطرائق البيان، حكيماً في
تطبيقه لكل طريقة في موردها الخاص مع استكمال شرائطها.
اما البيان القولي – ولأهميته الخاصة التي قدمناها لرجل الدين –
فإن عليه ان يستوعب كل ما يحتاجه في نطقه واستقامته مع قواعد اللفظ
الذي يعبر به واللغة التي يستعملها وخصوصاً اللغة العربية في
علومها المختلفة، ويتخذ الأهبة المناسبة له حتى قبل ان يستلم زمام
التبليغ في المجتمع إذ الخطأ في المهمة قد يعتبر خطيئة لا تغتفر له
لما أشرنا اليه في التقرير السابق من دقة موقف رجل الدين، وعظم
وظيفته في المجتمع.
أما كيف يستطيع رجل الدين ان يحدد المعالم العامة للبيان الذي
يحتاجه في أدائه لرسالته في المجتمع، فيمكنه ذلك اعتماداً على
تعريف علماء البيان للبلاغة ذاتها.
فقد عرّفوا البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع أخذ فصاحة
الكلام شرطاً في هذه المطابقة، فها هنا اربعة محاور يقتضيها هذا
التعريف ولكل منها حدوده وشرائطه:
المحور الأول: تحديد الفكرة التي يراد بيانها بشكل واضح وسليم مع
كل ما تحتاجه من أدلة أو آثار أو مستلزمات بحيث لا يبدأ المتكلم
بيانه الا وهو يعلم من أين يبدأ معها وإلى أين ينتهي ليمد لكل جانب
منها عدته دون قصوراً وتجاوز، ولا سيما مع حكم الظروف والوقت
المحدد للحديث فلا ينتهي الا مع استيعابه جميع جوانب الفكرة التي
يريد تقديمها، وبالمستوى البياني الذي يقدمها به.
المحور الثاني: التعرف على المستوى العام لذهنية المجتمع الذي
يتعامل معه، ومدى انسجامه مع الفكرة التي يريد تقديمها اليه،
ومستوى الصورة البيانية التي يحتاجها لإستيعابها دون تفاوت أو خلل،
والعوامل المساعدة لتحقيق هذا الإستيعاب.
المحور الثالث: اختيار الطرائق البيانية المثلى في التعبير
والجامعة لابعاد الفكرة المقصود بيانها وحاجة المجتمع وتوجهاته
الثقافية والدينية، مع الظروف العامة أو الخاصة التي لها مدخلية في
تلك التوجهات.
المحور الرابع: الأداء الأمثل للطرائق التي يختارها رجل الدين في
أداء وظيفته، الشكل الذي يستطيع به امتلاك الألبات وتوجهات
المخاطبين، ويشدهم الى الغاية التي يريدها من حيث يعلمون او من حيث
لا يعلمون.
وفي الحين الذي تحتاج فيه المحاورة الثلاثة الأولى الى احاطة علمية
وفنية مناسبة بموضوعاتها والى دقة في تقدير متطلباتها من البيان
والإيضاح يحتاج هذا المحور الرابع اضافة الى هذه الإحاطة والدقة
الى قدرة مناسبة لي التعبير البياني، والى هيمنة كاملة على ازمته
ليصبح حراً في اختيار ما يراه الانسب لإستجابة المستمعين مع كل
مرحلة من مراحل الحديث حتى يستكمل درجة البلاغ المطلوب.
وكما تحتاج الإحاطة العلمية والفنية في هذه المحاور الى اطلاع
ودراسة وتعمق في الموضوعات التي تعنيها نحتاج هذه القدرة البيانية
الى ممارسات دائبة لطرائق البيان حتى تبلغ لديه الى درجة الملكة
التي تمكنه من استعمال الفنون التعبيرية المختلفة التي يحتاجها،
كما تحتاج الى سرعة ودقة في فهم مدى انسجام المجتمع الذي يخاطبه مع
كل مرحلة من مراحل الحديث، لتدارك ما ينبغي تداركه بعد كل مرحلة
فيه، وحتى دون ان يشعر المخاطبين بأي خلل اوتفاوت ما بين خطوة
واخرى فيه.
