عدم استقرار الأطفال

الكاتب الدكتور علي القائمي

تقديم

نلاحظ في أكناف البيت والمدرسة أطفالاً يتحركون ويقفزون بلا سبب واضح، ويركضون من غير وجود دواعي بارزة، ويتنقلون هنا وهناك من غير حاجة بينة لذلك، يتكلمون بلا مبرر ويضحكون من غير دافع، ويحشرون أنفسهم حشراً في شؤون الآخرين وأحاديثهم.

يجلسون في مكانٍ ثم يهبّون فجأة ويركضون في اتجاهٍ ويتوقّفون ويجلسون ثم ينهضون ثانية.

وفي المدرسة ترى الطفل الواحد يضيق به المكان الذي يسع لثلاثة أشخاص. وغالباً ما يعمد إلى إيذاء الآخرين ومضايقتهم. يتصف سلوكه بالضجيج وكثرة الإثارة والرغبة في التخريب والعدوانية. نطلق على أمثال هؤلاء الأطفال مصطلح الأطفال الحركين.

 

سلوك الأطفال الحركين

أوضحنا سلفاً بعضاً من خصائصهم وسلوكهم، ولو شئنا التوسع في الحديث عن هذا الجانب لقلنا بأن هذا النمط من الأطفال لا يقر لهم قرار وهم في حالة ضجيج وتحرّك متواصل ما داموا في حالة يقظة.

فالطفل في هذا الجانب يشبه الطير الذي يقفز من موضع ويحط في آخر. يؤذي هذا ويستشير ذاك ثم ينهض مغادراً المكان إلى موضع آخر.

كثيراً ما يلاحظ الطفل وهو يتسلق الجدار والشجرة في محاولة منه لجلب التسلية والانشغال لنفسه. وإذا جلس فترة وجيزة من غير عمل يجهد نفسه لاختلاق عمل يلهيه، وإذا لم يتيّسر له ذلك يتّجه نحو أدواته الشخصية فيعض قلمه ويلعب بالدمل أو الجرح الموجود في جسمه و ...الخ.

يتصف الطفل الكثير الحركة بالنسيان، والنظرة السلبية، العناد وعدم الاستقرار العاطفي حتى يبدو سلوكه وكأنه لا يطاق، يلاحظ عليه سرعة التأثر وقلما ينتهج الأسلوب الذرائعي.

 

من هم الذين يتصفون بهذه الظاهرة؟

كثرة الحركة تلاحظ عادة عند الأشخاص الذين لا يعيشون ظروفاً طبيعية ويشعرون على الدوام أنهم واقعون تحت ضغوط متواصلة وما أن يتحررون منها حتى يثيرون الشغب ويبدأون بالحركة والضجيج. يتبين من خلال استقراء ماضيهم بأنَّ البعض منهم قد تعرّض منذ لحظة ولادته لظروف غير طبيعية؛ أي أن الولادة لم تتم بالشكل الطبيعي ثم أنهم لم يحصلوا في ما بعد في الاجواء العائلية على الدعم والرعاية الكافيين، إن غالبية الأطفال الحركين كانوا، أو هم الآن مصابون بأمراض جسمية ونفسية.

كما ويعتقد أنهم قد اُصيبوا في فترة الطفولة بمرض طويل المدة أو صعب العلاج أو فرضت عليهم بعض ألوان التسلط والغطرسة ولم يستطيعوا في مقابلها التغلب على مشاعر ضعفهم ونيل مطاليبهم، أو ربّما ذاقوا الكثير من العقوبات وواجهوا الكثير من التصرفات المغلوطة من الوالدين والمربين أثناء حياتهم التربوية.

 

الظروف المؤثرة

تتأثر ظاهرة عدم الاستقرار بالكثير من الظروف والعوامل التي تساعد على ظهورها وتفاقهما نشير فيما يلي إلى بعضٍ منها:

1-   عامل الجنس: وهذه الظاهرة يتصف بها كل من الذكور والأناث، ولكن يبدو أن الذكور أكثر تعرضاً لها من الاناث بمراتٍ عديدة. ويظهر أن القضية مرتبطة بأمرين آخرين: الأول هو التكوين العضوي إذ تتصف الاناث بالمزيد من الهدوء والسكينة، وبالقليل من الحركة والإثارة. والثاني هو الظروف الثقافية والتربوية للأشخاص إذ تركز كل المجتمعات في تربيتها على أن يكون الذكور أكثر جرأة وجسارة، فتتساهل إزاء حركات الذكر وكثرة ضجيجه فيما تستنكر مثل هذه الحالة من الأناث، فتحد من حركتها بمختلف أنواع الضغوط والاستنكار.

