التمرّد والعناد عند الاطفال

تقديم:

إن حالة التمرّد والعناد تعد من جملة أنواع السلوك المضطرب التي تلاحظ عند الكثير من الأطفال وتنم عن مشاعر النفور والكراهية للوالدين وبقية الأشخاص المحيطين بهم.

نعرف الكثير من الأطفال الذين يتخذون مواقف مخالفة للأوامر والنواهي الصادرة من الوالدين ويتمرّدون عليها فيحولّون بذلك حياتهما إلى جحيم.

قد تنبثق هذه الظاهرة عن وعي وإرادة حيناً أو عن وعي حيناً آخر، أي أن تكون على هيئة العادة، وهي في الحالتين تعكس الوضع غير الطبيعي للأطفال وهذا ما يستلزم بدراسة شاملة لمجمل حالتهم لغرض التحكّم بسلوكهم.

 

وصف سلوك المعاندين

للأطفال المعاندين سلوك خاص لا يتطابق – في جميع الأحوال – مع السلوك الطبيعي. ومن جملة المظاهرة المميزة لسلوكهم ما يلي:

1-   إيذاء العناد والتمرّد على الأوامر والتعبير عن عدم الرضا إزاء بعض الأمور حتى وإن كانت موضع اهتمامهم ورغبتهم.

2-   حينما يرغبون بالحصول على شيء ما، يعبّرون عن ذلك بالبكاء ويحاولون الحصول عليه بأية طريقة ممكنة.

3-   عندما يلمسون رفضاً من الوالدين لمطاليبهم يتمرغون في الأرض ويكثرون من النحيب ويتعمدون إزعاج الآخرين، وبعد تحقيق رغبتهم ينقلب الموقف إلى هدوء تام وكأنَّ شيئاً لم يكن.

4-   يبدون الاستهزاء أحياناً بأوامر الوالدين ويسخرون منها تعبيراً عن حالة العناد إزاءها.

5-   حالات العناد هذه تكون مصحوبة احياناً بالضرب والعض والتخريب والصخب والعدوانية وبشكل لا تجدي معه نفعاً إرشادات ونصائح الوالدين.

6-   قد يتمثل العناد أحياناً بالإضراب عن الطعام أو العبث عند النوم أو على هيئة الاعتداء على الضيوف أو على المضيّف، وقد ينام جائعاً أو حزيناً على أن لا يستسلم لآراء الآخرين.

 

صفات الأطفال المعاندين

الطفل المعاند متمرد وعصبي، كثيراً ما يثير الضجيج والصخب فيحوّل حياة والديه إلى عناء وعذاب. يبدي لهما التحدّي والرفض لجميع مطالبهما.

يتسم الطفل المعاند بالنزق وسرعة الغضب لأي سبب ولأدنى إثارة ليبدأ بعدها بالإزعاج والأذى فيقوم بركل الأرض برجله ويتمرغ على الأرض ويبكي بشدّة ثم يفرغ ما يعتمل في نفسه على رؤوس الآخرين، وإذا عجز عن ذلك يفرغ غضبه على ما تناله يده من الأدوات ووسائل اللعب.

غالباً ما يعمد الطفل المعاند إلى تجنب الانعكاسات الناتجة عن تمرده وعناده فيتظاهر بالبراءة ويختلق لنفسه الأعذار والتبريرات، ويظهر وكأن والديه قصرا بحقه وتسبب في إيذائه.

 

جذور العناد

ينبثق عناد الطفل عادة من شقائه، والطفل المعاند إنما يعبر في حقيقة الحال عن وضع غير طبيعي يمر به، وهو على هذا الأساس راغب بممارسة عمل وفق إرادته ولا يريد لأحد التدخل فيه.

يمتاز الطفل برغبة عارمة في التسلط ويميل إلى حب الرئاسة والإمرة ليطفىء دوافع الغرور والأنانية في نفسه، وهو مبدئياً يرفض تسلط الوالدين والتربويين ويرى فيهم منافسين له ويجب عليهم التقهقر أمام إرادته والإقرار له بالغلبة.

كما ويمكن البحث عن جذور التمرد والعناد في تضارب العواطف وحالات الانفعال الحاد، وفي نفس الوقت يجب الاعتراف بوجود جوانب مجهولة كثيرة في حياة الطفل المعاند، أي أن العوامل تدفعه نحو العصيان والعناد غير معروفة على وجه الدقة.

 

الفرق بين الإرادة والعناد

يبدو من الضروري أن نشير هنا إلى الفرق بين الإرادة والعناد عند الطفل لنرى ما بينهما من الاختلاف، وما هو الجانب الذي يتطلب التهذيب والرعاية، وأياً منهما يستوجب المحو والإزالة.

الحقيقة أن الإرادة هي تعبير عن الشخصية المهذبة وتستهدف غرضاً معيناً يمكن تحديد صحته أو سقمه وفقاً للأسس والمبادىء الدينية أو بناءً على مقتضيات العرف، بينما لا تعكس حالة العناد إلا طغيان الأهواء والميول ولا يبغي من ورائه الطفل سوى تحقيق مطاليبه بأية صورة ممكنة بسبب عادة مقيتة مغروسة في نفسه. وبعبارة أخرى ينم العناد عن نوع من الرغبة في التسلط، ومتى ما رأى الطفل ما يقيد إرادته وحرّيته يبدي العناد ويظهر الغضب وتتحول هذه الحالة إلى ما يشبه المرض المزمن الذي يهيمن عليه بصورٍ شتى.