وما دمنا نتحدث في هذه المحاور ينبغي ان لا نغض الطرف عن نقاط مهمة
تقتضيها بعض هذه المحاور في البيان العقائدي للدين – بشكل عام –
والبيان العقائدي للإسلام ولمذهب أهل البيت منه بالخصوص.
الفكرة الفاعلة:
النقطة الأولى: من ضروريات الفكرة العقائدية الدينية انها كما
ترتبط في أصواب بالعقل ودلالاية او بالواقع الموضوعي القائم
لتستقيم – من ثم – مع جوانب المعرفة الانسانية ترتبط في نتائجها
واهدافها مع حياة الانسان وصياغة علاقاته وجوانب سلوكه المختلفة،
وبهذه النقطة تختلف عن الفكر والنظريات الفلسفية ذات الطابع
التجريدي المحض، حيث لا يلحظ فيها الا طبيعة استقامتها او انحرافها
عن المدركات العقلية وما تعتمده المعرفة من اصول عقلية او حسية او
غير ذلك.
ومن هنا فإن العقائد الدينية وان كانت تعتمد نفس الأسس والأصول
الفلسفية للمعرفة أو الفن او الاخلاق الا انها تختلف عنها
بإمتدادها الى ما يستهدفه الدين في صياغته الخاصة لحياة الإنسان
وتنظيم علاقاته ورؤاه للحياة دون الوقوف عندها كفكرة عقلية فحسب
كما تعني به الفلسفة.
وبمقدار قدرة الدين على التوفيق بين المعرفة ومنهجة الحياة في
ابعادها المختلفة يتحقق نجاحه على الصعيد الانساني، وهذه النقطة
تعتبر بعض مكامن الاعجاز الإسلامي بشكل عام واعجاز مذهب أهل البيت
(ع) خاصة.
وحينئذ كان على الداعية الى الله في بيانه لأي فكرة عقائدية ان لا
يقف عند الجانب الأول منها دون أن يجعلها في إطارها التكاملي
الإسلامي.
بمعنى ان عليه ان لا يستعرضها كفكرة تجريدية عقلية دون ان يوثق ما
بينها وبين اهداف الإسلام منها كرصيد واساس لبناء الواقع الانساني.
وتتأكد هذه الضرورة في الأحاديث والمحاضرات العامة إذ ليس من
السهولة على العموم من بسطاء الناس ان يتجردوا عن واقعهم المعاشي
ليستطيعوا هضم الأفكار التجريدية المحضة، بل وحتى الخاصة من
المثقفين لا يأنسون في رؤيتهم العامة الا بما يدركون فاعليته في
حياتهم حيث علاقتهم بالدين وان استطاعوا التعامل مع الأفكار
التجريدية في مجال اختصاصاتهم العلمية، مما يعني ضرورة ان يطرح رجل
الدين كل فكرة يطرحها من خلال اطارها التكاملي الذي يعنيه الدين في
مبادئه ونتائجه ليضمن تفاعل للمجتمع مع أطروحاته بشكل مجد ومثمر
لعقل الإنسان بين الفردي والجمعي.
النقطة الثانية:
مما يشير اليه المحور الثاني السابق اختلاف قدرة الانسان على
المحاكمة والتمييز الموضوعي السليم بين ما اذا كان عضواً في مجموعة
من الناس، وما اذا كان منفرداً فهو في حالة الإنفراد أقدر على
تمييز المحاكمة السليمة عنه فيما اذا كان في وسط اجتماعي حيث يكون
في هذه الحال اقرب الى السطحية، وأسرع في التأثر بتوجهات المجموعة
التي ينتمي اليها، وهو ما يسميه علماء النفس بالعقل الجمعي.
ولعل القرآن كان أول من أشار إلى هذا الإختلاف حتى طلب من الرسول
(ص) تنبيه منتقديه الى مراجعة أنفسهم في حالة الانفراد
ومع محاورتان لرؤية الحقيقة في الدعوة الإسلامية، وان ينأوا
بأنفسهم عن الحكم المتسرع الضحل ضمن المجموعة التي ينتمون اليها
قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا
لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم
مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ
عَذَابٍ شَدِيدٍ).
ويأتي علم النفس المعاصر ليقف في دراساته على شيء غير قليل من
أبعاد هذا الفرق ويجلي خصائص كلتا الحالتين.