2-   عامل العقل والذكاء: يحظى أغلب الأطفال الحركين بمستوى من الذكاء يفوق أترابهم نسبياً. حتى يبدو وكأن ذكاءهم لا يستطيع تحمل الظروف والأوضاع السائدة. يحتمل أيضاً أن يكون البعض من هؤلاء الأطفال في مستوىً متدنٍ من الذكاء إلا أن سلوكهم يختلف اختلافاً تاماً عن بقية الأطفال كأن كون كثرة تحركهم غير مدروسة ولا تسير وفقاً لنمط معين.

3-   ظروف النضج: بعض تحركات الأطفال ناتجة عن النضوج، فمن المعروف مبدئياً أن الطفل حينما يلعب ويلهو ويقفز ويتحرّك فذلك جزء طبيعي من نضجه، وعلى الوالدين أن يعتبروا ذلك مبعث ارتياح، وعلى العكس من ذلك إذا لاحظوا أن أطفالهم يتميّزون بالصمت والخمول الكامل فذلك مما يبعث على الأسف والقلق، وعليهم البحث من علله وأسبابه. فالتحرك والضوضاء دليل على السلامة والصحّة، ولكن إذا ما خرج ذلك عن الحدود الطبيعية وبات مصدراً لإزعاج الآخرين فلابد من المبادرة للعلاج.

4-   الظروف العائلية: يرتبط استقرار الطفل أو تحركه بنوعية ظروف الحياة العائلية؛ فالأطفال الذين لا يلقون الرعاية والاهتمام والعطف الكافي يتميزون في فترة طفولتهم بالحركة وعدم الاستقرار. والعوائل التي يسودها النزاع والاختلاف وتعاني من الفقر والمشاكل الأخرى، ولا ينال الطفل فيها أي نصيب من الرعاية والاهتمام، تغلب على حياة الأطفال فيها مظاهر الاضطراب وفقدان السكينة والاستقرار.

5-   الظروف الأخرى: وأخيراً فإن حالة عدم الاستقرار تتأثر بسائر الظروف الأخرى كالتعب واليأس واستشعار المهانة وضياع الكرامة وما إلى ذلك، إلا أننا نصفح عن الخوض فيها تجنباً للإطالة.

أسباب عدم الاستقرار

هل يمكن التوصل إلى جذور وأسباب حالة عدم الاستقرار عند الأطفال، وما هي؟ والجواب هو أن ثمة طائفتين من العلل والعوامل التي تجدر الإشارة إليها في هذا الصدد؛ وهي الأسباب الذاتية المتعلقة بالشخص نفسه، والأسباب المتعلقة بالآخرين. نتقدم فيما يلي بدراسة موجزة عن هاتين الطائفتين من العوامل والأسباب.

 

أ‌-       العوامل الذاتية:

يمكن الإشارة في هذا المجال إلى أمور متعددة، نأتي هنا على ذكر بعضها:

1-   الأمراض والآلام: إن عدم استقرار الطفل قد يكون سببه أحياناً مرضاً أو عارضاً مؤلماً.

فالطفل المصاب بالديدان ويعاني على الدوام من الحكّة والإزعاج والألم لا يمكنه الجلوس والاستقرار في موضع معيّن، أو الطفل الذي يشعر بالألم ولا يفصح عنه آلامه من الطبيب، فإن ذلك الألم يثيره ولا يتيح له الاستقرار أو المكوث في وضع معين لفترة من الزمن. وفي بعض الحالات تكون الآلام على درجة من الشدّة بحيث تجعل الطفل في عذاب متواصل.

2-   الغضب: وفي بعض الحالات يتسم الأطفال بعدم الاستقرار بسبب صفة الغضب فيهم. ولتوضيح ذلك نشير إلى أن الطفل الذي يعاني من آلام وأمراض – سواء كانت بيئية أم ولادية – تجعله في حالة توتر دائم وحدّة في المزاج تؤدي به إلى سرعة الغضب. ومن البديهي أن إصلاح أوضاع الطفل يستلزم معالجة تلك الأمراض أو الآلام.

