العنف لدى الأطفال
الكاتب الدكتور علي القائمي
تقديم:
يعد العنف دلى الأطفال في التعامل مع الأبوين، والأخوه والأخوات، وحتى مع الآخرين في الزقاق والمدرسة والشارع، من المسائل التي تعاني منها غالبية الأسر، ويتسبب في إلحاق الأذى بأولياء الأمور، بل وإحراجهم أمام الآخرين في بعض الحالات إلى درجة لا يجدون معها غدراً لتبرير الموقف.
سنتناول في هذا البحث، تعريف هذه المسألة، وإشكالها، والعوامل التي تساهم في تفاقمها بغية تشخيص السبل الكفيلة بمحاصرتها للقضاء عليها، أو معالجتها وإصلاحها، أو الحد منها على أقل تقدير.
تعريفه
يمكن القول من وجهة النظر العلمية أن العنف ميل أو نزعة موجودة لدى الفرد وتتجسد بظاهرة الضرب والقتل، والتخريب والإيذاء.
وهو كذلك بمثابة رد فعل شديد يقوم به الشخص على تصرف ما أو شيء معين.
ويبدو أن هذه المسألأة تنم عن وجود ثورة عاطفية، داخل الشخص مشاعر وأحاسيس يخشى الإفصاح عنها. أي أنه يتعذب ويتألم في داخله من أمر لا يستطيع تجاوزه، فيلجأ مضطراً إلى التنفيس عن ذلك باستعمال العنف ضد الآخرين، بل وقد يطال بعنفه حتى نفسه في بعض الحالات.
إن تصرف الشخص العنيف يوحي وكأنه يريد التضحية بالآخرين في سبل راحته، ويرضى بكل أذى وألم يلحق بالطرف الآخر إذا كان ذلك يريحه ويهدىء أعصابه. وحين تبرز لديه هذه المسألة، تستولي عليه حالة شبيهة بحالةا لمجنون أو الحيوان المفترس بحيث يفقد صوابه ولا يدري ما يفعل. وتتسبب هذه الحالة دائماً في إلحاق الأذى بالآخرين وخلق المشاكل لهم.
أشكاله
يتجسد العنف عند الأشخاص عادة على هيئة الضرب والإيذاء والتعذيب، وغير ذلك من الأفعال الأخرى الشبيهة بالميول السادية، وهي مسألة لها قالب معين إلى حد ما. وبالطبع يحصل أيضاً في بعض الأحيان، على صورة السخرية والاستهزاء بالآخرين، والتلفظ بألفاظ قاسية، والقيام بعمليات سرقة مؤذية والتمهيد للشجار.
أما بشأن الاستياء، فالعنف يحصل على شكل التخريب والتدمير وما إلى ذلك ويسعى مثل هذا الشخص إلى مواجهة كل شخص وكل شيء من أجل تحقيق مرامه حتى أنه قد يقدم على تحطيم شيء لا يزيد في الأمر ولا ينقص.
إن الأشخاص الذين ينتهجون أسلوب العنف لا يعيرون لمعايير العدل والإنصاف أدنى درجة من الإهتمام ويريدون بسلوكهم الخشن أن يجعلوا الآخرين اتباعاً لهم، يظلمونهم ويغصبون حقوقهم، ولا يعترفون لهم بحق أو مظلومية.
نوعه ومداه
يختلف نوع ومدى العنف من شخص إلى آخر؛ فهو يبدأ من حالته السطحية ذات البعد الإيذائي والتراشق اللفظي، لينتهي بالميول العدوانية الشرسة من قبيل العظ وحتى قطع اللحم من بدن الطرف المقابل.
أن جميع الذين يمارسون العنف يحاولون عادة إفراغ عقدهم بشكل كامل على الموت أو قريباً منه، وتزداد نسبة العنف وشدته لدى الأشخاص الذين لديهم عقد معينة في حياتهم نتيجة للإخفاقات التي تعرضوا لها. وبالطبع فإن التحقيقات الجارية في هذا المجال، تشير إلى أن هذه النسبة تزداد في المجتمعات المتطورة صناعياً والمتخلفة معنوياً وعاطفيا، إذ أن من شأن التطور الصناعي، وضعف بناء الأسرة والإنهماك المتواصل في الأعمال الجافة، أن تزيد من نسبة العنف بين مختلف الأشخاص.
الحدود الطبيعية
لابد من التنبيه إلى هذه النقطة ويه وجوب عدم التعجل بالحكم على الطفل واعتباره شخصاً عنيفاً بمجرد قيامه في البيت بقليل من الضوضاء أو رمي ألعابه بهذا الأتجاه أو ذاك، لأن هذه المسألة حالة معتادة بالحدود الطبيعية في حياة كل طفل.