ولأن رجل الدين في علاقته مع المجتمع تجتمع كلتا الحالتين فينبغي
ان تكون له قدرة مناسبة على استغلال كل منهما في المهمة التي
تحتاجه.
فحين تقتضي مهمة من المهات رجل الدين استقطاب الرأي العام حول
موضوع من المواضيع ولا سيما ذات الطبيعة الإجتماعية وتوحيد رؤى
المجتمع المسلم حول قضية من القضايا التي تدخل في صالحه، فمن
الضروري ان يستغل اجتماع الناس ويستخدم من لغة الخطاب ما يسهل عليه
توجيه رؤاهم نحو ذلك الموضوع، مع سرعة في قطف الثمار المطلوبة قبل
ارتخاء الاستجابة العامة من المجتمعين.
اما حين تقتضي المهمة تربية المجتمع وبناء شخصياته على ارصدة
مناسبة من الإيمان واستقامة العقيدة والثبات عليها واشباه ذلك فيجب
أن يتخذ من الصلات الفردية أو المحدودة مجالاً للبيان، ومن اللغة
الموضوعية الهادئة ذات الصيغة الإستدلالية التي توثق ما بين
المقدمات والنتائج طريقة فيه ليكون للإندفاع العاطفي دور ثانوي
يأتي بعد تركيز الإيمان والاعتقاد الرشيد.
توطئة للحديث في هذا الخط نقدم أموراً مهمة:
الأول: دور العقيدة في الدين..
الثاني: ما تعنيه كلمة التربية التي تستعملها في هذا التقرير، حيث
استعملنا لكمة التربية في الخط الاول (التربية الذاتية) وها
نستعملها بتوصيف العقائدية وفي الخط الثالث القادم بتوصيف العبادية
وهكذا.
وكما نعلم ان التربية جعلها القرآن المهمة الثانية للرسول (ص) في
المجتمع الانساني بعد تلاوة آيات الله واقامة حجته بها على العباد
وقبل مهماته الاخرى التي تندرج في مفهوم التعليم ووسعة المدارك
الانسانية لإستيعاب احكام الله وحدوده.
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ
مُّبِينٍ)
معلوم ان استعمال التزكية اقرب الى استيعاب المقصود في مهمات
الرسول (ص) اذ هي تجمع التربية والاخاء والاصلاح والتطهير والتنقية
من الشوائب، وكان يفترض أن لا نعدل نحن عن استعمالها في هذه الخطوط
لولا ما نعلمه من تلازم هذه المفاهيم بعضها مع البعض الآخر في
المجال الديني اذ لا يتحقق أي منها دون المفاهيم الأخرى في صعيد
الواقع الفردي والاجتماعي.
ويرد استعمال الدعوة الى الدين واقامة حجته على الناس في بدء
العلاقة المطلوبة معه في الغالب، حيث لابد في هذه المرحلة المبدئية
من لفت البصائر والعقول اليه والى ما فيه حقائق وأدلة، ومفاهيم
ترفع الريب والتشكيك من النفوس، اما بعد هذه المرحلة فيرد التوطيد
لهذه العلاقة والتمكين لحقائق الدين في أعماق العقول والنفوس
البشرية، وبناء الإيمان فيها بما يتطلبه هذا البناء من وعي لأصول
الدين وفروعه واستجابة لأحكامه، واستقامة تامة في سبيله حتى الوصول
الى الغاية المطلوبة في العلاقة معه.
وهي – كما نرى – مرحلة تتطلب – وراء الدعوة واقامة الحجة – ديمومة
في الرعاية ومتابعة للتوجيه والإرشاد، وابعاداً مستمراً من العقبات
التي تعترض طريق التقدم نحو الغاية وتنقية دائبة من أي شائبة يمكن
ان تعيق النظر عن التعامل مع الحقائق المطلوبة.
وهو ما يعنيه مفهوم التزكية، او التربية بمعناها الأكمل.
كما ان المعنى المطلوب تحقيقه من رجال الدين وحملة كلمته في ساحة
المجتمع المسلم حيث يفترض ان هذا المجتمع قد تجاوز المرحلة
البدائية في التعرف على كلمة الله والتسليم والاستعداد للإهتداء
بأنواه.