3-   الألم الداخلي: قد ينتج عدم الاستقرار أحياناً من ألم داخلي يعاني منه الطفل وربما كان منشوه امتهان الكرامة وفقدان المكانة الاجتماعية أو النواقص التي تفرزها الأوضاع العائلية السيئة. إن الطفل يفهم الكثير من حقائق الأمور إلا أنه لا يفصح عنها للأب أو للأم، فهو مثلاً يلمس فقر عائلته بشكل أو آخر ويستشعر الألم والعناء لكنه لا يصرح لأبيه أو أمه بشيء من هذه المشاعر.

4-   الاضطراب وفقدان الأمن: إن القلق والاضطراب سواء كان سببه المرض أو الشعور بفقدان الأمن من جرّاء حادثة أو موقفٍ معيّن، يحدث عند الصغار – وحتى عند الكبار – حالة من عدم الاستقرار. الطفل الذي يتوقع العقوبة على خطأ اقترفه يبقى في حالة من القلق وعدم الاستقرار ما دام الأب غائباً والعقوبة لم تنفذ بل، وقد يمتد مثل هذا الشعور حتى إلى فترة النوم إذ يرى فيها أحلاماً مزعجة ولا يذوق طعم الراحة في نومه، أو حينما يعلم الطفل أن المدرسة قد سلّمت أباه شهادته المدرسية وفيها درجاته الرديئة وهو لا يعلم بردّ الفعل الذي سيقوم به أبوه، فمثل هذا الموقف يزعجه ويجعله في قلق دائم.

5-   الشعور بالإخفاق: يتولد عدم الاستقرار أحياناً من العجز عن حل مسألة ما أو الإخفاق فيها؛ فالطفل يمتعض حينما يجد نفسه عاجزاً عن الحصول على امتيازات معيّنة أو حينما يفشل في بلوغ غرض يبتغيه، أضف إلى أنه لا يملك النفسية القوية القادرة على مواجهة مثل هذه الانتكاسات، فيقع بالنتيجة في حالة من عدم الاستقرار وانعدام السكينة.

6-   الشعور بفقدان الحنان والمحبة: قد يكون عدم استقرار الطفل ناتجاً أحياناً من عدم التأكد من حبّ والديه ومعلّمه له، وكلما كان الطفل أصغر سناً كان شعوره بانعدام الأمن أكثر. وربما يكون مصدر هذا الشعور أحياناً ولادة طفل جديدة في الأسرة يستحوذ على اهتمام الوالدين.

7-   حب الجاه: يرى بعض علماء التحليل النفسي أن السبب في عدم استقرار الطفل يكمن في حبه للجاه وعدم قدرته على تحمل الأوضاع القائمة وأكثر من يتصف بهذه الخصلة الأطفال الأذكياء لأنهم غير قادرين على تحمل أخطاء الوالدين والمعلمين. وحينما يُطرح في قاعة الدرس موضوع يفهمه التلميذ الذكي، إلا أن المعلم إذا كرّره عدّة مرّات ليفهمه سائر التلاميذ ينزعج مثل هذه التلميذ، وانزعاجه هذا يكون مصدراً لعدم استقراره.

8-   العادات السقيمة: يحتمل أن يكون عدم الاستقرار نابعاً من نمط التربية التي تلقاها الطفل في مستهل حياته حيث كان كثير الحركة والضوضاء والضجيج ولم يلق أي اهتمام أو توجيه من قبل الأبوين لتصحيح سلوكه فتركا له حرّية التصرف كما يحلو له فنشأ على هذه الصفة وصار الآن عنيداً وكثير الحركة.

9-   الرغبة في جلب الأنظار: يبدي بعض الأطفال حركات كثيرة لكي يلفتوا إليهم أنظار الآخرين. حينما يكون الوالدان مشغولين في الأحاديث بين جماعة من الأقارب والأصدقاء ولا يبديان للطفل أي أهتمام ولا يحسبان له أي حساب يلتجيء الطفل إلى إثارة المزيد من الحركة والاضطراب والصياح والقفز لأجل أن يكون له صدى يبن الأصوات ويثبت وجوده. وأكثر ما يلحظ هذا السلوك على الأطفال الذين لا يحظون بالمحبة الكافية من الوالدين.