 

دوافع الجرأة في ظاهرة العناد

أما السبب الذي يبعث الطفل على العناد ويشجعه على الجسارة فهو الأسلوب التربوي المغلوط الذي يتبعه كل من الأب والأم، وذلك حينما يدرك من خلال تجربته في البيت وجود مجال للتمرد والعصيان.

ولتوضيح الفكرة نشير إلى أن بعض الأسر أو الأشخاص التربويين لا ينتهجون أسلوباً واضحاً ومنهجاً مدروساً يجعل موقفهم واضحاً إزاء مختلف تصرفات الطفل، ونتيجة لهذا فهم يتبعون في كل ساعة أسلوباً مغايراً لما قبله.

يدرك الطفل خلال مسيرته التربوية أنه إذا أخفق في نيل مراده فإن امامه طريقاً آخر يرغم الأبوين من خلاله على الرضوخ له وتحقيق مطاليبه، وعلى هذا المنوال فهو يستغل الأسلوب التربوي للوالدين سعياً وراء محاصرتهم وإخضاعهم لرأيه.

 

العناد باختلاف السن والجنس

لا شك أن العناد موجود لدى الفتيان والفتيات وكلاهما يمارسان العناد في ظروف وأوضاع خاصة، لكن الحقيقة أنه عند الفتيان أكثر مما عند الفتيات بأضعاف مضاعفة وكذا الحال في مجال التمرّد والعدوان إذ أنهم يبدون مزيداً من التصلب في هذا المجال.

أما بشأن عامل السن فيمكن القول أن أمثال هذه الاضطرابات السلوكية تزداد عند الاطفال في سنوات معينة من أعمارهم وفي حالة عدم معالجتها تترسخ في نفوسهم وترغمهم على انتهاج نفس ذلك المسار غير القويم في السنوات اللاحقة.

تبدأ ظاهرة الخلاف والعناد لدى الطفل منذ السنة الأولى وتبلغ ذروتها في السنة الثانية من العمر، وتصل به الحال حتى إلى مخالفة نفسه ومعاندتها، هذه المرحلة من العمر يطلق عليها سن العناد وفيها يبدي الطفل رغبة عميقة بالتصرف على هواه من غير أن يمنعه أحد من ذلك.

وخلال الفترة المحصورة بين السنة السادسة والسنة التاسعة من العمر – حيث لا تزال خصلة العناد على أشدها – يسعى الطفل خلال هذه المدة إلى الإنعتاق من التبعية للأب والأم، وفي سن العاشرة تعتريه ميول غامضة تدعوه للتحرر من القيود العائلية وما تنطوي عليه من أوامر ونواهي، وإثبات وجوده واستقلال شخصيته.

 

من هم الأشدعناداً؟

أما من هم الأشخاص الأشد عناداً؟ فسنتعرض لجواب هذا السؤال في موضوع أسباب ودوافع شدّة العناد، إلا أننا نشير في ما يلي إلى أن العناد اكثر ما يكون:

1-   عند الأطفال المرضى أكثر من الاطفال الأصحاء.

2-   لدى من اعتادوا في طفولتهم على الدلال والمحبة المفرطة.

3-   لدى من لم ينعموا برعاية الأبوين ونشأوا في ظل حياة مضطربة.

4-   وأخيراً لدى الأطفال الذين يمتاز آباؤهم وامهاتهم بالنزق وعدم التحمل فيستجيبون لكل طلباتهم تخلصاً من شرهم وصخبهم، فتتحول هذه الحالة إلى عادة راسخة فيهم.

 

 

 

 

 

أسباب العناد ودوافعه

هنالك أسباب ودوافع متعددة تجعل الطفل مولعاً بالعناد وأهمها:

1-   الإهمال: يؤدي إهمال الوالدين لشؤون طفلهم إلى أن يتحول بالتدريج إلى شخص معاند وكثير الإلحاح، ولهذا الإهمال – طبعاً – أسباب متباينة منها كثرة مشاكلهما مشاغلهما، وعدم وجود الوقت الكافي للاهتمام بالأولاد فرداً فرداً بالنسبة للأسر الكثيرة الاطفال، والانشغال بمجالس اللهو عن تخصيص الوقت الكافي لرعاية الأطفال وإلى آخر القائمة من الأسباب. في بعض الأحيان يقع الطفل على الأرض ويتمنى لو كانت أمه حاضرة عنده لتمسح بيدها على رأسه، إلا أنه لا يحظى طبعاً بمثل هذا الموقف.

2-   الحرمان: الحرمان بكل أشكاله يخلق حالات العناد وخاصة الحرمان من حنان الأمومة وهو ما يحتمل أن يؤدي في بعض الحالات إيجاد ميول عدوانية وتدميرية، تشتد حالة العناد حينما يدرك الطفل أنه قادر من خلالها على تحقيق مطاليبه، وكذا الحال في حرمان الطفل من التحرك وتقييد حريته وهذا يعتبر بذاته صعوبة أخرى في هذا المجال.

3-   الاحتياجات الملحة: الاحتياجات الشديدة تدفع بالطفل إلى العناد. فالطفل يعاني من التعب الشديد يشعر بحاجة ملحة للاستراحة، ومن يشعر بالجوع يحتاج للطعام، وتحملّ الآلام الشديدة يستلزم الهدوء والسكينة، وفي مثل هذه الأوضاع يعبر الطفل – وخاصة الصغير – عن حاجته بمثل هذه الطريقة.

4-   استبداد الوالدين: في بعض الحالات يتهرب الطفل من والديه إذا كانا يتصفان بالاستبداد وربما يكون على استعداد للمجازفة من أجل التخلص من هذا الوضع، فالطفل مجبول على عدم الخضوع ولا يرتضي إطاعة الأوامر والنواهي ويرى فيها عاملاً يتعارض واستقلاله، ولذلك ينتهج أسلوب العناد للتخلص منها.