وأقول المعنى المطلوب تحقيقه من رجال الدين اذ لا بديل عنهم في هذه
المهمة حين يراد التحفظ على الثوابت الإسلامية في الساحة الإنسانية
كما هو واضح، مما يعني ان التكليف لهذه المطالعة عيني لا مناص عن
امتثاله.
الثالث: معروف ان الدراسات الحديثة – ولا سيما في مجال العلوم
الانسانية – قطعت ............ بعيداً عن عالم التربية، وجعلت منها
عالماً واسعاً من الخبرة والكفاءة كما فتحت فيها آفاقاً متعددة من
التوجهات التربوية وبينت من ضروراتها ومستلزماتها ما لابد لمن
يتصدى لجانب منها من الاطلاع عليها وتطبيقها ليسهل عليه نيل درجة
النجاح فيها، ولا سيما مع المعترك المشهود في ساحة الأديان
والمذاهب والمداخلات الاجتماعية والثقافية التي يراد فرضها على
انتباه الرأي العام ونظر ابناء المجتمع المسلم.
ولأن رجل الدين في مذهب أهل البيت (ع) هو الذي تحمل مسؤولية هذه
التربية في المجتمع المؤمن فمن الضروري له ان ينتبه الى ما يلي:
اولاً: انه يتحمل مسؤولية ارفع جذوة شاءها الله من أنوار كلمته،
وان هذه الجذوة كما تجمع كل منابع القوة والنفوذ الديني والمذهبي،
وعوامل القرب الفطري في النفوس البشرية تستوجب كذلك في حاملها دقة
الاستقامة وشرائط الانقياد الى الله وأحكامه ما لا يستوجبه دين ولا
مذهب آخر سواها، حيث لا ترتضي الخروج عن استقامتها قيد أنملة، ولا
تسمح بالإضفاء عليها بكلمة دون هدى من الله، وإنما هو الالتزام
المطلق والركون المطلق والتسليم المطلق.
(وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)
ثانياً: ان تلك الجذوة التي يتحمل مسؤوليتها هي الهدف الأول للباطل
في صراعه مع الحق..
ومعلوم ان هذا الصراع لا يتحدد في مجال واحد من مجالات الحياة، ولا
في أفق واحد من آفاقها، ولا في شكل معين من أشكال الصراع المعروفة،
بدء من الوسوسة الخفية للشيطان في أعماق النفوس ولا ينتهي حتى
درجات الحرب العسكرية واستئصال النفوس.
وهذا مما نعرض على رجل الدين الانتباه الى ذاته ليجنبها الانحراف
عن الاستقامة المطلقة مع هدى الله وبيناته، وان يحقق كل شرائط
الانتماء لمذهب أهل البيت في جميع مجالات العقيدة والتشريع
والاخلاق، كما يفرض عليه الانتباه والاستعداد لكل شكل من اشكال
الصراع المحتملة مع الحق الذي يحمله حتى الوصول الى الاهداف التي
تعهد الوصول اليها بنفسه كشاهد قائم لهذا المهذب في المجتمع
وبأبناء هذا المجتمع وهم يسلمون اليه قيادهم في هذا السبيل الرشيد.
وهنا ومن خلال النقطتين السابقتين تتضح ضرورة الاطلاع على الدراسات
التربوية الحديثة في مجال تربية الفرد وفي تربية المجتمع ايضاً،
لأكتساب اجدى الطرق في تربية ذاته وتربية مجتمع في طريق الله
سبحانه والذود عن حياضه في النفوس وفي آفاق الحياة الاجتماعية
المختلفة.
الا ان المؤسف ما يشاهده المتتبع من انصراف رجال الدين عن تلك
الدراسات التربوية والتهاون في أمرها، حيث بنوا علاقاتهم مع
المجتمع ومع وظيفتهم في أوساطه على الإرتجالية والصدفة وردود الفعل
الآنية تجاه حاجات المجتمع وما يجري فيه من أحداث، والى هذا
الانصراف والتهاون يمكن اسناد الكثير من عوامل الخلل والارتباك في
خطى العاملين في طريق الله وفي استفحال المشاكل الطارئة في المجتمع
نتيجة تنامي الصراع في الساحة المذهبية، وضعف الإمكانات المتاحة
لحملة الحق في هذا المجال.