10-                      الانتقام: وفي بعض الحالات تعزى كثرة الحركة عند الأطفال إلى رغبتهم في الانتقام، بمعنى أن الوالدين أو التربويين خلقوا له وضعاً يثير القلق والألم فيتحفّز للانتقام لكنه لا يملك الوسيلة التي ينتقم فيلجأ إلى الصياح والصراخ والضرب والركض والقفز أي أنه ينتقم منهم بطريقة أخرى.

 

ب‌- الأسباب المتعلقة بالآخرين.

يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الأسباب والعوامل ذات الطابع الاجتماعي، وصورتها الاجتماعية تتعدى الحالات التي سبقت الإشارة إليها، وهي بطبيعة الحال كثيرة جداً إلا أننا هنا نذكر عدداً منها:

1-   انعدام الرعاية من قبل الوالدين: في بعض الحالات يكون الأبوان أو المربّون أنفسهم سبباً في ظهور حالة انعدام الاستقرار، فهم قد لا يلتفتون أحياناً إلى أنهم الملاذ الوحيد للطفل، فهو يعتبر إباه وأمه كل دنياه ويرى كل آماله وأمانيه متجسّدة فيهما فإذا ما لمس منها أدنى إهمال يعتريه الارتباك والاضطراب ويعجز عن إخفاء هذه المشاعر عن الآخرين، فيتعمد إثارة الضجيج وكثرة الحركة من أجل أن يغمره والداه بمزيد من الاهتمام والرعاية.

2-   مطاليب الوالدين وأمالهما: يُعزى عدم الاستقرار عند الأطفال أحياناً إلى الآمال التي يعقدها عليه الأبوان والتربويون ويعجز عن تحقيقها. فعلاقة الطفل بهم تجعله غير قادر أو غير راغب في تجاهل تلك المطاليب أو تخطيها. وهذا ما يتسبب في إثارة قلقه وضجره، فيجد نفسه ملزماً بالتشبث بكل وسيلة تعينه على تنفيذ المطاليب.

3-   العلاقات الاجتماعية الضارّة: تنتج أسباب انعدام الاستقرار في بعض صورها من الاختلاط مع أطفال مشاغبين، إذ تكون تصرفاتهم درساً سيئاً بالنسبة له حيث تؤثر فيه فيقتبس نفس نهجهم ويسلك عين طريقهم وقد يكون التعارض والشجار بين الأخوات والأخوان سبباً لإثارة الصخب والضوضاء وإيجاد حالة عدم الاستقرار وذلك لأن كل واحد منهم يسعى للحصول على الاهتمام والمكانة المناسبة، فيبلغ البعض غرضهم فيما يبقى البعض الآخر عاجزاً عن مجاراتهم.

4-   النماذج المغلوطة: نأتي هنا على ذكر الحكايات والقصص لأن لها تأثيراً كبيراً عليهم في هذا الصدد. فالطفل يرى في السينما والتلفزيون حكايات وقصصاً تختلف كلياً عن العالم الذي يعيش فيه فيستلهم منها الدروس ويأخذ عنها نفس النمط من السلوك المعروض في تلك القصص.

5-   التشجيع في غير الموضع الصحيح: من الأسباب الأخرى التي تؤدي في بعض الأحيان بالأطفال إلى فقدان حالة الاستقرار هو التشجيع الذي لا يأتي في موضعه المناسب. وكثيراً ما نلاحظ في بعض الظروف وأثناء الجلسات التي يجتمع فيها الأقارب والأصدقاء أن الأبوين يجعلان من الطفل زينة للمجلس فيقوم بأداء الأصوات والألعاب ويقرأ الشعر ويلقى منهما التشجيع على هذا العمل. ومن البديهي أن الطفل الذي يحظى بمثل هذا التشجيع والإطراء يحاول أن يعرض في كل يوم شيئاً جديداً أمام الآخرين من غير أن يميز بين مجالس الضيافة وغيرها.