إن المراحل الطبيعية لنمو الطفل تتطلب أحياناً قيامه باختبار قوته لمعرفة حجمه وموقعه، أو للتأكد مثلاً من درجة حب الأبوين له ومدى قدرته على فرض إرادته عليهما. ولذا ينبغي عدم الأنزعاج من هذه المسألة كثيراً واعتبارها مضرة بالطفل على المدى البعيد.
مرحلة التكوين
في الوقت ذاته، يجب الحذر من تحول العنف في مرحلة الطفولة إلى حالة يعتاد عليها الطفل وتتعمق لديه حتى تصبح عادة مزمنة. فكما ه معروف، تعدّ مرحلة الطفولة، وخصوصاً السنوات الست الأول، مرحلة تكون الفرد واكتسابه لعادات وتقاليد تبقى معه إلى فترات طويلة وقد تلازمه حتى إلى مرحلة الكهولة.
وفي رأينا، ينبغي عدم التساهل والتسامح في المواقف التي تتطلب الحزم في التربية والإرشاد. وبمعنى آخر، يجب عدم التساهل إزاء أخطاء وانحرافات الطفل إلا إذا كانت صادرة عن جهل أو دون قصد. إن الطفل عزيز علينا ومحبته تفرض علينا أن نكون حازمين في أمر تربيته.
مرحلة التفاقم
إذا لم يبادر الأبوان والمربون إلى السيطرة على السلوك العنيف لدى الأطفال منذ نعومة أظفارهم، فإنهم بلا شك يواجهون صعوبات جمة في هذا المجال في السنوات اللاحقة. حيث ستتفاقهم هذه الحالة بمرور الوقت لتبلغ ذروتها في مرحلة المراهقة، ذلك لأن شعور لافرد بقدرته يزداد في هذه المرحلة، إذ يرى نفسه قادراً على فعل كل شيء. ومن جهة أخرى، فإن الأبعاد المتعلقة بالبلوغ تؤدي بحد ذاتها إلى تفاقم هذه الحالة من العنف حيث تتضاعف همومه المستقبلية، وتستمر هذه الحالة إلى نهاية مرحلة البلوغ، إلا إذا تم تقويمها بالأساليب التي سوف نأتي على ذكرها في هذا البحث.
العنف
فيما يخص منشأ وأسباب العنف لابد من ذكر مسألتين لكل منهما مؤيدون:
1- المنشأ الغريزي والفطري: يعتقد الكثير من علماء النفس أن هذه الحالة ذات منشأ غريزي، ويذهبون إلى القول بأنها ترافق الطفل منذ ولادته. وتتجسد على صورة الحرب، والدفاع، والنزاعات الشخصية، والاشتباكات الجماعية. والميول التخريبية التي ترافقها الخشونة.
من الأسباب التي تدفع بالبعض إلى اعتبار هذه المسألة حالة غريزية هي صفتها العمومية، والالتزامات التي تترتب على الإنسان في ظلها، وأنماط التصرّف التي تأخذ طابعاً معيناً في الغالب. إلا أن كيفية حدوث هذا السلوك وتفاعله، الدوافع التي تدفع الإنسان بهذا الاتجاه لتسفر بالنتيجة عن حصول العنف، فهي مسألة ليست لها إجابة واضحة ومحددة من الناحية العلمية، لكن بعض التحقيقات تشير إلى وجود منطقة صغيرة في المخ تدعى (هيبوتالاموس)، وبمجرد حصول أي إثارة في هذه الناحية يثور المرء ويتولد لديه توجه نحو العنف.
2- المنشأ الغريزي الاجتماعي: لعل من الأصوب القول أن هذه الحالة لها منشأ غريزي اجتماعي، لأنها موجودة عند جميع الناس بشكل أو آخر وبصور خفية وظاهرة، لكنها تتفاقم بالتدريج عن طريق الاكتساب.
لا يمكن إنكار وجود العنف لدى جميع الأطفال وحتى لدى الحيوانات، إلا ان كيفية إجرائه عملياً تعد مسألة اكتسابية. فكل طفل يقوم بأفعال عنيفة عادة بالشكل الذي كان قد تعلمه من قبل وإلى جانب ذلك تترك ظروف الفشل والإخفاق، والحرمان، وسوء التربية. من قبل أولياء الأمور والمربين، تأثيراته السيئة في هذا المجال.
دلالة العنف
مهما كان منشأ العنف، يمكن القول أن وجوده يدل من جهة على مقاومة الإنسان وسعيه لبلوغ أمر يعجز عن بلوغه حالياً لأسباب مختلفة، ومن جهة أخرى، يدل حصوله على وجود حالة من القلق والإضطراب لدى الشخص تسلب منه الهدوء والاستقرار.