نعم، بإمكان رجل الدين اتباع الشواهد المأثورة في كتاب الله وفي
تراث العصمة الوارد في هذه المجالات ولو بنحو الإجمال إذ أن للقرآن
ولأهل البيت دقتهم الخاصة في بلورة الرؤى التربوية والنفسية
والاجتماعية على اسس ثابتة من واقع الإنسان وفطرة ذاته دون أي ما
تقع نية الدراسات الانسانية في المجالات السابقة من الارتباك
والخلل الملحوظين فيها وان وجب ان لا تغمط هذه الدراسات شيئاً من
فضلها في بلورة الكثير من الحدود والخطوط التفصيلية التي أثبتت
نجاحها في الخطوات الجزئية للعمل التربوية في مختلف الأصعدة.
رابعاً: الطبيعة العملية للأدلة العقائدية
معروف ان اوليات العقيدة كثيرة هي الاساس لبناء الدين – أي دين –
فهي تأتي في مبادئه وليست من حقائقه التعبدية، ومن هنا كان لابد من
العقيدة للإستمساك بالدين ذاته، ولأن الله سبحانه قد تعهد للإسلام
طبيعته التكوينية الواقعية المنسجمة مع فطرة الخلق ما حبل عليه
والوجود التكويني والانساني فقد جعل كل رؤية عقلية أو علمية سليمة
وكل نتيجة من نتائج العلوم الآفاقية والانفسية ادلة لعقيدة الاسلام
وشواهد لاستقامة نظرياته، ومباديء واقعية لأحكام شريعته وتعاليمه.
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ)
ورجل الدين في تربيته الاعتقادية لأبناء المجتمع ينبغي ان لا يفض
الطرف عن هذه النقطة الاعجازية من الإسلام، اذ هي تفتح امامه من
سبل القوة في كلمته ووضع حجته امام العقول ما لا يملكه دين آخر
سواه، اذ هو يستطيع ان يستخدم كل المعارف السليمة التي تزخر بها
حياة الانسان، وما يملكه حتى العلماء والخبراء في العلوم والفنون
التجريبية من أسس وقوانين ونتائج علمية في التمكين لكلمته في
العقول، وبيان ما يملكه الاسلام من منابع السلامة والتكامل وغناء
حاجات الانسانية في مختلف آفاق حياتها، وجعل العقائد الاسلامية
الأولى ضمن الثوابت العلمية التي لا يعتريها ريب من جهة أو يداخلها
شلك في مجال وفي هذا الموضوع ينبغي لرجل الدين ملاحظة ما يلي:
1- ان نجاح رجل الدين في الاعتماد على القضايا العلمية يحتاج الى
ان تكون له موسوعية ثقافية متكاملة تمكنه من التعرف على التوجهات
العامة لمختلف العلوم التجريبية وعلى العناصر المشتركة التي تقوم
عليها ونسفتها جميعاً، وما تعنيها قوانينها ونتائجها من دلالات في
وظيفته الدينية، ليضمن لنفسه الوصول الى غاياته في مجال البيان
والتربية، وتوضيح ما تعنيه الحقائق الإسلامية أمام بصائر من يحيط
به من المثقفين.
ويجدر برجل الدين هنا ان ينتبه الى ان العناصر المشتركة وان كانت
تدخل في التوجهات الذاتية لكل من العلوم والفنون لانها قضايا
مبدئية فيها تستقطب مختلف مساراتها الا ان ادراك المختصين انما
يتأتى غالباً من خلال ما ألفه كل منهم في مجاله الخاص، وقد لا
يلتفت اليها من خلال علوم أو فنون اخرى وهذه النقطة تلزم رجل الدين
بان تتسع لديه دائرة الخبرة والثقافة الى الدرجة التي تمكنه من
التعامل مع مختلف الاختصاصات ليسهل عليه النفوذ الى مكامن حاجاتها
الى الهدى والنور الرباني ليمدها جميعاً بما يغنيها من البصائر
والادلة حتى بلوغ النتائج التي يريد.
2- ان تكون لدى رجل الدين قدرة تامة على فهم المستويات الثقافية
المتفاوتة من جهة ومعرفة حاجة كل منها من الأدلة والبصائر الدينية
والعلمية – من جهة ثانية – والطرائق البيانية التي يقتضيها كل منها
في فهم المقصود من تلك الأدلة والبصائر...