6-   التهديد بعقوبة مؤجلة: من السمات الطبيعية للطفل المشاكسة والأذى، وعند ما تبدر منه هذه التصرفات تهدده الأم بأنها ستخبر الأب عن فعله، أو يهدده مراقب المدرسة بأنه سيطلع المعلم على سوء سلوكه ومخالفته، فيبقى الطفل طوال تلك الفترة وحتى الموعد المذكور عرضة للقلق وربما ينتبه من نومه فزعاً مرعوباً. بيد أنه لو عوقب لانتهت القضية ولنام ملء جفنيه، ولم يبد أي نوع من اللا استقرار.

7-   الاختلافات والنزاعات: الطفل يعتبر البيت ملاذه ومستقرّه الآمن، ويرى أن الأب والأم أولياؤه حقاً، بل ويبلغ به الأمر إلى الظن بأنهما مصدر رزقه وأن موته وحياته بيديهما. والطريف في الأمر أن الأحاديث الشريفة تقدم تصوراً مقارباً لهذا التصور. ولهذا السبب نجد أن التصدع الذي يصيب بناء الأسرة، والاختلافات والنزاعات التي تسودها تحدث في وضعه النفسي خللاً واضحاً وتضاعف معاناته النفسية.

8-   التناقضات الانضباطية: يفقد الطفل استقراره في بعض الأحوال من جرّاء التناقضات الانضباطية التي يواجهها في حياته اليومية؛ فقد يأمره الأب أمراً وتأمره الأم بأمرٍ آخر. أو قد يتلقى الطفل من أخوته وأخواته الأكبر سناً نوعاً من الأذى بينما يتلقى من غيرهم نوعاً آخر منه.

يلاحظ أحياناً مثل هذه التناقض بين البيت والمدرسة وذلك حينما يتقلى الطفل من أبويه نوعاً من التعليمات والأوامر في حين يملي عليه المعلم والمدرسة تعليمات أخرى مناقض لها فيظل حائراً بين هذا وذاك، ولا يدري هل يلتزم بهذا أم يتجاهل ذاك. ومن الطبيعي أن يؤدي به هذا الوضع إلى فقدان الاستقرار.

أعراض عدم الاستقرار

حالة عدم الاستقرار هذه تتسم بأعراض وتأثيرات تنعكس نتائجها على الشخص نفسه وعلى الآخرين. فتأثيراتها على الشخص نفسه تتمثل في إيذاء نفسه وإضاعة طاقاته، وتعريضه لمخاطر مختلفة، وتؤدي العادات السقيمة التي تتأصل في نفسه إلى رفضه من قبل الآخرين.

أما ما يتعلق بالآخرين فيمكن القول أنّ هذا السلوك يفضي إلى إزعاج الوالدين والجيران وحتى الضيوف، لأن رغبتهم في اللعب بكل ما تقع عليه أبصارهم ، وإثارتهم للمشاكل والضجيج تؤدي بطبيعة الحال إلى كثير من الأضرار والخسائر.وهم كثيراً ما يجعلون من أجواء البيت والمدرسة أجواءً مضطربة يشعر معها الوالدان والتربويّون بانعدام الأمن والهدوء.

أظهرت التحقيقات العلمية بأن حالة عدم الهدوء والاستقرار عند الأطفال إذا تركت طليقة من غير تهذيب تؤدي بهم في المستقبل القريب وفي مرحلة المراهقة أو مرحلة الشباب إلى الاتجاه نحو الجريمة والانحراف. ومن المعروف أن قسماً كبيراً من الانحرافات الاجتماعية تقوم بها هذه الشرائح الاجتماعية. ودراسة سوابقهم وماضيهم تثبت صحة هذا الرأي.

 

وجوب التصدي والإصلاح

إن وجود مثل هذه الأعراض والأضرار تتطلب المبادرة السريعة لمعالجة وضع هؤلاء الأطفال. فليس من الجائز عقلاً ترك زمام الطفل بيده بحيث يقلق الآخرين بصخبه ويزعجهم بضجيجه.

إن الآباء والأمهات الذين يبدون تساهلاً مع طفلهم مع هذا الصدد إنما يهيئون له بعملهم هذا كل أسباب الاضطراب في حياته الحالية والمستقبلية ويمهدون له طريق الجنوح والانحراف لأن الطفل الذي يألف هذا الوضع يعتذر عليه التخلي عنه والسيطرة على زمام نفسه والتوجه نحو بلوغ متطلبات سعادته. وهذا ما يملي على ذويه اتخاذ التدابير الكفيلة بردعه منذ مطلع حياته حيث أن التصدي له في السنوات اللاحقة إما أن يكون متبعاً وإما أن يكون مصحوباً بكثير من المصاعب.