إن العنف لدى الناس يدل دائماً على نشوئه أثر حاجة في أنفسهم، وهذه الحاجة تارة تكون ذات بعد ظاهري آني وتارة تكون ذات بعد باطني ونفسي سابق. فقد يؤدي أي عامل، مثل رؤية الفوضى، والمظالم، والتفرقة، والتعامل الجائر وما شابه ذلك إلى إثارة أعصاب المرء ولجوئه إلى استعمال العنف.
وأحياناً يكون العامل نفسياً، حيث تؤثر العقد المكبوتة على نفسيته بشكل سلبي، وتسلبه استقراره وهدوءه النفسي، فيلجأ إلى استعمال العنف ضد الآخرين من أجل استعادة هدوئه، وفي حال عجزه عن ذلك، يقوم بتعذيب نفسه والانهيال عليها بالضرب.
الهدف من العنف
غالباً ما يحصل العنف لغرض فرض الهيمنة والتسلط على الآخرين ويسعى المرء في ظله من حيث يشعر أو لا يشعر ، لأن يهب لحياته معنى وقيمة يكسبها الخير والسعادة وإن أخطأ السبيل إلى ذلك.
وما أكثر الأماني التي ينشد الإنسان نحوها بقوة ويأمل المتخلف عنها حين يجد السبل المؤدية إليها موصدة بوجهه أن يجد طريقه إليها بنحو وآخر. إن الذين لا يجدون في أنفسهم القدرة الكافية على التحمل يندفعون دون إرادة منهم بكل الاتجاهات ويقدمون على أي فعل من أجل التعجيل في الوصول إلى الهدف.
إن استعمال العنف يجلب السكينة لمن يبحثون عن سبيل لتحقيق أهدافهم، لأن العنف ينتج عنه إحدى الأمرين:
إما إرغام المقابل على الرضوخ للشيء المطلوب، وبذلك يكون هدف الشخص قد تحقق، وإما التنفيس عن عقيدته وغضبه وهذه المسألة بحد ذاتها تؤدي إلى تسكين حالته.
ومن أهداف العنف تحقق السعادة والنجاح، وإلا فلا موجب لاستعماله بالنسبة للذين يتمتعون بمقدار كافٍ من السعادة والنجاح في حياتهم. والطفل الذي يحصل من والديه على مقادير كافية من النقود ويرى أن رغباته متحققه لا يجد سبباً يدعوه إلى المشاكسة والعناد، لكن من لا يجد سبيلاً لتحقيق رغباته في هذا المجال يلجأ إلى أسلوب العنف.
حالات ظهوره
لا يظهر العنف لدى الفرد إلا إذا تعرضت مصلحته إلى الخطر، وتهددت رغباته في الحياة. ونلاحظ هذه الحالة بوضوح لدى الأطفال بشكل خاص حيث تظهر الوداعة والهدوء والارتياح عليهم ما دامت الأمور تجري وفق رغباتهم ولا يجدون ما يحول دونها، لكنهم ما أن يلاحظوا أن هناك من يعترض سبيلهم أو يشعرون أنه يحول بينهم وبين ما يرغبون في تحقيقه ينفعلون ويستعدون للشجار والعنف ويعبرون عن رد فعلهم على ذلك بالغضب، وكذلك الذي يتعرض لضغوط وعقد نفسية يسعى إلى تفريغ عقدته بأية ذريعة.
ازدياد العنف
أولاً: يزدد العنف لدى الذكور أكثر منه لدى الإناث. فيتخذ الطابع الهجومي القوي عند الذكور، بينما يتخذ لدى الإناث طابع الهدوء والاستبسلام أكثر..
ثانياً: أن الأطفال الذين لم ينالوا قسطاً كافياً من العطف والحنان وعاشوا أنواعاً من الحرمان في حياتهم، أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة من غيرهم كما وتشير التحقيقات العلمية بهذا الشأن إلى أن العنف يزداد عند الأنماط التالية:
- عند أولئك الذين لم ينالوا قسطاً كافياً من العناية الصحية.
- عند أولئك الذين يعانون من الوساوس والقلق والاضطرابات.
- عند أولئك الذين ليسوا أهلاً لإدارة شؤون أنفسهم، ويعجزون عن السيطرة على تصرفاتهم.
- عند أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنه ولا قدرة لهم على تحمل أوضاعهم.
- عند الأشخاص الذين ينظرون إلى الحياة نظرة اشمئزاز، ويسيئون الظن بالآخرين.
- عند الأشخاص الذين يعيشون في أجواء النزاع والشجار المستمر سواء في بيوتهم أو في مواضع أعمالهم.