5-   التربية السيئة: يتعلم الطفل من والديه في بعض المواقف أن المصاعب والمشاكل تحل عن طريق القوة، أضف إلى أن الطبيعة الاكتسابية عند الطفل تجعله في وضع نفسي يملي عليه اتباع هذا السلوك أو ذاك، والفارق الوحيد بين سلوكه وسلوكهما هو أنهما يمتلكان القدرة والقوة والقابلية على الاستبداد بينما هو قاصر على ذلك.

6-   الاختبار: في كثير من الحالات يعمد الطفل إلى اختبار الأب والأم ليرى هل أنه قادر على مجابهتها وتحديهما أم لا؟ فيتبع أسلوب البكاء والعناد لتحقيق مطاليبه، ويفهم من خلال ذلك إمكانية فتح هذا الباب في التعامل مع الوالدين والتربويين، فإن نجح ونال مراده استمر على نهجه هذا وإلا لجأ إلى أسلوب آخر.

7-   الاخفاقات المتتالية: الطفل الذي يتعرض إلى اخفاقات متعددة ومتوالية ولا يستطيع إحراز أي نجاح في حياته، يتجه تدريجياً نحو سوء السلوك وسوء الخلق. فالفشل في اللعب وفي الترفيه، وفي جلب اهتمام الوالدين، وفي منافسة الآخرين يحطم شخصيته، ومثل هذا الطفل يعجز عن إقامة علاقات سليمة مع الأبوين والتربويين ولا يمكنه عرض مطاليبه بشكل طبيعي.

8-   عدم استجابة الوالدين: نحن لا نطلب من الأبوين والتربويين أن يكونوا للطفل خدماً مطيعين يلبّون له كل مطاليبه؛ إلا أن الواقع يستدعي اتخاذ مواقف مدروسة إزاءها.

أما إذا كنا بصدد عدم الاستجابة له بالشكل المقنع فلابد من اتباع أسلوب يجمع بين الوعد والوعيد ليشعر من بعده بالارتياح. فالبعض يتصور وجوب عدم الاستجابة لطلبات الطفل بأي شكل من الأشكال لكيلا ينشأ على التملق والضعة، وهذا تصور واهم طبعاً.

الاضطرابات العصبية: تشكل الاختلالات والأمراض العصبية سبباً من أسباب ظهور هذه الصفة، نحن نعرف بعض الأطفال الذين يعانون من الأمراض العصبية حتى أن حالات العراك والعناد لديهم تتخذ طابعاًَ عصبياً معقداً، وهم في صراع دائم مع كل شيء. ويتصفون بشدّة الغضب وعمق الاضطراب، وتحدوهم رغبة عارمة في تحقيق مطاليبهم عن طريق البكاء والعناء.

العجلة: يبرز عناد الطفل احياناً من الاستعجال وفقدان الصبر. فالطفل عجول وليس له من الصبر ما لدى الآخرين إلى أن يحقق هدفه. حينما يكون الطفل جائعاً ولا يرى من أمه أي استعجال في إعداد طعامه، أو قد يتطلب أعداد الطعام وقتاً طويلاً، وفي مثل هذا الموقف يفقد الطفل صبره ويأخذ بالبكاء والصراخ. وإذا تكرر مثل هذا الموقف يتخذ اعتراضه وعناده صورة أكثر جدية.

1-   الاندفاع الذاتي: في بعض الحالات يندفع الطفل تلقائياً ويضغط على نفسه من أجل أن يكون طفلاً جيداً أمام والديه، فيحرص على تنفيذ أوامرهما بدقة ويكف عن الإيذاء.

وهذا الضغط على الذات يؤدي بشكل طبيعي إلى التعب والملل والضجر وتتمخض عنه رغبة في العناد وإثارة الصخب. قد يستطيع التزام الصمت والهدوء ليوم أو يومين ولكن حينما ينفذ صبره يذيق والديه من العناد والأذى عذاباً مضاعفاً.

2-   إظهار القدرة على المجابهة: يبدي الطفل أحياناً العناد والإلحاح ليظهر بذلك قدرته على التصدّي والمجابهة فالطفل حينما يطلب من أبيه أو من أمه شيئاً ولا يعيرانه اهتماماً يلجأ إلى أسلوب البكاء، فينا منهما العقاب ولكنه لا يهدأ ويواصل والعزوف عن الطعام حتى يضطرهما في نهاية الأمر للخضوع لمطاليبه. وهذه التجربة تشجعه على معاودة هذا السلوك في المرات القادمة.

3-   الأمراض المتوالية: الطفل الذي يعاني من الأمراض المتوالية بحاجة للمزيد من الرعاية والاهتمام والملاطفة. فكثرة الأمراض تجعله يألف الأوجاع والآهات إلى أن يتحول هذا الوضع إلى عادة متجذرة في أعماق نفسه. مثل هذا الطفل يواصل هذا السلوك حتى في حالة الصحة والسلامة فلا يطلب من والديه شيئاً إلا وكان مصحوباً بالآهات والنحيب، إلى أن تصير هذه الخصلة جزءاً طبيعياً من حياته.

4-   الولادة الجديدة: يبدأ عناد الطفل أحياناً منذ ولادة طفل جديد لأسرته لأن المولود الجديد يستحوذ على الجانب الأكبر من رعاية واهتمام الوالدين. والطفل بطبيعته عاجز عن طرح موضوع تعسف وتمييز الوالدين مما يدفعه إلى التعبير عن عقده الداخلية بواسطة العناد والتمرد. أي أن الحسد والمنافسة تعد من عوامل عناد الأطفال.