 

على طريق العلاج

الخطوة الأولى التي يجب القيام بها هي التعرف على وضعية الطفل وحقيقة معاناته من أجل العثور على الأسلوب الصحيح في معالجته. وهذا يعني وجوب الكشف عن منشأ انعدام الاستقرار، والأسباب التي تحدو بالطفل لأنتهاج هذا السلوك.

بعد التعرف على الأسباب يمكن القيام بعملية العلاج من خلال سبل شتى نشير في ما يلي إلى بعضها:

1-   العلاج الطبي: ذكرنا أن هذه الظاهرة قد تكون ناتجة عن آلام جسدية أو أمراض عصبية وما إلى ذلك. في مثل هذه الحالة يمكن للطبيب تشخيص الحالة وتحديد الأدوية ويعتمد أسلوب العلاج الطبي بشأن الأطفال الذين تشتد حالاتهم في أوقات المرض.

2-   إزالة الاضطراب والقلق: من الضروري إزالة أسباب القلق والاضطراب لكي يستعيد الطفل وضعه الطبيعي وحياته الاعتيادية. وعلى هذا الأساس إذا كان في نية الأب أو الأم معاقبة الطفل بسبب إساءة صدرت منه فلابد من الإسراع بتنفيذ تلك العقوبة وعدم اللجوء إلى أسلوب التهديد والوعيد لأن ذلك يضاعف من حالة عدم الاستقرار لديه.

3-   إشباع الطفل من المحبة والعطف: إشباع رغبة الطفل بالمحبة والعطف أمر ضروري لكيلا يتولد لديه شعور بأنه مرغم على التشبث بهذا الأسلوب أو ذاك من أجل نيل العطف والمحبة.بل يمكن القول أن المحبة أفضل غذاء روحي يضمن سعادة الأطفال وهذه الحقيقة يتفق على صحتها جميع الاطباء النفسيين، وخلاصة القول هي أن الطفل ما دام عطشاناً لمنهل العطف والمحبة فلا أمل في شفائه من هذا الداء.

4-   الاهتمام بالأطفال: يجب على الآباء والأمهات الملتزمين الالتفات إلى حجم مسؤوليتهم بشأن تربية الأطفال إذ عليهم أن يخصصوا لهم ما يكفي من وقتهم وجهدهم. صحيح أن مشاكل الوالدين لا حصر لها؛ وأن الوقت والظروف الأخرى لا تتيح لهم الاهتمام بهم، إلا أنه لا مفر لهم من الإذعان لهذه الحقيقة والاهتمام بأمرهم.

5-   توفير مستلزمات التسلية: يلزم توفير مستلزمات الانشغال والتسلية للأطفال للحيلولة دون تسرّب حالة الاضطراب والضجر إلى نفوسهم. وهذا يستدعي أن نوفر للطفل الأدوات والوسائل التي يشغل بها أكثر أوقاته. فالطفل غير قادر على تحمل الوحدة والفراغ، وغالباً ما يسعي لإيجاد الوسائل التي يتسلى بها، وقد تتحول إحدى صور اللهو والتسلية إلى ظاهرة الضجر وفقدان الاستقرار.

6-   تكليفه ببعض الواجبات والمسؤوليات: من الأفضل تكليف الطفل ببعض الواجبات والمسؤوليات الصغيرة لكي يشعر بشخصيته ووجوده ويبدي حرصه من وراء ذلك للالتزام بالضوابط والتعليمات. من جملة الأمور التي يمكن إيكالها إلى الطفل مثلاً الاهتمام بأمر الأخ أو الأخت الأصغر، وإطعام الطيور الموجودة في البيت، أو سقي الأزهار، كما ويمكن تكليفه ببعض الواجبات أو المسؤوليات البيتية الأخرى، وهذا يساهم إلى حد كبير في إلهائه ويتضمن كذلك جانباً بناءً ويحقق له موجبات الهدوء والسكينة.