- عند أولئك الذين يتصورون أن حياتهم في خطر، وأنهم على وشك النهاية.
- وعند أولئك الذين يرون أن شيئاً عزيزاً جداً لديهم يوشك أن يُفقد.
أعراض العنف
مع أنه من الصعب ملاحظة هذه الحالة وتمييز الشخص العنيف عن غيره في كثير من الحالات، إلا أنه يمكن في ذات الوقت تشخيصها لدى كثير من الناس من خلال الملامح التي ترتسم على وجوههم وهيئاتهم خصوصاً عندما يواجهون مسألة يكرهونها ومن هذه الملامح: حدة النظر، والعظ على النواجذ وانعقاد الجبين، وانتفاخ الأوداج، واتخاذ وضع التهيؤ للهجوم والانتفاض.
وعند الاستعداد للممارسة العنف، يعض الشخص شفتاه، وقد يحبس أنفاسه أحياناً لكي يقوم بحركة ينقض بها على خصمه وينفس بواسطتها عن عقدته ومثل هذا الشخص، لا يكون في وضع طبيعي حين القيام بذلك، ويرافق حالته شدة درجة النبض وارتفاع ضغط الدم، واشتداد سرعة التنفس، وتقلص عضلات الجسم، والقلق والاضطراب، والاختلاف في عمل الجهاز الهضمي، وفقدان الشعور إلى درجة لا يحس معها بألم الصدمات التي يتعرض لها.
مضار العنف
بالإضافة إلى ذلك، فقد يتسبب العنف في أضرار بنفس الشخص وبالآخرين. فالأضرار التي تلحق بنفس الشخص في هذا المجال، هي الآثار والأعراض التي ذكرناها آنفاً أما بالنسبة للآخرين الذين يوجه إليهم العنف، فإنهم يكونون عرضة للضرب، والإيذاء، واللوم والتحقير، والاستهزاء و ... الخ من الممارسات العنيفة.
فوائد العنف
ليس العنف شراً خالصاً أو ضرراً مطلقاً في كل الأحوال بل إنه يحتوي على بعض النقاط الإيجابية والمفيدة أيضاً.
فمن الناحية الخلقيه، لا توجد بالأساس غريزة سيئة بذاتها، بل كل الغرائز تصب في مصلحة الإنسان في المحصلة النهائية أما الأضرار المتأتية من هذه الغرائز، فإنها تحصل فقط في الحالات التي تتجاوز فيها الغريزة حد الاعتدال بسبب عدم السيطرة عليها أو استثمارها وفق الضوابط والمعايير العقلية.
ومن هنا، يمكن القول أن وجود العنف قد يُلجأ إليه لعدة اعتبارات منها:
- الحفاظ على النفس والدفاع عنها.
- الحفاظ على بقاء النوع الإنساني من خطر الأعداء.
- ضمان النجاح وتحقيق الأهداف المنشودة.
- الوقوف بوجه ك ما هو قبيح وغير عقلائي.
- الحفاظ على النظام وبقاء المجتمع الذي نعيش فيه.
- وبالتالي من أجل الدفاع عن الوطن والمبدأ والعقيدة وصيانة العرض.
ضرورة ضبط الحالة
المهم هو ترويض هذه الحالة أو الغريزة وليس القضاء عليها؛ فنحن لسنا بصدد إخمادها والقضاء على آثارها ، أو تهذيب الطفل منها، إذ أننا لا نبغي جعل الطفل شخصاً خاملاً لا يكترث لشيء بل لابد من وجود قسم من هذه الانفعالات والتوترات العصبية من أجل أن نثبت بواسطتها إنسانيتنا. وندافع عن حرياتنا، لنزيل الموانع والعقبات التي تعترض سبيلنا.
إننا نعتقد أن للعنف، في مواقف كثيرة من حياتنا، فوائداً عديدة شريطة أن نسيطر عليه ولا ندع زمامه يفلت من أيدينا. إن هذه المسألة بحاجة إلى مربي يوجهها توجيهاً صحيحاً. ويحذر الأطفال من آثارها وعواقبها الوخيمة.
دور الأسرة
تلعب الأسرة دوراً أساسياً في هذا المجال خصوصاً وإن الطفل يحاول في مرحلة النمو إبراز شخصيته في البيت من خلال التأسي والاقتداء بسلوك والديه وطريقة حياتهما، وكيفية اتخاذ المواقف إزاء مختلف القضايا.
فما لم تتم إصلاح سلوك الوالدين وما لم تتم السيطرة على المشاكل في العائلة وضبطها لا يمكن إصلاح سلوك الأطفال. يجب على من لديهم أطفال يتسمون بصفة العنف وتزعجهم هذه الحالة أن يصلحوا أوضاعهم أولاً، ومن ثم يبادروا ثانياً إلى الحؤول دون حصول العوامل التي تثير حفيظتهم وتدفعهم إلى استعمال العنف.