ثمة عوامل أخرى لهذه الظاهرة كالشعور بالقمع الشديد للرغبات والانكسارات المتواصلة، وعدم تلبية الرغبات المشروعة، وعدم مبالاة الطفل بوالديه بسبب الجرأة التي منحوه إياها، الرغبة في التسلط و ... الخ إلا أننا لا نخوض في شرح تفاصيلها هنا مراعاة للاختصار.

 

عوامل تفاقم العناد

يبدو من المناسب هنا التطرق إلى العوامل التي تلعب دوراً مؤثراً في تفاقم العناد والتي تمهّد الأرضية لمزيد من التمرّد عند الاطفال وهي طبعاً عوامل متعددة ومتباينة ونقتصر هنا على شرح الأكثر أهمية منها وعلى الشكل التالي:

1-   الأسلوب الخاطىء في التربية: يتراءى لنا أن الأسلوب التربوي الذي ينتهجه الأب أو الأم في بعض الحالات يفضي إلى جعل الطفل وقحاً وميالاً للتسلط وكثير الإيذاء. وقد يبديان له من الحنان والمحبة ما يجعله يتصورهما خادمين له، وما عليهما – إذا طلب شيئاً – إلا التنفيذ. من البديهي أن طفلاً كهذا حينما يواجه بعض القيود والموانع يسعى جاهداً لمجابهتها مستهدفاً من وراء ذلك تحقيق رغباته بأية وسيلة متاحة، حتى وإن كانت بالعناد وإزعاج الوالدين.

2-   البيئة السيئة: يعيش الطفل احياناً في وضع عائلي ومعاشي سيء وغير مرضٍ بالنسبة له، فهو لا يطيق تحمل الصراعات المتواصلة والعلاقات العدائية بين أبويه، لكنه لا يمتلك الجرأة أو القدرة على الاعتراض أو التحدّث في هذا الموضوع ولا يجد مفراً أمامه سوى التنفيس عن همومه وعن طريق العصيان والتمرّد واختلاق الأعذار.

والدليل الذي يؤيد هذا الادعاء هو ما أن تتحسن العلاقات العائلية حتى يشعر بالبهجة ويكف عن عناده.

·       ضعف الوالدين: ذكرنا أن الأسلوب التربوي الذي يتبعه الأبوان ربما يؤدي إلى نشوء طفل مستبد ومغرور لا يعيرهما أي اهتمام ويجب عليهما البلاء والألم. وفي أمثال هذه المواقف بدلاً من اتخاذ الأبوين الضعيفين لمواقف حازمة ومناسبة نجدهما يتخذان موقفاً ينم عن العجز والضعف أو يندبا حظهما العاثر وهذا ما يشجع الطفل على التمادي مستغلاً نقطة الضعف هذه مما يزيده عتواً وإيغالاً في عناده.

3-   العنف: يستخدم بعض الآباء والأمهات أسلوب العنف في التعامل مع الطفل لكيلا ينشأ على التملق والتحلل. وإذا ما تكرر استخدام العنف أدى إلى تهيئة الأرضية الخصبة للخروج عن جادة الصواب والاتجاه صوب خصلة العناد. أما إذا أدت ظروف طارئة إلى معاودة أسلوب العنف والقسوة خلال فترة وجيزة فإن الوضع السلوكي للطفل يسير من السيء إلى الأسوء وتتضاعف معاناته.

4-   أسلوب الضرب: يتغير موقف البعض فجأة ويتحول بعد سنوات من مجاراته لعناد الطفل ويقرر التعامل معه بنمط آخر غافلاً  عن أن الطفل قد اعتاد على وضع يستحيل معه إصلاحه بين ليلة وضحاها. وفي مثل هذه الظروف يبدأ الأهل بممارسة أسلوب جديد ألا وهو أسلوب الضرب بغية إخضاعه غير ملتفتين إلى أن الضرب يساهم في تعميق روح العناد. فالأسلوب التدريجي أجدى بكثير من الأسلوب الآني أو الفوري.

5-   اعتلال الصحة: من الأسباب التي توقع الطفل احياناً في التمرد والعناد هو سوء الوضع الصحي. فقد ظهر من خلال الدراسات العلمية أن الحالة المزاجية تدخل في عدد العوامل التي تؤثر على المزاج، ومن مظاهرها: الأمراض العضوية، جفاف المزاج، وجود الديدان المعدية، سوء الهضم واضطراباته، والآلام المتواصلة وغير ذلك.

6-   أصدقاء السوء: وهذا عامل آخر من جملة العوامل التي توجد حالة العناد عند الطفل لأن صديق السوء تنتقل عدواه إلى أصدقائه. وعواطف الأطفال – كما نلاحظ – ذات تأثير متبادل كالضحك، البكاء، الفرح، الحزن، العناد، والطاعة، والطفل الذي يخالط أشخاصاً يتصفون بالعناد يأخذ عنهم نفس ذلك السلوك ويطبقه في حياته اليومية.

7-   كثرة الأوامر والنواهي: لوحظ أن كثيراً من صور العناد والتمرد سببها الآباء والأمهات وذلك حينما تصدر أوامر إلى الطفل من قبل الأب أو الاُم دون الالتفات إلى استطاعته وقدرته على التنفيذ فتكون النتيجة المعارضة والعناد من الطفل وعند اللجوء إلى أسلوب العقاب يزداد سوءاً ويصبح الطفل أكثر إلحاحاً.

توجد عوامل أخرى يمكن إضافتها إلى ما ذكر من جملتها: التعب المستمر، والخمول، وجود آلام داخلية، حدة المزاج المتأتية من الأمراض العصبية أو الانكسارات النفسية المتواصلة، واستشعار الهلع والاضطراب لأي سبب كان و... الخ.