7-   التقبل والحماية: من الضروري تقبل الطفل في جميع الأحوال والتعبير عن دعمه وحمايته وبالشكل الذي يشعره بالثقة والاطمئنان، ولكي يشعر بأنه ابن أمه حقاً وأن أباه يقف إلى جانبه في جميع المصاعب. يجب أن لا يطرد الطفل من البيت مطلقاً لأن الشعور بانعدام الملاذ من الأسباب القوية للاضطراب وفقدان الاستقرار بل يتحتم التعبير له عن مشاعر المحبة والاعتزاز وأن يتذوق طعم ذلك.

8-   العلاقة والتفاهم: يجب أن تبني حياة الطفل على العلاقة الطيبة والتفاهم المتبادل. فكون الأولياء مشغولين وغارقين في المشاكل ولا فرصة لديهم للاهتمام بأمر الطفل، لا يعتبر عذراً مقنعاً بالنسبة له، فهو يريد أن يكون على صلة وثيقة بهم ويقيم معهم روابط مبنية على الأنس والارتياح. إن وجود مثل هذه العلاقة يقضي على حالة عدم الاستقرار بل ويساهم أيضاً في الحيلولة دون بروز الكثير من الاضطرابات السلوكية الأخرى، وحتى أنها تعتبر من العوامل المؤثرة في تطبيع السلوك.

9-   التركيز على الإيجابيات: من جملة العوامل الفاعلة في تطبيع سلوكية الطفل استمالته بالتشجيع والتكريم. ومن الأساليب المفيدة في مثل هذا العمل التركيز على النقاط الايجابية لديه وتشجيعه عليها. لا شك أن هذا يجعل الطفل أكثر ثقة بوالديه وبنفسه ويزيل عنه عوامل الإثارة والاضطراب.

10-                      النصح والإرشاد: مما يمكن التأكيد عليه هو عدم الغفلة عن إرشاد الطفل ونصحه عند التلبس بأية حالة غير مرضية ففي كل مرة يبدي فيها الطفل صخباً وضجيجاً ينبغي تنبيهه بأن يكون أكثر هدوءاً لأن صوته يزعج الآخرين وأن سلوكه هذا خاطىء، وأنه يبتعد من خلال تصرفه هذا عن مواصفات الطفل الجيد وما إلى ذلك، لا شك أن مثل هذه النصائح مجدية إلى حدٍ بعيد في تقويم مساره الاخلاقي وتحمله على الالتفات إلى وضعه بشكل مستمر.

11-                      الإنذار والتهديد : في بعض الحالات يمكن إتباع أسلوب الإنذار والتهديد لغرض توجيه الطفل، فنحن قادرون على إرغامه على الإصغاء لإرشادات الآخرين. وإذا ما تكرر الخطأ نلجأ إلى أسلوب الانذار والتهديد مع الابتعاد ما أمكن عن أسلوب العنف وبالشكل الذي لا يترك على نفسية الطفل أية تأثيرات سلبية، كما لا ينبغي بشكل متواصل لأنه في مثل هذه الحالة يفقد تأثيره.

12-                      العقوبة: فإذا لم تنقع كل الأساليب المذكورة فلابد حينها من اللجوء إلى أسلوب العقوبة حتى وإن كان الهدف هو الردع الفوري والسريع عن السلوك المشاكس شريطة التأكد من حتمية الفائدة في تقويمه أو إصلاحه.

 

ما ينبغي اجتنابه

إن إصلاح سلوكية الطفل المؤذي والمشاكس يتطلب اجتناب بعض الأساليب والممارسات بسبب تأثيرها السلبي ونتائجها الضارة، ومن جملتها:

1-   وصمه بالمعايب: إن مثل هذا الطفل حتى وإن كان كثير الشغب ومثيراً للصخب إلا أن هذه الحالة لا تجيز لنا وصمه بأوصاف ونعوت قبيحة مثل المؤذي أو المشاغب لأن مثل هذا العمل يؤدي إلى تثبيت تلك الصفة في نفسه ويشعره بأحقيته في تصرفه هذا، فالشخص الذي يتهم بتهمة ما يتخذ في بداية الأمر موقفاً دفاعياً يحاول من خلاله تبرئة نفسه ولكنه حينما يلمس إخفاق مساعيه يتجه نحو ممارسة نفس ذلك العمل الذي يوصف به.

