عناصر التربية
الكاتب الدكتور علي القائمي
إن العملية التربوية لا تجري عادة في الفراغ وإنما تجري في المحيط العائلي وخارجه وتخضع لتأثير مختلف الظروف والظواهر، فالإنسان يتأثر – شاء ام أبى – بأبيه، وأمه، ومعلمه، وأصدقائه، وثقافة المجتمع، والسينما، والإذاعة، والتلفزيون، والمجلات، وأفراد المجتمع، والظروف السياسية والاقتصادية، والعوامل الجوية والتغييرات المناخية و... الخ، والذي يبدو مهماً هنا هو إخضاع هذه العوامل لسيطرتنا – مهما أمكن – من أجل أن تكون حصيلة التربية مثمرة، ونتائجها إيجابية.
ويبدو أن الأكثر أهمية من بين جميع تلك العوامل هو:
1- الأسرة :
نحن نرى أن الأسرة تمثل أهم عناصر التربية، وهي – أي الأسرة – لا تنحصر في إطار الأب والأم فحسب – مع ما لهما من مكانة ودور – بل تتعداها إلى العم والعمة، والخال والخالة والأخت، وكل الذين يعيشون تحت سقف واحد وتربطهم مع الطفل علاقة أكثر لهذا السبب أو ذاك.
فمن المسائل المهمة بالنسبة لكيان الأسرة هي شكل العلاقة القامة بين الأب والام وما هي طبيعة واجباتهما في مقابل بعضهما، ونوعية علاقتهما مع الطفل، وما هو واجب الأب في داخل البيت وما هو واجب الأم؟ ومجمل هذه المسائل تتشكل جانباً من العناصر المؤثرة في التربية.
ومن الأمور التي تلعب دوراً مصيرياً في التربية هو الوضع الثقافي والاقتصادي للأسرة، من قبيل نمط تفكير الوالدين ومستواهما العلمي والثقافي ودرجة الالتزام التي يريان ضرورتها، أضف إلى ذلك مستوى دخل الأسرة وطريقتها في الانفاق، بما في ذلك موقفهما من بعضهما ومن الطفل.
وبخصوص الروابط الأسرية ينبغي ملاحظة نوعية العلاقة بين الأب والأم، وطبعائهما، وأسلوبهما في الخصومة والنزاع، وطبيعة الأحاديث التي يتبادلانها، وما هي الحدود المتعارفة في التشجيع والعقوبة، بالإضافة إلى ملاحظة مدى استفادة الطفل من خيرات الحياة في ذلك البيت، مع ضرورة ملاحظة معتقدات الوالدين ودرجة الفساد والتحلل التي يحتمل وجودها في ذلك البيت، والطبائع السلوكية والأخلاقية السائدة فيه.
إن للأب دوراً مهماً في التربية، ودور الأم أكثر أهمية، وذلك لأن فترة وجود الطفل في البيت وإلى جانب الأم مرّات عديدة فترة وجوده مع الأب، أضف إلى أن الطفل أكثر ميلاً ورغبة وألفة للأم منه إلى الأب، لأن الطفل يتغذى من عصارة روح أمه ويأنس لنبضات قلبها وينسام على أنفاسها.
أما السبب في شدة تأثير الوالدين والأسرة في التربية فيُعزى إلى:
أولاً: أن فترة وجود الطفل في البيت أكثر من فترة وجوده في خارجه.
ثانياً: أن الطفل مرتبط وراثياً بأبيه وأمه.
ثالثاً: أن الأسرة يمتزج فيها الغضب بالحنان، وتقترن المحبة بالانضباط وقد تكون محصلة التربية في مثل هذه الحالة باهرة النتائج.
ب- البيئة:
المراد من البيئة في دراستنا هذه مجمل الظروف والعوامل المادية أو المعنوية التي تؤثر على الطفل، وقد تكون البيئة بشرية أو غير بشرية، والمراد من البيئة البشرية الأب والأم، والمعلم وبقية الناس الذين يؤثرون في الطفل بشكل أو بآخر ويطبعونه بطابعهم الثقافي والفكري، والمراد من البيئة غير الإنسانية عامة الظاهر والأشياء التي يتأثر بها الإنسان.
ما أكثر الأسر التي تربي أولادها في ظروف إيجابية فيتمخض عن تلك التربية أشخاص صالحون، إلا أن البيئة السيئة قد تكون عاملاً في فساد الأولاد أو بالعكس، وهذا ما يوجب عدم تجاهل دور المدرسة والمعلم والمدير والمستخدم، وخاصة دور أصدقاء الطفل واترابه، لأنها سبب في انتقال الكثير من الرذايل أو الفضائل الأخلاقية من غير وعي الاطفال وذويهم لهذا الأمر.
فالأسرة والأقارب، والأصدقاء، والأتراب، والمشاركة في المحافل.. وارتياد النوادي الرياضية ومنتديات الترفيه، قد يكون لها دور هدّام أو بنّاء، وعلى المربي أن يدرك هذه الحقائق ويضعها في الحسبان في موضوع التربية.