 

الأعراض والأضرار:

خصلة العناد لها أضرار كثيرة على الطفل والوالدين والمحيطين به. فهو – أي العناد – يجعل حياة الأسرة مليئة بالمعاناة والضجر وينتهي بإثارة الاختلاف بين الزوجين. واستمرار هذه الحالة يهدد الحياة المستقبلية للطفل لأنه حينما يألف وضعاً معيناً يصبح من الصعب إنقاذه منه بل وأن مقتضى العادة يفرض عليه تطبيق هذا الأسلوب على الآخرين أيضاً في حين أن الآخرين يقابلونه بالرفض.

وفي بعض الحالات قد يؤدي الغضب الناتج عن العناد إلى إصابة الطفل بلكنة لسانية بحيث لا يستطيع السيطرة على مشاعره أو يفقد قدرة التعبير عنها وحتى أن الحالات الشديدة من العي واللكنة ربما تشل بعض طاقاته، أو تجعله عرضة لبعض المخاطر.

 

موقف الوالدين:

لاشك أن الأبوين يتحملان العناء الأكبر من عناد الطفل لأنه يزعجهما ويثير كوامن غضبهما. يواظب الكثير من الآباء والأمهات على الاحتفاظ برباطة جأشهم إزاء مثل هذه السلوكية التي يبديها الأبناء، لكن البعض الآخر يبدي امتعاضه منها ولا يخفي انزعاجه ومعاناته.

أساساً يجب النظر إلى هذا السلوك على أنه سلوك غير طبيعي، ونحن على ثقة أن هؤلاء الأشخاص يستعيدون وضعهم الطبيعي في ما بعد أي في مرحلة النضوج، إلا أن الضرورة تستدعي إنقاذهم حالياً من أجل راحة والديهم فنحن نتصور أن الطفل المعاند يؤدي إلى شيخوخة أبويه في وقت مبكر ويجلب لهما الضجر والهموم، ويتسبب كذلك في إزعاج ومضايقة الضيوف أو المضيفين ويسلبهم الاستقرار والراحة.

 

 

 

 

وجوب التصدي لهذا السلوك

نؤكد على الآباء والأمهات والتربويين بضرورة عدم الاستسلام أمام هذا السلوك حينما يبدر من الطفل، وأن لا يعوّدوه على نيل مطاليبه بالبكاءوالإلحاح، ونحن نرى أن مثل هذه الخصلة يجب أن لاتتجذّر في نفس الطفل ويجب أن لا يتكون في ذهنه تصور يوحي له بأنَّ جميع أفراد العائلة رهن أهوائه ورغباته.

وعلى هذا الأساس يتضح لنا أن التصدي لهذا السلوك ومعالجته يعد أمراً في غاية الأهمية، ولابد من ترويضه منذ الطفولة على إطاعة الوالدين والتربويين لتكون لهم في المستقبل شخصية محببة، ولذا يجب تقويم شأنه بأسرع ما يمكن لأنه في حالة تكريس هذا الوضع يصبح من الصعب إصلاحه ناهيك عما يعانيه ذووه خلال هذه المدة من ألم عذاب، كما أثبتت التجارب أن مثل هذه الخصلة تنتقل بالعدوى، والويل لو أضحى سلوكه هذا درساً ومثالاً يقتدي به بقية الأطفال.

هناك أمل طبعاً بأن يسلك مثل هذا الطفل منهجاً قويماً ويتحول عناءه إلى طاعة وهدوء، وصفات الأطفال على العموم تتّسم بهذا الطابع؛ فهم يبكون في لحظة وينتقلون بعد دقيقة إلى الضحك والبهجة. وسريعاً ما يحزنون وسريعاً ما يفرحن، ويتيسر بكل سهولة عطف اهتمامهم في مسألة أخرى.

 

معرفة الأسباب والدوافع

إن معالجة السلوك غير الصحيح عند الطفل والحيلولة دون بروز أي تصرف بعيد عن الاستقامة يقتضي أولاً معرفة السبب الأساسي لبروز هذه الخصلة، ووقت حدوثه، والأوقات التي تتفاقم فيها هذه الحالة، وما هي المؤثرات التي تزيد العناد عند الطفل، وما هي الأمور التي تؤمّن وداعته، وعلى العموم ما هي التدابير الواجب اتخاذها لكي لا يكرر هذه التصرفات؟

أما التأكيد على تشخيص جذور ودوافع هذا الانحراف فيعزى إلى أن كل حالة من حالاته تستلزم اتخاذ موقف معين إزاءها، فعلى سبيل المثال إذا كان مصدر العناد هو الحسد فعلى الآباء والأمهات اتخاذ موقف معين إزاءه، أما إذا كان سببه منبثقاً من مرض عصبي فالظرف يحتم اتباع أسلوب آخر.

أي لابد من اتخاذ القرار الذي يتناسب مع ذلك الظرف.

 

أساليب العلاج

قلنا بضرورة معالجة عناد الأطفال وتقويم سلوكه، وهذا يتم من خلال ثلاثة أساليب، وهي: الأسلوب الطبي، الأسلوب النفسي، والأسلوب التربوي، ونتناول في ما يلي كل واحد منها بالدراسة مع مراعاة جانب الاختصار:

أ‌-       الأسلوب الطبي:

لا مبرر للإطالة في هذا الباب لكونه عملاً تخصصياً وله اهله من ذوي الفن والخبرة. ونقتصر على إشارة إجمالية له وهي أن مصدر الكثير من حالات العناد نابع من أسباب عضوية وعصبية فإذا ما تمت معالجتها ستزول الأعراض الجانبية الناتجة عنها بشكل تلقائي، أما الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها بشأن الطفل الذي يعاني من أمثال هذه الاضطرابات السلوكية فهي التأكد من عدم إصابته بأية أعراض عضوية. والطبيب المختص هو الذي يدلي برأيه في هذا الصدد.