فمن المعلوم ان المستويات الإجتماعية في استيعاب المعلومات مختلفة،
مما يعني اختلافها في الحاجة من البصائر الدينية واختلافها في
مستوى البصائر التي ينبغي ان يقدم الى كل منها وفي مجتمعنا، حيث
يتفاوت الناس بين الأمي البسيط الذي يفتقد حتى القدرة على القراءة
والكتابة والخير المتطلع في علم من العلوم او فن من الفنون، يلزم
رجل الدين بإتباع أدق ما تقتضيه الحكمة في تقدير الحاجة التي
يقتضيها كل مستوى وفي اختيار الادلة والموضوعات العقائدية التي
يقدمها الى كل فصيل، وفي طريقة البيان والايضاح لتلك الأدلة
والموضوعات، فلا يغرق في بيان النظريات والقضايا العلمية في مورد
يخاطب به البسطاء من الناس فيخرج بكلماته عن حدود المفهوم لهم، ولا
يسف في خطابه للطبقة العليا من المثقفين فيخرج بنفسه وبحديثه عن
دائرة احترامهم فضلاً عن دائرة قبولهم لما يقول، وإنما هي الحكمة
وانما هو حسن التقدير وانما هو وضع الأمور في مواضعها (ادْعُ إِلِى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)
3- وضوع التطابق والتناسب ما بين دلالات القضايا العلمية التي
يعتمدها رجل الدين في بيانه والموضوع العقائدي او الفكري الذي يروم
تقديمه للمجتمع.
اذ ليس كل قضية علمية تتلاءم مع كل موضوع ديني يتحدث فيه.
بل قد يكون هناك نوع من التطابق في جهة من الجهات الا أن هذه الجهة
قد تكون من الخفاء بشكل لا تستوعبها اذهان المتابعين...
ومن جهة ثالثة قد يكون .................. القضايا العلمية دلالات
عكسية قد لا يستطاع اخفاؤها امام الأذهان عند استعراضها ...
وهكذا...
والتسرع في طرح أي من هذه القضايا دون تدبر مسبق للنتائج المتوخاة
قد يوقعه فيما لا ينبغي الوقوع فيه من الخلل او الارتباك مما يعني
التهيؤ للموضوع قبل طرحه، واختيار المناسب فيه دون ما سواه.
4- الانتباه الى ما بين المسار التاريخي للدين والمسار التاريخي
للعلوم من اختلاف كبير، فحين لا يلاحظ في المعارف الدينية المتأخرة
انفصال عما سبقها في التاريخ اذ لا تعدو هذه المعارف جميعاً
أنواعاً من التوضيح والبلورة لحقائق واحدة قد يكون السابق فيها
قرائن في اللاحق الا ما دلت المصادر الدينية الملتزمة على بطلانه
وهذا لا فرق بين السابق واللاحق.
يلاحظ ان التطور في العلوم ولا سيما ذات الصبغة التجريبية يعني ان
الرؤى والنظريات المستحدة هادمة للرؤى والنظريات التي سبقتها ما
دام فيها نوع من التعبير عن الموضوع الذي تدرسه أقرب الى حقيقته من
السابقة.
وتطور العلوم التجريبية وتقدمها لا يعني الا هذه الناحية، ولهذا
فمجرد ظهور نظرية جديدة في علم من العلوم يسلم المختصون قربها من
الحقيقة يعني ادخال النظرية السابقة لها في ذلك الموضوع الخاص في
عداد التراث التاريخي لذلك العلم، ولا يعني بها الا الباحثون
التاريخيون دون الاختصاصيين...