للأم دور مهم في إصلاح الأولاد؛ فإذا لم تبالغ كثيراً في دلالهم، وبذلت المزيد من الرعاية لم يتصف بهذه الخصلة منهم فإن كثيراً من الصعاب يمكن أن تحل في حينها. وبالطبع يمكنها أيضاً استشارة ذوي الخبرة والصلاح في شؤون التربية. لأجل التزود منهم بأساليب التربية الناجحة ولمعرفة نوع التعامل المطلوب أزاء هذه الحالات
عوامل وأسباب العنف
قبل اتخاذ أي إجراء لإصلاح نزعة العنف لدى الأطفال، يجب الاهتداء إلى معرفة العوامل والأسباب المؤدية إليها، وبخلافه لا يمكن معالجتها بأي شكل من الأشكال، ومهما بُذلت الجهود والأتعاب في هذا السبيل. هناك الكثير من المعالجات التي وضعت لهذه الحالة دون أن تكون ناجحة ومفيدة بسبب الجهل بالأسباب والعوامل الكامنة وراءها.
سنسعى في هذا البحث إلى الإشارة لأهم العوامل والأسباب على أمل أن يتمكن أولياء الأمور والمربين من مكافحتها والحيلولة دونها قدر الإمكان:
1- العوامل الوراثية: العامل الوراثي من أهم العوامل المؤثرة في العنف لدى الأطفال بمعنى أن كثيراً من نواحي حياة الوالدين والأجداد وكذلك الأبعاد الخلقية والخُلقية والنفسية الموروثة فيهم تنتقل إلى الأبناء.
فنحن نعرف أن هناك بعض الأمراض تنتقل من الآباء إلى الأبناء بالوراثة، وكذلك هو الحال بالنسبة للسلوك الأخلاقي وبالطبع أنها تنتقل- أيضاً – في حالات كثيرة عن طريق التربية والاكتساب. وبطبيعة الحال يمكن للتربية الحازمة أن تغطي على التأثيرات الوراثية للفرد.
2- الطبع المزاجي: يعيش بعض الأطفال وضعاً نفسياً خاصاً يبدون إزاءه وكأنهم ليسوا مؤهلين لضبط النفس، وذلك بسبب التجارب المريرة والأمراض الشديدة التي تعرضوا لها، وفقدوا على أثرها قابلية التحمل والصبر على أبسط المسائل التي يواجهونها. فتراهم ينزعجون ويندفعون إلى ممارسة العنف والتراشق لأدنى مقاطعة لكلامهم أو لتأخير في الأستجابة لطلباتهم ورغباتهم. ولا شك هنا في وجوب إنتهاج أسلوب المسامحة والصفح في التعامل مع أمثال هؤلاء.
3- المرض النفسي: الكثير من أفعال العنف تصدر من الطفل بسبب عدم فقدانه الوضع النفسي الطبيعي، وكونه يعاني من آلام نفسية داخلية تؤثر على صبره وتحمله بشكل سلبي من قبيل الكآبة، والوسوسة، والاضطراب. وأحياناً قد تكون هذه الحالة وليدة ميول تخريبية لدى الأشخاص أو أوهام وتخيلات أو ناتجة عن شدة الحرمان.
4- أسلوب التربية: وأحياناً يكون العنف نتيجة طبيعية أساليب التربية المغلوطة التي تتبع مع الأطفال. فالأطفال المدللون كثيراً من قبل آبائهم يتوقعون أن يستجاب لكل طلباتهم ورغباتهم. وبطبيعة الحال عندما يرون أنفسهم في وضع لا يستجاب فيه لطلب من طلباتهم يثورون ويلجأون إلى العنف وعلى أية حال، فإن من شأن التربية الخاطئة، خصوصاً في مرحلة الطفولة، أن تترك آثاراً سيئة في هذا المجال.
5- الاكتساب العائلي: إن الأطفال الذين يشاهدون مشاجرات أبويهم على نطاق الأسرة، ويتعلمون منهما دروساً في الاستهزاء والاستصغار، ويلاحظون إيذاء بعضهما للآخر، ويرون تسلط القوي على الضعيف في البيت، يحاولون تطبيق هذه الأشياء بشكل أو آخر في تعاملهم مع الآخرين، تجدر الإشارة إلى أن التصرفات الخشنة للأدب وسلوكه الإنفعالي يتركان آثاراً سلبية جداً على مستقبل الأطفال.