ب‌- الأسلوب النفسي:

للعناد – في بعض حالاته – سبب نفسي إذا تم إصلاحه فإن هذه الحالة عند الفرد يتم إصلاحها تلقائياً. وهنا يتحتم على الوالدين والمختصين بالأمور التربوية التعامل بإيجابية مع روح الطفل لكي يضفوا عليه موجبات السكينة والاستقرار. وإذا ما برز إلى السطح أي اختلال نفسي صار من الواجب الإسراع لمعالجته. وإذا كان فقدان الثقة يثير فيهم الألم فلابد من المبادرة للإصلاح.

نتناول في ما يلي مجموعة من النقاط الجديرة بالذكر وأهمها:

1-   الاحترام والمحبة: يجب أن يقوم البناء التربوي للطفل على هذا الأساس، وينبغي أن يحظى بالاحترام. فقد وردت عن الرسول (ص) توصيات عديدة تؤكد على وجوب احترام الطفل. والمختصون بالشؤون التربوية يؤكدون اليوم على هذه النقطة أيما تأكيد ويضيفون إلى ذلك وجوب اقتران الاحترام بالمحبة.

يمكن تقويم سلوك الطفل من خلال إبداء الاحترام والتعبير عن المحبة، وعندما تقتضي الضرورة نطالبه بلزوم الطاعة.

2-   تفهم مشاعره: حينما يقوم الطفل بإبداء الإلحاح والعناد ولا سيما في الوقت الذي يكون فيه محقاً في التمرّد والتذرّع؛ لا مناص حينئذ من الإصغاء إليه وتفهم مشاعره ومجاراته في طلباته وهذا ما يؤدي إلى ارتياحه ويدفعه إلى التعقل في طرح رغباته. والحقيقة أن الطفل حينما يلمس من والديه التفهم والاستجابة يميل إلى الهدوء والسكينة.

3-   الحث على التكلم: وأحياناً يمكن الدخول في حديث حتى مع هذا الطفل الصغير ولكن بالأسلوب الذي يفهمه من أجل اكتشاف السبب الذي يدفعه نحو العناد، وما الداعي لعدم الإصغاء لكلام الوالدين؟ وما الباعث على انزعاجه؟ ولماذا يتصرف على هذه الشاكلة؟

الطفل يتحدث عادة بصراحة وصدق عن مشكلته، ونفس هذا الحديث يعتبر بالنسبة للطفل بمثابة المتنفس عما يختلج في نفسه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يقودنا إلى معرفة السبب في انحراف سلوكه، وهذا ما يجعلنا أكثر قدرة على اتخاذ الموقف الصحيح إزاءه.

4-   الاهتمام بشخصيته: وهذه م المسائل المهمة التي تفتح باب التفاهم في ما بين الطفل والوالدين والتي يمكن استثمارها في بعض الظروف لصالح كل من الطفل والأبوين، فالتعامل مع الطفل لابد وأن يكون عقلانياً ومدروساً بعيداً عن الاستهزاء بمشاعره، ويفترض أيضاً أن يدرك بأنهما لا يستخدمان معه منطق القوة بل يأخذان عواطفه ومشاعره بنظر الاعتبار وهذا ما يساعد على إيجاد حالة من السكون عند الطفل والاتجاه نحو الكف عن هذه العادة.

5-   التجاهل: وأخيراً، إذا ما فشلت جميع الخطوات المشار إليها آنفاً، يمكن استخدام أسلوب التجاهل، فالطفل حينما يعاند يمتنع حتى عن تناول الطعام، وحينها لا يجب على الأبوين الإصرار على وجوب تناوله الطعام. فالمصلحة قد تقتضي احياناً تركه وشأنه ليصرخ كيفما يشاء وليثير ما يحلو له من الضجيج، وحينما يجد أن الطريق مغلق أمامه ولا يمكنه الضغط على والديه بهذا الأسلوب يضطر للعدول إلى طريق آخر، أي أن تجربة هذا الأسلوب عدة مرات تنفع كثيراً وتخمد في أعماقه مثل هذه الإثارات.

أ‌-        الأساليب التربوية:

الطفل كائن عديم التجربة ويستوجب الرأفة به، يسلك أحياناً طريقاً يظن فيه سعادته إلا أنه يدرك بعد مضي فترة قصيرة بأن هذا الطريق يوصله إلى التعاسة والشقاء؛ ولهذا فلابد من مساعدته لئلا يسقط في مثل هذه المنزلقات. إن هذه المصاعب التربوية ومن جملتها العناد تفرض علينا استخدام الأساليب التربوية التي نشير في ما يلي إلى بعض منها:

1-   توعية الطفل بأسلوب الحياة: وهذه نقطة مهمة وجديرة بالذكر وتقوم على توعية الطفل تدريجياً وتعليمه أسلوب الحياة، وهذه المهمة من وجهة نظر الإسلام تقع على عاتق الأبوين والمربين لكي يربوهم بشكل يجعلهم أكثر انصياعاً لهم وإطاعة لأوامرهم، والأفضل هو المسارعة إلى بناء أسس الطاعة عند الطفل منذ نعمة أظفاره، لكيلا يصبح أمره أكثر صعوبة في المستقبل.

