|
وصلت
الأنباء مدينة الرسول حمَلها فرسان من خزاعة ، فأعلن رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) حالة الاستنفار ، وتبادل المسلمون الرأي في الدفاع عن
دينهم ومدينتهم ، وحظي اقتراح " سلمان " بإجماع المسلمين ، وبوشر بحفر
خندق كبير لحماية المدينة من العدوان .
ثلاثة آلاف
مسلم كانوا يعملون ليلَ نهار منهكمين في حفر خندق بلغ طوله اثني عشر ألف
متر ، بعمق خمسة أمتار ، وبعرض ستة أمتار تقريباً ، وقد جهز الخندق
بمنافذ للعبور و وُضعت خلف الخندق متاريس ومواضع للرماة .
فوجئت
الجيوش الزاحفة بخطّ لا يمكن اقتحامه ، فعسكر المشركون للحصار .
أراد أبو
سفيان حسْمَ الموقف ، وإنهاء حالة الانتظار ، فبعث " حيَّ بن أخطب "
زعيمَ يهود " بني النضير " ليتحدث مع " كعب بن أسد " زعيم يهود " بني
قريظة " في مهاجمة المسلمين من داخل المدينة ، وفتْح الطريق أمام جيوش
الأحزاب .
كان رسولُ
الله يُدرك طبيعة الغدْر في اليهود ، فرصد خمسمئة مسلّح للقيام بدوريات
في المدينة ومراقبة تحركات " بني قريظة " وهكذا أمّن الرسولُ المدينةَ من
الداخل ، أمّا في الجانب الآخر من الخندق فقد بقيتْ قوّاتُ المشركين
عاجزةً عن القيام بأي عمل مسلّح ما عدا مناوشات بالنبال .
كانت
الأوضاع تزداد تأزُّماً حيث تمكّن خمسة من أبطال المشركين بقيادة " عمرو
بن عبد ودّ " من اقتحام الخندق وتحدّي المسلمين .
راح " ابن
عبد ود " يسخر من المسلمين ، فنهض له عليُّ بن أبي طالب وخاض معه معركة
ضارية سقط " عمرو بن عبد ود " على أثرها صريعاً ، وفرّ رفاقه ، فسقط
أحدهم في الخندق أثناء العبور ، فنزل إليه عليُّ وقتَله ، فيما لاذَ
الباقون بالفرار .
وكان لضربة
عليٍّ وموقفه الباسل الأثرَ الكبير في تصاعد الروح المعنوية لدى المسلمين
، وبثّ روح الذعر في قلوب المشركين . . . حتى أنّ رسولَ الله ( صلى الله
عليه وآله ) قال : ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين سبعين سنة .
حاول " خالد
بن الوليد " تدارك الخسارة وتدنّي معنويات الأحزاب ، فقام بعمليات
استعراضية حاول فيها اقتحام الخندق ، فتصدى له المسلمون وأجبروهم على
الفرار.
وأثناء
الحصار أسلم " نعيم بن مسعود " وكان رجلاً معروفاً بالذكاء ، فطلب منه
الرسول أن يكتم إسلامه ويحاول تخذيل المشركين وبثّ الفرقة بينهم وبين
اليهود ، فنجح في مهمّته ، كما تسلل شخص من المسلمين هو " حذيفة " أثناء
الظلام في صفوف المشركين ، وتمكن من حضور اخطر اجتماعاتهم ، فراح يشنّ
عليهم حرباً نفسيّة أشعرتهم بالهلع .
وهبّت عواصف
عاتية ، وكان الهواء شديد البرودة ، فسيطرت روح اليأس ، وساد الاختلاف
بين الجنود بعد حصار بلا طائل .
قرّر أبو
سفيان الاستفادة من الظلام ، والانسحاب على عجَل ، قبل أن تحدث تطوّرات
غير محمودة العواقب .
وأشرقت
الشمس وخرج المسلمون إلى مواقعهم ، وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم ينظرون إلى
الجانب الآخر من الخندق ولا أثر للمعتدين .
وعندما
اطمأنّ الرسول إلى انسحاب المشركين ، أصدر أمره إلى المسلمين بترك
مواقعهم والعودة إلى ديارهم . |