6- الخلافات العائلية: يؤدي ابتعاد الاطفال عن أجواء الأسرة بسبب خلافات الأبوين وافتراقهما لمدة طويلة إلى إصابتهم بحالة من القلق والإندفاع إلى ممارسة العنف. فالطفل يعتبر هذه المسألة ظلماً وإجحافاً بحقه من قبل والديه، فإذا عجز عن التصدي لها يحاول في المقابل عدم الخضوع للآخرين والمبادرة إلى التمرد والعصيان والعنف إزاء أوامرهم وتوجيهاتهم.
7- العامل الاجتماعي: إن الذين يعيشون عادة في أجواء بعيدة عن الألفة والانسجام، ويسودها الشجار والعنف، والظلم والجور، يصابون بهذه الحالة ويحاولون التعبير عن غضبهم وأحقادهم عن طريق استعمال العنف.
8- العامل الثقافي: ومن جملة العوامل التي تلعب دوراً فاعلاً في إيجاد حالة العنف واستفحالها هي القصص والأفلام والعروض المسرحية، والامثال السيئة والفنون الرياضية و ... التي تدور حول العنف.
فما أكثر الأفلام التي تمجّد القوة والعنف وتوحي بأنهما أشياء جديرة بالاحترام والتقدير وتدفع الأطفال إلى محاكاتها والتشبه بها. وكذلك هو الحال مع بعض الألعاب، والممارسات الرياضية من قبيل الملاكمة أو المصارعة المنحرفة التي تؤدي إلى قساوة القلب والعنف لدى الفرد.
9- العامل الاقتصادي: وفي بعض الحالات يؤدي النقص والحرمان الاقتصادي إلى العروج نحو العنف. فالطفل الذي يشاهد دائماً أنواع الأطعمة والفواكه واللعب، ويرى نفسه عاجزاً عن توفيرها واقتنائها. يشعر بالحقد تجاه القادرين على توفيرها وتتولد لديه رغبة لاستعمال العنف ضدهم. ومن ثم فبإمكان أولياء الأمور والمربين أن يحولوا دون هذا السلوك إلى حدود كبيرة وذلك بإعطاء الطفل وعوداً بشرائها، أو بتزويده بنقود يدخرها بالتدريج من أجل شرائها في المستقبل. إن من الخطأ الفادح في هذه الحالة قمع الطفل وتأنيبه في نفس الوقت الذي لا يتم له توفير الشيء الذي يريده ويرغب به.
10- عوامل أخرى: ومن العوامل التي تساهم في إيجاد هذه الحالة لدى الطفل، يمكن الإشارة إلى الاخفاقات، والتحقير والاستصغار المستمر، ومشاهدة البرامج التي تدور أحداثها حول العنف، وعدم النضوج الفكري والنفسي وعمليات التحريض والترغيب المفرطة من قبل الآباء والمربين التي تأخذ طابع الاستيلاء وفرض الرقابة الصارمة على الطفل، وإيجاد الأرضية للتوقعات الكثيرة، والضرب بقساوة وغيرها من المسائل التي نمتنع عن شرحها وتفصيلها رعاية للإيجاز.
العوامل المشددة
لابد من الإشارة في هذا المجال إلى العوامل التي تساهم في تشديد هذه الحالة لدى الأشخاص وهي على النحو الآتي:
- الحرمان من عطف وحنان الوالدين والمربين.
- الجهل بمشاعر وأحاسيس وتوقعات الطفل وعدم أخذها بنظر الاعتبار.
- عدم الاكتراث بالاطفال وتجاهلهم في الحالات التي يكونون فيها بحاجة إلى العطف والاهتمام.
- فرض المشاكل الذاتية على الطفل والطلب منه للعمل على حلها.
- تطبيق أوامر انضباطية صعبة على الأطفال في البيت والمدرسة.
- وجود الأمراض المزمنة خصوصاً تلك التي تؤلم الطفل.
- التلاعب بمشاعر واحاسيس الطفل عن طريق الاستهزاء.
- وبالتالي حرمانه من شيء يحبه كثيراً أو الحيلولة دون الوصول إليه.
ضرورة الإصلاح
لاشك في أن كل أب حريص، وكل مرب واع يسعى للقضاء على هذه الحالة عند الأطفال فضلاً عن أن هذه المسألة تعد ضرورة تربوية تقع مسؤوليتها على أولياء الأمور والمربين، ولها أهميتها من الناحيتين الفردية والاجتماعية أيضاً:
1- من الناحية الفردية: يجب إصلاح نزعة العنف لدى الشخص، لأنها سلوك خاطيء غير سليم علمياً وأخلاقياً، وتؤدي إلى إلحاق الأذى والضرر بشخصيته. ففي حال عدم السيطرة على هذه الحالة عند الشخص، فإنها تؤدي به في المدى البعيد إلى نبذ المجتمع له وتجنب التعامل معه.