2-   الإفراط في العقوبة: إذا كانت العقوبة لا تتناسب مع حجم الإساءة، تساهم في الانحدار بوضعية الطفل نحو الاسوء وخاصة حينما تكون الإساءة أو إثارة الضجة نابعة من رغبته بالانتقام أو كانت بدافع الشعور بالخيبة والإخفاق. الطفل يتقبل العقوبة العادلة ولكنه إذا أحس فيها نوعاً من الجور يتجه نحو الأسوء.

3-   الضغط وإيجاد عوامل القلق: يجب علينا أن لا نضغط على الطفل من خلال حساباتنا الخاطئة، فلا نطلب منه ما يعجز عن أدائه لأن مثل هذا العمل يفضي إلى تفاقم مبررات قلقه، وحينما نطلب منه القيام بعمل ما لا نتشدد كثيراً في وجوب التمسك بالتنفيذ الحرفي، بل لابد من التسامح والتغاضي عن بعض الأخطاء والهفوات التي تصدر منه، وأن نتركه يؤدي العمل بملء رغبته.

4-   كثرة الأوامر والنواهي: يجب عدم الإكثار من الأوامر والنواهي الصادرة للطفل، ولا تكون الأوامر قاطعة وحادة وإنما يفترض أن تكون علاقتنا به علاقة الوالد بالولد لا علاقة الآمر بالمأمور، فهنالك فارق كبير بين البيت والثكنة العسكرية. والأوامر الصادرة إليه يجب أن تكون بالحجم الذي يطيقه مع اجتناب الأوامر التي نعلم بأن الطفل لا يتمثل لها أو يعجز عن تنفيذها.

5-   الغطرسة والاستبداد: إن الأساليب المستبدة في التربية قد شارفت على الزوال، فقد اكتشف الناس منذ سنوات متمادية أن الاستبداد مصيره الفشل، وهو حتى وإن كان ظاهره اليوم ناجحاً ومجدياً إلا أن نتائجه المستقبلية باهتة ومحدودة. ربما ينفذ الطفل أوامرنا خوفاً ولكن من المؤكد أنه سيضرّ بنا في موضع آخر ويعيق بعض عملنا.

ثمة نقطة أخرى جديرة بالذكر وهي أن الضغط والإكراه يؤثر سلبياً على الطفل ويقتل استعداده الطفري. والطفل الذي يؤدي الأعمال تحت إكراه الوالدين والتربويين يتحول في المستقبل القريب إلى شخص ضعيف مسلوب الإرادة.

 

إرشادات وملاحظات

وأخيراً فهنالك جملة من الإرشادات والملاحظات التي يجدر الاهتمام بها والالتفات إليها على طريق استمرار منهج الإصلاح والتربية وإزالة معوقات النضوج والتكامل، نشير في ما يلي إلى بعضٍ منها:

1-   لا ينبغي الامتعاض كثيراً بسبب وجود حالة عدم الاستقرار عند أولادكم، فليس أكثرها سوى عاصفة تهب فجأة وما تلبث أن تزول آثارها بعد أيام معدودة.

2-   بعض حالات عدم الاستقرار تعتبر جزءاً طبيعياً من مسيرة حياتهم لذا فهي لا تستدعي الحرص على القضاء عليها بالكامل.

3-   أسلوب التدقيق وإمعان النظر في سلوك الأطفال وأعمالهم وتصرفاتهم غير مرغوب فيه وإثارة استيائهم بين الفينة والأخرى عمل غير لائق ولا يمكن أن ننصح به.

4-   أسلوب العطف واللين أنجح من أسلوب الإكراه والعنف.

5-   يجب غض النظر في بعض الحالات عن أخطاء الأطفال لكيلا تدفع بهم نحو مزيد من التمرد والعناد.

6-   تجنب الكثير من حالات الغضب والفوران يجعل صورة الولي والمربي أكثر قبولاً عند الطفل وبعكسه يندفع الطفل نحو التصلب والتمادي في الخطأ.

7-   يلزم أن تكون بيئة الطفل هادئةً وخالية من عوامل الإثارة والعناد من أجل الحيلولة دون تفاقم مظاهر انعدام الاستقرار.

8-   ينبغي توفير عوامل الشعور بالإدمان والارتياح والثقة بالنفس قدر الإمكان ليكون أكثر قدرة في الوقوف على قدميه ولا يستشعر القلق من تقلب الظروف والأوضاع المحيطة به.