السلوك السوي والسلوك غير السوي
الكاتب الدكتور علي القائمي
نتطرق في بحثنا هذا إلى الحديث عن كيفية إيجاد نوع من التواؤم والانسجام بين الناس وبين أحد هذه النظم، حيث يعتقد علماء الاجتماع أن الشخص الذي ينسجم مع نظام معين شخص سوي وطبيعي، أما الذي لا يتواءم مع نظام ما فهو شخص غير سوي ومشاكس ومنحرف.
ويبدو من المناسب أيضاً أن نبين هنا مفهوم الانسجام والمشاكسة من وجهتي نظر علم الاجتماع وعلم النفس لنتمكن من تحديد المسار والمنهج الذي نسلكه وننتهجه.
يرى علماء الاجتماع أن كلمة المشاكسة تطلق على الشخص الذي لا يقدر أو لا يرغب بمسايرة أكثرية أفراد المجتمع أو الانسجام معهم بدون الخوض في كون الاكثرية على الحق أم على الباطل.
يقف المشاكسون عادة عند قطبي الحياة الاجتماعية والتجمّعات الإنسانية؛ فعند أحد القطبين تقف فئة الأشخاص الذين يمارسون الجريمة والفساد، وهذا ما يجعلهم في معزل عن سائر أفراد المجتمع، وعند القطب الآخر تقف فئة المفكرين الذين يعاكسون المسير المغلوط للمجتمع، أو يوجهونه نحو التحرك والثورة لتغيير الأوضاع السيئة.
ترى نظرية العقد الاجتماعي أن جميع الأشخاص الذين ينهضون بعبء الثورات ويزيحون الأنظمة الفاسدة أو يقفون بوجه المسار الطبيعي للمجتمع، تُطلق عليهم صفة المشاكسة والتمرّد مع أنهم لا يعتبرون من وجهة نظر الأخلاق الدينية أشخاصاً منحرفين.
أما علماء النفس فيطلقون كلمة المشاكس على الشخص الذي لا يتمتع بالتوازن النفسي. أو كما يعبّر عنه علمياً بفقدان الوحدة بين أبعاد الشخصية؛ فلسانه ينطبق بما لا يقرّه القلب، وتمارس اليد فعلاً يستنكره الفكر والعقل. واستناداً إلى هذه الرؤية فكل مجتمع يغُضُّ بالأشخاص المشاكسين.
نواجه في مجتمعنا من الناس الذين يفعلون خلاف ما يقولون وحين يتم مكاشفته بالنقد يدعي بأنه قد غلبه الحياء وهذا معناه انعدام الوحدة بين الفكر والعمل. ومن الطبيعي أن يُدعي مثل هذا الشخص بأنه شخص غير طبيعي ويوصف في بعض الحالات بالانحراف والجنوح.
المسألة المطروحة على بساط البحث
المسألة التي تستأثر بالاهتمام هنا هي وجود أطفال واحداث ينعدم لديهم الإنسجام بين أبعاد شخصية كل واحد منهم من الناحية السلوكية مع الاتجاهات الفكرية والنفسية، فيمكن القول أن شخصياتهم مصابة بالاختلال والانحراف.
تنتشر مثل هذه الانحرافات في سائر المجتمعات وبصور شتى. فقد تكون احياناً على شكل تجاهل لتعاليم الأسرة، وقد تكون أحياناً اُخرى على هيئة أعراض عن القيم والقوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وتتجسد مظاهرها في ما نلاحظه ونسمع به من جرائم واعتداءات وعمليات سطو ونهب. فما تتسم به بعض فئات المجتمع لا يقتصر في حقيقة الأمر على جماعة دون أخرى، كما لا يختص بمجموعة من الناس دون غيرهم.
دلالات الأنحراف
ولكن ما هو السبب في انتشار الانحراف في مجتمع ما؟ وما هي دلالاته؟ يمكن تقديم عدة أجوبة على هذا السؤال، إلا أن أكثرها أهمية هو:
1- ضعف الرقابة : أي أن انتشار هذه الظاهرة دليل على ضعف الرقابة الخارجية (كالشرطة وأجهزة الرقابة الاجتماعية)، وفيه أيضاً دلالة على ضعف الوازع الداخلي (كالإيمان بالمبدأ والمعاد والحساب والكتاب)، أي أن نظام الرقابة والردع الذي تنتهجه المدرسة والبيت ضعيف وقاصر عن أداء الغرض.