إن الشخص العنيف يتالم ويتعذب نفسياً من الوضع الذي هو فيه والسلوك الذي يسلكه . والضغط النفسي الذي يعاني منه الشخص أثناء الإقدام على العنف – الكآبة والقلق، ضغط الدم، سرعة النبض – ليس بالشيء الذي يمكن تجاهله بسهولة. ومن شأن هذه الحالة إذا استمرت، أن تؤدي إلى عواقب وخيمة.
2- من الناحية الاجتماعية: من الضروري إصلاح هذه الحالة من الناحية الاجتماعية أيضاً، لأن من يميلون إلى العنف لابد وأن يدفعوا الثمن في المستقبل على الصعيد الاجتماعي. إذ أن أعضاء المجتمع لا يحتملون دائماً عنف هؤلاء، ومن الوارد جداً أن يواجهوا عنفهم بعنف مماثل ويلحقوا بهم الأذى والضرر.
هذا جانب، كما وتكتسب هذه المسألة أهميتها أيضاً من الناحية ضرورة سيادة الأمن والعدل في المجتمع. لأنه إذا تقرر أن يؤذي القوي الضعيف، أو يعتدي على كرامة الآخرين ويسخر منهم بالاعتماد على قوته، فإن الحياة تصبح صعبة وغير مستقرة.
فمن أجل أن تكون الحياة الاجتماعية متوازنة، فنحن بحاجة إلى ان نحفظ حقوق الآخرين في التعايش بحياة هادئة وآمنة وهذه المسألة تتنافى مع العنف. ومن هنا فلابد من الحيلولة دون عنف الاطفال وعدم السماح لهم بإيذاء الآخرين؛ لأنه بخلاف ذلك فإن مواصلة الحياة بهدوء وأمان تصبح مسألة مستحيلة.
على طريق الإصلاح والسيطرة
يجب الالتفات إلى النقاط الآتية قبل كل شيء في سبيل السيطرة على العنف وإصلاحه:
1- لاستعمال الشدة والغلظة لردع ظاهرة العنف عند الأطفال فوائد قليلة وأضراراً كبيرة، لذا ينبغي القيام بهذه المهمة بشكل تدريجي وودي لأنه قد يلجأ الطفل في حالات كثيرة إذا ما منع بشدة، إلى تغيير اتجاه عنفه نحو الآخرين.
2- يجب تحويل اتجاه العنف لدى الطفل إلى اتجاه آخر لا ينجم عن أضرار ويسكن غضبه بواسطته وذلك من أجل أن ينضج فكرياً ونفسياً بالتدريج.
3- للحؤول دون السلوك الخاطىء للطفل ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار هذه المسألة وهي أن أعمال الخشونة والغلظة مع الطفل – خصوصاً الطفل المدلل – من شأنه أن يؤدي به إلى الإصابة بالكآبة والإحباط والشعور بالتعاسة والألم، وإطلاق الآهات وذرف الدموع الغزيرة، لذا ينبغي التعامل مع هذه الحالة بمزيد من اللين والمرونة قدر الإمكان.
4- على أية حال، لابد من الحذر من تعويد الطفل على العنف والخشونة في التعامل مع الآخرين، وإفهامه بأنه لا يمكن له أن يحقق غاياته عن هذا الطريق.
طريق الإصلاح
توجد طرق كثيرة للإصلاح في هذا المجال. نشير فيما يلي إلى نماذج منها في الحدود العملية القابلة للتنفيذ بالنسبة للأسرة:
1- التوعية: من المهم جداً توعية الطفل وإفهامه بأن لا يمكن تحقيق الهدف عن طريق العنف والقوة، والتوضيح له بأن امتلاك القوة شيء حسن لكن استعمالها بشكل همجي مسألة مرفوضة وغير صحيحة. إننا بحاجة إلى تأكيد هذه المسائل وتركيزها في أذهان الأطفال من خلال الترديد المستمر والمتواصل ها.
2- التثقيف: ينبغي عدم الغضب عند قيام الطفل العنف وزجره بغلظة وشدة، لأن هذه الطريقة تترك عليه تأثيرات سيئة على المدى البعيد رغم فائدتها الآنية، وإنما يجب السعي لمعالجتها عن طريق التثقيف والتوعية بواسطة سرد القصص والامثال والحكم وما إلى ذلك من مسائل.
3- الحقوق والواجبات: عن من ضرورات الحياة معرفة الناس لحقوقهم وواجباتهم تجاه بعضهم وإدراك حدودهم في التعامل مع الآخرين؛ وذلك لئلا يتوهم البعض بأن على الآخرين أن يتحملوا كل ما يصدر منه من تصرفات. أن أكثر التصرفات الخاطئة تصدر بسبب الجهل في الحقوق والواجبات. ومن شأن معرفة هذه الحقوق والواجبات والاقتناع بها أن تخلق التأثيرات الإيجابية في هذا المجال.