2-   إلفات نظره إلى أهمية شخصيته: وهي أيضاً نقطة أخرى جديرة بالتأمل وهي وجوب اتخاذ الوالدين والتربويين منهجاً مدروساً في تربية الطفل وتوعيته شيئاً فشيئاً بالنمط الأخلاقي الذي يلتزمون به لكي يفهم ما يجب اجتنابه، وما هو الموقف الواجب اتخاذه إزاء كل مسألة.

كما ويجب توعيته بقيمة وقدر شخصيته لغرض أن يدرك أنه فرد مهم ولا يليق به سلوك أسلوب العناد لأن فيه انتقاصاً لشخصيته، فإذا ما شعر الطفل أن له مكانة في النفوس فإنه يسعى إلى الحفاظ عليها وإصلاح سلوكه المنحرف.

3-   ذكر القصص والحكايات: ويقوم هذا الأسلوب على ذكر قصص عن حياة الناس أو حتى عن الحيوانات، ويؤثر كثيراً في لجم عناد الطفل لأنه يصغي إليها بكل اهتمامه ويحاول التشبه بها، وليس من الضروري في هذا المجال الإتيان بقصص حقيقية أو مسبوكة، بل يمكن اختلاق أية قصة وعرضها على الطفل بشكل هادف ومثير.

4-   تكليفه بعملٍ أو مهمة محدودة: من الضروري أن نمنح الطفل شخصيته لكي يشعر بأهميته ويسعى للتعاون معنا من أجل حفظ مكانته، ومن الأساليب المتبعة في إشعاره بشخصيته هو أن نكلفه بعمل أو بمهمة ولو كانت صغيرة وتشجعه على أدائها لأن هذا يشعره بأهمية شخصيته ويسوقه نحو الانصياع والطاعة والكف عن كل أنواع العصيان والعناد.

5-   إتباع السلوك المثالي: حينما يكون الطفل في حالة غضب وعناد فذلك يعني أنه في حال انفعالٍ شديد ولا يمكن إقناعه بسهولة، وهو غير مستعد لسماع النصائح والإرشادات، ولا فائدة من الانتقاد في مثل هذه الحالة بل من الأفضل التحدث بلسان المشاعر ومن خلال انتهاج سلوك سلمّي مقرون بالصبر والتأني. لقد ثبت من خلال التجارب العملية أن الطفل يميل نحو السكون والطاعة في مثل هذه الحالات وينصاع لرأي والديه ويكف عن عناده سريعاً.

6-   الإنذار: وعندما تفشل جميع الجهود السلمية نضطر لانتهاج أسلوب الإنذار والتلويح له بأن أمثال هذه التصرفات لا تجديه نفعاً وقد تنتهي بمعاقبته، وعند التكرار يتحول الإنذار إلى تهديد ونادراً ما ينتهي بالعقاب. ومن الطبيعي أن أمثال هذه الحالات تطبق حينما نستيقن جدواها في إصلاح شأن الطفل، وإلا فإننا إذا علمنا بانعكاساتها السلبية لا يجوز لنا إتباعها، لأن الهدف هو البناء لا الهدم.

7-   تجاهل شأنه: ومن الطرق المتبعة في معالجة السلوك المنحرف لدى الطفل هو تجاهله وتركه. فالطفل الذي يكثر من الصياح والضجيج يمكن تجاهله أو حتى يمكن الخروج من الغرفة وتركه وحده يصرخ ويبكي. لقد تبين من خلال الدراسات بأنَّ تجاهل الطفل مفيد في بعض الحالات، لأنه حينما يلحّ في البكاء والعناد ويرى أن لا أحد يهتم لسلوكه هذا يضطر للكف عنه ومعاودة سلوكه القويم.

 

ضرورة الاستمرار

لا يتحقق تقويم السلوك الملتوي عند الطفل بين ليلة وضحاها، ولا يمكن نيل النتائج المرجوة جملة واحدة، بل أن الضرورة تقتضي الاستمرار على الإصلاح ومواصلة التقويم حتى نصل إلى النتيجة المطلوبة.

ثمة ضرورة ملحة تفرض نفسها من جهة اخرى وهي أن الكثير من التصرفات الشاذة تعاود الظهور وتفرض نفسها من جديد. فالطفل الذي يحصل على كل شيء عن طريق العناد والبكاء والتذرع لا يحبذ الحصول على مطاليبه بالسبل الطبيعية المألوفة، وهو حتى وإن أظهر الطاعة مؤقتاً إلا أنه يعود إلى سابق عهده عند الشعور بأدنى تلكؤ من الطرف المقابل. ولهذا لابد من مواصلة الرعاية والرقابة للحيلولة دون عودة هذا السلوك.

 

ما ينبغي اجتنابه

إن الاهتمام بتقويم سلوك الطفل ومعالجته يفرض علينا اجتناب جملة من المسائل التي نكتفي في ما يلي بمجرد الإشارة إليها دون الخوض في تفاصيلها الجزئية مراعاةً للاختصار:

1-   الاهتمام المفرط: إن الاهتمام المفرط بالطفل لغرض التخلص من بكائه وعناده يثير في نفسه شعوراً بأنه يمتلك سلاحاً فعالاً يستطيع به ارضاخ الوالدين متى شاء ذلك وأنه قادر على إشهاره عند الحاجة، وهذا ما يفرض على الوالدين والمربين تجاهله وعدم الاهتمام بمثل هذا السلوك لكي يسقط في يده ولا يجد في متناوله سلاحاً فعالاً كهذا.