2- ضعف البناء الفكري والعقائدي: وتدل هذه الظاهرة أيضاً على اهتزاز البناء الفكري الاجتماعي لأبناء المجتمع، وانعدام أجهزة الأرشاد والتوجيه فيهن أو أن دورها ضعيف وغير نافذ في جوانب الحياة.
3- عدم سيادة القانون: ومن الدلالات الأخرى لوجود الانحراف هي أن القانون الاجتماعي لا يحظى بالقداسة اللازمة أو أنه غير قابل للتطبيق، أو عدم معرفة الناس بالقواعد والقوانين الموجودة في مجتمعهم لأن كل واحد منهم مشغول بنفسه ومنطوٍ على ذاته.
4- انعدام التوازن النفسي: وقد تكون هذه الحالة في بعض الأحيان انعكاساً لفقدان التوازن وتَنُم عن عدم سيطرة الناس على قواهم النفسية بسبب التحلل المطلقة أو بالعكس بسبب شدة الضغط والكبت.
ومهما تكن نتائج الجنوح والأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، وبغض النظر عن مدى تفشيها في ذلك المجتمع فإنها تؤدي في نهاية الأمر إلى عدم تطبيق الأمور كما ينبغي. وهذا ما يؤدي إلى اختلال عمل المؤسسات والدوائر، وضياع الأصول والضوابط الإدارية، واستشراء الجرائم والتحلل الفكري، والانحطاط الاجتماعي.
أو أنها – كما يشير علماء النفس – لا ينجم عنها سوى كثرة المشاكل وزيادة المعضلات الاجتماعية، ذكرنا سلفاً أن الانحراف أو الجنوح لا يقتصر على مكان دون آخر، ولا يختص بزمن أو بلدٍ دون سواه. بل هو مسألة عالمية ذات طابع شمولي، تتفاوت شدة وضعفاً بتفاوت الثقافات والمجتمعات المختلفة، ويشمل الصغار والكبار على حد سواء.
الأعمار المعروضة على بساط البحث
لا بأس بالحديث أولاً عن مراحل العمر المختلفة؛ إذ أن الإنسان يمر من مطلع ولادته وحتى سنوات الشيخوخة بمراحل مختلفة لكلٍ منها سماتها الخاصة.
1- المرحلة التي يُعبر عنها بدور الطفولة وتشمل في رأينا سنوات الطفولة حتى نهاية السنة الثانية عشرة من العمر؛ وتضم طبعاً أربعة مراحل وهي: الطفولة الأولى (إلى السنة الثالثة من العمر)، والطفولة الثانية (حتى السابعة) والطفولة الثالثة (حتى سن التاسعة) والطفولة الرابعة (وتمتد حتى نهاية السنة الثانية عشر).
2- مرحلة المراهقة وتبداً مع نهاية الثانية عشر (تبدأ غند الفتيات قبل هذا السن بسنة أو سنتين) وتستمر حتى بداية سن البلوغ (وأي ما يقارب 14 عاماً بالنسبة للفتيات و 16 عاماً بالنسبة للفتيان). ومن الطبيعي أن تلاحظ الكثير من الاضطرابات خلال هذه الفترة، وربما يتأخر البلوغ عند الفتيان حتى سن السابعة عشر.
3- مرحلة البلوغ وتبدأ من مرحلة النضوج الجنسي (العادة الشهرية بالنسبة للفتيات، والاحتلام بالنسبة للفتيان) وتستغرق فترة تتراوح بين السنة والسنتين حتى تبلغ ذروتها.
4- المراحل اللاحقة وتشمل دور الشباب، ومتوسط العمر وفترة الكبر (الكمال) والشيخوخة، وتنتهي مراحلها بالنسبة للناس العاديين بالموت.
أما الموضوع الذي نتناوله بالبحث في هذا المقام فهو انحرافات الأطفال والأحداث ولا نتجاوزها إلى مرحلة البلوغ إلا في القليل النادر.