4- التربية: يجب إيقاف الطفل على ما هو خطأ وما هو صائب من السلوك. والتوضيح له بأن العنف مرفوض لابد من تجنبه ابتداءً والاعتذار عنه في حال حصوله.
5- رفع الحرمان: قلنا فيما سبق أن من الأسباب المؤدية إلى انتهاج العنف هو الحرمان؛ لذا لابد من العمل على رفع هذا العامل بشكل وآخر فذلك مما يساهم مساهمة فعالة في تحسين سلوك الطفل.
6- العلاقات الحميمة: يمكن إعداد الأرضية الإيجابية للإصلاح عن طريق إقامة علاقات حميمة ووثيقة مع الطفل، وشرح الأبعاد القبيحة للعنف عند ممارسته.
7- غرس المحبة: يمكن غرس بذور المحبة والرأفة في قلب الطفل عن طريق الإرشاد والتوجيه وذكر النقاط الإيجابية الموجودة عند الآخرين توعيته إلى أن مثل هذه التصرفات الخاطئة ان تبعده عن الآخرين وتوعية إلى ان مثل هذه التصرفات الخاطئة أن تبعده عن الآخرين.
8- إشغال الطفل: من شأن الفراغ وعدم الانشغال بعمل ما أن يدفع المرء نحو العنف؛ لذا لابد من إشغال الطفل بعمل لا يجد معه فرصة للتشاجر مع الآخرين.
الاحترازات الضرورية
فمن أجل الحفاظ على الطفل وإصلاحه وإبعاده عن المخاطر والاضطرابات، لابد من الأخذ بنظر الاعتبار المسائل الآتية:
1- تجنب العنف: إذا كنتم تعدون أسلوب العنف عملاً مرفوضاً ينبغي أن لا تمارسونه أمام الطفل. وكذلك ينبغي منع الأبناء من مشاهدة البرامج التي تدور حول العنف، أو قراءة القصص البوليسية العنيفة.
2- عدم الاكتراث بالعناد: الكثير من الأطفال يحققون مطاليبهم بواسطة العناد والمشاجرة والعنف فيعتادون على ذلك ويسعون دائماً إلى اتخاذه وسيلة لتحقق مآربهم ومن هنا يجب معالجة هذه الظاهرة عن طريق عدم الاكتراث وتجاهل عناد الطفل وإصراره.
3- تجنب الغضب: يجب على أولياء الأمور تجنب الغضب قدر الإمكان إزاء تصرفات الأبناء، والعمل على معالجة الأمور بهدوء.
طرق التقويم
هناك طرق عديدة لتقويم هذه الحالة والحؤول دونها، سنتناول فيما يلي أهمها:
1- تغيير اتجاه العنف: يجب عدم السماح للطفل باستعمال العنف ضد الآخرين، والعمل على توجيه غضبه وجهة أخرى، كان يعطي دمية أو لعبة مستهلكة ويترك لكي يفرغ عليها جام غضبه.
2- الألعاب العسكرية: في بعض الحالات يمكن الاستفادة من الألعاب العسكرية في سبيل ضبط وتعديل هذه الحالة. فلقد أثبتت بعض التجارب جدوى وفائدة هذه الألعاب في إصلاح هذا السلوك لدى الأطفال إلى حدود كبيرة.
3- المواساة: على الوالدين والمربين تقديم المساعدة لمثل هكذا طفل من الناحية النفسية، بملاطفته وإبداء الاستعداد لمساعدته والاستفسار عما يؤذيه ويدفعه إلى القيام بمثل هذه التصرفات و ....الخ وبالتالي كسب ثقته والمبادرة إلى علاجه.
4- المبادرة: من الممكن إصلاح من اعتادوا ممارسة العنف، أو توجيه حالتهم وجهة أخرى إلى حد ما عن طريق المبادرة إلى الاشتغال ببعض الأعمال من قبيل الأعمال العسكرية والرياضية والقصابة، وحتى الفلاحة، والنجارة وما شابه ذلك.
5- العقوبة: وبالتالي ينبغي اللجوء إلى الضرب الخفيف في بعض الحالات. فالطفل الذي لا تؤثر فيه الأساليب المذكورة ويمعن في إيذاء الآخرين وإلحاق الأذى بهم باستمرار، لابد من اللجوء معه إلى الضرب الخفيف في موارد معينة. وذلك كي يعرف معنى الألم والعنف والإيذاء، وعلى أية حال ، يجب الاحتراز من اللجوء إلى أسلوب الضرب في غير موضعه.