من هنا فإن رجل الدين وهو يحاول الاستفادة ببعض النظريات والنتائج
العلمية في مجال التبليغ والاستقامة في الاستدلال على بعض القضايا
العقائدية او غيرها يجب ان يلتفت الى أمرين مهمين:
اولهما: التقيد بآخر ما هو موجود في العلوم او الفنون من النظريات
والقوانين التي يتعامل معها، وان أي اهتمام بما سبق منها في تاريخ
لتلك العلوم ما دام الاختصاصيون قد سلمو لتلك النظريات أو القوانين
صحتها وقربها في التعبير عن الحقيقة التي تدرسها وفي هذا الاطار
اتذكر أن احد الفضلاء في واحدة من محاضراته كان يستدل على
............ الباري بجعل الارض مركزاً للكون تدور عليها كل
الاحرام لوجود محمد وآله الطاهرين فيها، وآخر كان يستدل على سلبية
المرأة مقابل إيجابية الرجل في جعل القوامة لها دونها وبدليل ان
جهازها التناسلي عكس جهاز الرجل كما اثبته الطب اليوناني القديم
وهكذا...
ثانيهما: عدم اعطاء أي نظرية علمية تجريبية قيمة المطلق، الذي لا
يتبدل ولا يتغير لان العلوم كما نعلم في تطور مستمر ولو بما تبرز
الحقائق في بعض النظريات نوعاً من الخلل لم يتضح في دراسات سابقة،
بل ولربما قد برز مثل هذا الخلل بالفعل ولم يطلع عليه رجل الدين في
مطالعاته.
وهكذا فبناء الادلة العقائدية او الرؤى الإسلامية على شيء من
مقولات تلك العلوم التجريبية يجب ان يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار
فلا يعتمد منها الا تلك الروح او التوجهات الأولية التي لا تتغير،
والا انعكست سلبيات التغير على النتائج التي يروم الوصول اليها في
البيان او التربية الاجتماعية كما هو واضح.
5- السعي في الحصول على النظريات او القوانين العلمية من المصادر
المعترف بها من مجالاتها الخاصة دون الاقتصار على ما تذكره وسائل
الاعلام منها: وان كان استعراضها لها بالشكل الذي يرغبه رجل الدين
او أقرب في اعانته على الوصول الى غاياته التبليغية او التربوية.
وحتى لو اضطره الموقف الى الاكتفاء بما تذكره وسائل الاعلام فلا بد
من الحذر من الصياغات التي يوظفها المنتفعون منها لتحقيق مآربهم
السياسية والاجتماعية الخاصة، لئلا يقع في سلبيات قد لا يسهل عليه
التخلص منها.. ومن هذه السلبيات:
1. توهين موقع رجل الدين والنتائج التي توصل اليها لدى ذوي
الاختصاص في تلك العلوم حيث يعلمون الخلل والتفاوت ما بين الطبيعة
العلمية لتلك النظريات او القوانين والصيغ الاعلانية التي قدمتها
فيها وسائل الاعلام تلك، وهذا الوهن يتحقق حتى مع صحة وسلامة
النتائج التي قدمها.
2. الدعوة الخفية الى تلك المآرب السياسية او الاجتماعية التي
يقصدها القائمون على وسائل الاعلام التي طرحت تلك النظريات
والقوانين بصيغتها المحورة.
6- الحذر من الإنبهار العاطفي في الإعتماد على النظريات العلمية او
الاستشهاد بمقولة بعض العلماء في أمر من الأمور العقائدية أو غيرها
فكثير من الباحثين قد اخذته هذه العاطفة والانبهار بما رآه من
توافق بين بعض النتائج او النظريات العلمية الى درحة اعتبارها
مصباً لدلالة بعض الآيات القرآنية او حتى تفسيراً لها، في وقت غفل
عن مكامن الاختلاف او غفل عما أشرنا اليه من احتمال ثبوت بطلان تلك
النظريات كلاً او جزءاً.
وواضح ان بناء النتائج العقائدية او الرؤى الاسلامية على مثل هذا
الأساس مما يوهن تلك النتائج والرؤى حتى يستبين ما في تلك النظريات
او القوانين العلمية من وهن أو اختلاف عن الحقائق التي تعبر عنها
كما قلنا.
7- ينبغي لرجل الدين وهو يستعين في بيانه ببعض النظريات او
القوانين العلمية ان يلتفت الى انه انما يستخدمها من خلال موقعه هو
كرجل دين وليس مختصاً في العلم الذي يحتسب عليه ذلك القانون او تلك
النظرية.
بمعنى انه وإن تقيد بجميع النقاط التي أشرنا اليها من الفهم
والموضوعية والاطراد العلمي فهو انما يستظل بمقولات ذوي الاختصاص
في تلك العلوم من أجل ان يستعين بها على فتح عقول الباحثين او
المثقفين بتلك العلوم على منابع الهدى في عقيدة الإسلام ورؤاه
المختلفة في الحياة.