2-   سرعة الاستجابة: صحيح أن الاستجابة الفورية تنطوي على نتيجة فورية وهي إسكات الطفل وإنهاء بكائه وعناده، إلا أنها تتضمن ضرراً فادحاً وهو التأثير السلبي الذي تغرسه في أعماقه وتخلق منه في المستقبل شخصيته مستبدة تحيل نهار الوالدين إلى ليل حالك. أضف إلى أن حالة العناد إذا تواصلت لدى الطفل تسوقه إلى إتباع الطرق المنحرفة في المستقبل وعدم السير في أي صراط مستقيم، ثم تكون عاقبة أمره تلقي الكثير من الضربات والصفعات في ميدان الحياة الاجتماعية.

3-   استخدام القوة: يعمد الطفل إلى التمرغ في الأرض والتخبط بيديه ورجليه لغرض الذهاب إلى أمه – على سبيل المثال – وهنا لا يجب علينا الإسراع إلى استخدام القوة إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة؛ لأن ظاهر هذا الأمر ينبيء عن استسلام الطفل وإنصياعه، إلا أن هذا يولد لديه عصياناً وتمرداً أكثر ويدفعه إلى إنتهاج طريق جديد يوصله إلى مراميه، مضافاً إلى أنه يتلقن من هذا الأسلوب درساً سيئاً يبقى ملازماً له في حياته المستقبلية.

ويستقي منه مبدأ يتمسك به لاحقاً وهو مبدأ استخدام القوة متى توفرت لديها أسبابها ودواعيها.

4-   العقوبة: يبدو لنا أن العقوبة لا تجدي كثيراً في معالجة عناد الطفل، حتى وإن تقبلها وانصاع لها مرغماً، فالعقوبة إذا كان المراد منها ضرب الطفل فيجب أن تكون كالدواء الذي يوصف بجرعة محددة وفي أوقات معينة، فاستخدام العقوبة البدنية لا يتيح لنا الحد من ظاهرة العناد.

وإذا تمت العقوبة في حالة غضب أحد الوالدين قد تؤدي إلى إلحاق الأذى بالطفل بسبب ما يرافعها من فقدان زمان الأمور أو ألا يغال في العقوبة، بالإضافة إلى هذا فإن العقوبة تنتهي بالطفل إلى الغضب والتصلب في موقفه مما يزيده عناداً وتمرداً.

5-   تسليمه إلى دور الحضانة: يطرح بعض المختصين بالشؤون التربوية فكرة إحالة الطفل إلى دور الحضانة لفترة زمنية غير محددة. وقد ذكرنا في موضع آخر أن هذه الطريقة مرفوضة وضارة ولا تنم إلا عن ضعف الوالدين، وأن القيام بمثل هذا العمل لا ينسجم والتوجه الإسلامي، لأن وضع الطفل في مثل هذه الأجواء قد يؤدي إلى إفساده بالشكل الذي يعطي في ما بعد ثماراً أكثر مرارة من العناج.

6-   التوبيخ اللاحق: وأخيراً إذا عاد الطفل إلى رشده وانصاع لكلام والديه سواء كان ذلك بواسطة التجاهل والإهمال، أو عن طريق النصح والإرشاد، فمن الضروري في مثل هذه الحالة أن نبدي له الارتياح والمحبة ونقابله بالتشجيع، ونقدم له شيئاً من الحلوى أو غير ذلك ولا يجوز مطلقاً مواجهته بالتوبيخ والاستصغار كأن نقول له مثلاً: هل رأيت أنك لا تستطيع فعل شيء؟! لأن مثل هذا التوبيخ يمثل في حقيقة الحال تحريضاً له وإثارة لمشاعره، ويدفعه بالنتيجة إلى استئناف تمرده وإلحاق الأذى والإزعاج بوالديه ومربيه وهو حتى وإن لم تفعل هذا فإنه سيصاب بصدمة نفسية ويواجه انكساراً روحياً حاداً.

 

توجيهات ضرورية

وفي نهاية المطاف رأينا أن نلفت أنظار الآباء الكرام إلى النقاط التالية إكمالاً للبحث وإتماماً للفائدة:

1-   إذا أراد الطفل أن يجعل من العناد سلاحاً يتحدى به الوالدين فلابد من مجابهته بكل قوة لإرغامه على الكف عن هذا التفكير.

2-   حينما يكون ضرر هذا السلوك كبيراً ولا يتاح إسكات الطفل إلا بالردع لا مناص هنا من استخدام أسلوب الردع ولكن بشكل محدود.

3-   يجب أن لا نأبه كثيراً لعناد الطفل ولا نقيم له وزناً لأنه سلوك سطحي لا جذور له وبالإمكان إزالته بقليل من التهديد والتخويف.

4-   ينبغي الحفاظ على هدوء الأعصاب إزاء عناد الطفل لأن إظهار الغضب قد يسبب له ظروفاً وأوضاعاً سلبية.

5-   ليس هناك أية ضرورة تدعو إلى الوقوف من الطفل موقف الاستعطاف والترجي ليكف أذاه ويلتزم الهدوء.

6-   عند محاولة تقويم سلوك الطفل يجب عدم إتباع سبيل العناد والإلحاح فلا داعي للتأكيد عليه بوجوب الانقياد لآرائكم بشكل مطلق، بل من الأفضل التزام الهدوء بمجرّد أن نلاحظ عليه ميلاً نحو الانقياد، أما الأمور الأخرى فنتركها له حتى يستعيد هدوءه ووضعه الطبيعي.

7-   وأخيراً نؤكد على ضرورة اجتناب الأوامر الصارمة كأن نأمره بالقيام فوراً، أو أن يغسل وجهه في الحال، أو بأن لا يرفع صوته، أو لا يضحك حتماً، لأن هذا الأسلوب لا إصلاح فيه، بل فيه هدم وتخريب ، ونيل من مكانتكم عند الطفل.