ولهذا فلا ينبغي له ان يقم نفسه في ميادينها العلمية سنداً
وإعدادات مناسبة ليعطي رأياً أو يقدم نقداً فيها او يقوم شيئاً
منها، ويحكم عليها بالقرب او البعد عن الحقيقة التي تعبر عنها
واشباه ذلك، فهذا مما ينأى به عن مهمته الاساسية اضافة الى انه
يوهن بكلمته لدى الخبراء في الفن او العلم الذي ينحدر فيه ، نعم
هناك بعض النظريات اخرجت عن اطارها العلمي واقحمت في اطر أخرى أقرب
للمذهبية او التدين او البحث الاخلاقي فأستعملت لتأييد فكرة فلسفية
او اخلاقية او مذهبية معينة، كما هو المعروف عن نظرية التطور او
النظريات النفسية كالجنسية او الاجتماعية وكنظريات دوركايم
واشباهها...
ولأن هذا الاقحام ليس من الشأن العلمي وإنما هو من الشأن الديني أو
المذهبي أو الاخلاقي فهو من أختصاص رجل الدين مما يعين ضرورة ان
تكون له رؤية واضحة ودقيقة فيه تستقيم مع مسؤولياته في الدعوة الى
الله والذود عن حياض الإسلام ومذهب الحق، إذ ان فلابد من التفكيك
في مثل هذه النظريات والقوانين بين بعدها العلمي بما هي حاكية عن
الواقع الذي تعبر عنه وفي هذه البعد لابد ان يستظل بمقولات ذوي
الاختصاص المعرف لهم بالكفاءة والامانة على الحقيقة العلمية فيها،
وبعدها المذهبي الذي اقحمت فيه وهو بعد يعتبر من اختصاصه، ويفترض
ان يتخذ دوره المناسب في اسناد الحقيقة الدينية أو الاخلاقية فيه
ويذود عن حياض الحق الذي تحمل امانته بكفاءة ووعي يتناسب مع حجم
القضايا التي أقحمت فيها تلك النظريات والقوانين.
ويجدر الانتباه الى هذه الناحية في كثير من الاطروحات العلمية
القائمة اذ ان استغلالها في تحقيق مآرب سياسية أو مذهبية او شائع،
لا في مجال الاصلاح الانساني والاجتماعي وانما في مجالات هدم
الاخلاق والعقائد والتوجهات الدينية، والتشويش على اذهان البسطاء
من الناس وتوجيه مسارات الانظمة والقوانين والعلاقات الفردية
والاجتماعية والاممية.
وكل هذا مما نريد في صعوبة مهمات رجال الدين في مذهب أهل البيت (ع)
اكثر من غيرهم بإعتبارهم الطليعة في الذائدين عن حياض الحق
والاصلاح والتكامل الانساني الرشيد.
اما كيف يضمن رجل الدين استكمال القضايا السابقة، وبالحدود التي
ذكرناها، فهذا يحتاج الى ما يلي:
1- استيعاب الحدود العامة للمستوى العلمي المشترك بين العلوم
والفنون المادية والانسانية اطلاعاً وفهماً، لان هذا المستوى يشكل
العنصر الاساس في فهم مختلف تلك العلوم والفنون كما هو واضح، ومن
غير الممكن على ما فيها من حقائق بشكل واضح دون استيعاب حدوده،
ولعل فيما تحويه مناهج السادس الاعدادي كغاية اذا كان الاطلاع
عليها بوعي ودقة مناسبين.
2- مواصلة البحث والاطلاع على ما تطرحه المصادر العلمية من نظريات
عامة وقوانين مسلمة في علومها مع شيء من أطرها المناسبة بعيداً عن
المبالغة والتهويل او حرف الاذهان عن الحقائق التي تعبر عنها.
3- الاستعانة بجهود الباحثين الاسلاميين الاكفاء والذين سبق لهم
التعامل مع تلك النظريات أو القوانين، والتعرف على ما يمكن
الاعتماد عليه منها في القيام بالوظيفة الدينية والتبليغية.
|
|