ومن جهة أخرى فإننا واقعون تحت تأثير مختلف الظروف الثقافية والسياسية للمجتمع، فالكتب، والصحف، والمجلات، والملصقات، والصور تؤثر فينا بشكل كبير وتؤدي إلى صلاح أو فساد أبنائنا.
والسينما، والإذاعة، والتلقزيون، والآداب، والفنون لها بالغ التأثير على سلوكنا وأخلاقنا وعاداتنا ونمط تفكيرنا، ودورها لا يستهان به في الإفساد أو الإصلاح.
لا شك أن كلاً من المناخ، والظروف الجوية، والغذاء، والدواء، والمواد الكيمياوية، والضجيج، والأجواء الهادئة، والحرب، والسلام، والإرهاب، والكبت، والأجواء الحرة، والارتفاع والانخفاض، والموقع الجغرافي، والظروف التاريخية تمثل عاملاً من العوامل المؤثرة في بناء الفرد، وكذا الحال بالنسبة للمحيط الزراعي أو الصناعي، أو المحيط السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي.
شروط نجاح عناصر التربية
ولكن ما هي الشروط والضوابط التي تساعد عناصر التربية، وخاصة العنصر الإنساني على النجاح في تربية الأولاد؟
والجواب منحصر فيما يلي:
أولاً: الوعي، ومعناه ضروري إدراك الأشخاص للجهة التي يتعاملون معها وهذا ما يحتم عليهم معرفة ماهية الصفات والخصائص الغريزية التي يتمتع بها الطفل، ونوعية الميول والأهواء التي تتجاذبه، وما يحكمها من ظروف وعوامل، إضافة إلى ضرورة إدراك طبيعة رغباته ومطاليبه، والأسس التي نبغي تربيته وفقاً لها، وطبيعة المذهب الفكري الذي أخذت عنه هذه الأسس، والأبعاد المطلوبة في ذلك، والأهداف المنشودة من وراء هذه التربية، والسبل المتبعة في هذا المجال، والأدوات والفنون التي نكرّسها لتحقيق هذه الغاية، وما هي الأحداث التي يتعرض لها؟ وكيف يمكن التحكّم بمثل هذه الأحداث والسيطرة عليها؟ و.. الخ.
ثانياً: الإيمان، أي الإيمان بالفكر الذي نلتزم به ونريد لأولادنا أن يترعرعوا وفقاً لمبادئه، وهو الإيمان الحقيقي الواضح والمتأتي عن وعي وعلم وإقرار باللسان، ومؤيد بالعمل، وهو الإيمان بالفعل ورد الفعل وتأثير التاريخ فينا وتأثيرنا فيه، والاعتقاد بالحساب والثواب والعقاب، والإقرار بحق الطفل وماله من حقوق في رقابنا، كما أن الإيمان يعني الإقرار بتأثير الأحداث والوقائع و... الخ.
من البديهي أن وجود الوعي والإيمان يقترن دوماً بالعمل، وبعبارة أخرى أن العمل نتاجٌ لوعي الفرد وإيمانه، وخاصة العمل الصحيح، والمدروس، والمفيد والذي يؤتي به لنيل رضا الله وينطوي على ثمار نافعة للفرد والمجتمع.
إننا نعتقد أن من يقدم على الزواج والتكاثر بدون الالتفات إلى مثل هذه الحقائق إنما يخسر نفسه ويضر مجتمعه ويزوده بجيل ضائع وعابث، وأنه سيكون – لا شك – عرضة للمؤاخذة في إزاء مثل هذا التقصير والإهمال.
مسألة المحاكاة
ينبغي أن لاتغيب هذه النقطة عن الأذهان في موضوع التربية وهي أن الطفل مقلد ومطبوع على محاكاة كل ما يرى من سلوك وتصرفات على ما فيها من بخل وحرص وانفاق وسرقة وخوف وتحايل، وعلى هذا الأساس فإن الذين يمثلون بالنسبة للطفل القدوة والمثال ولا سيما أولئك الذين يعتبرهم أبطالاً، يؤثرون كثيراً على شخصيته فيتخذ من سلوكهم مثالاً يحتذي به سواءً كان قبيحاً أم جميلاً.
وأنطلاقاً من هذه الرؤية يؤكد الإسلام على طهارة البيئة، ويدعو جميع الناس الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي إلى أن تكون كل تصرفاتهم قائمة على المعايير الإسلامية، وهذا التأكيد نابع من التكليف المفروض على جميع الناس من الوجهة الاخلاقية والشرعية من جهة، ولأجل أن يكون سلوكهم مثالاً يحتذي به الآخرون من جهة أخرى.
قد يرى الطفل احياناً شيئاً لا يقدر على تقليده في ذلك الحين، ومع ذلك فلا يستساغ القيام بأي تصرف قبيح أمام ناظريه، وذلك لأن ذهنه يلتقط ما يراه حوله من صور ومشاهد، ثم أنه يضع هذه الصور والمشاهد في المراحل التالية من النضج موضع الدراسة والتحليل ثم يطبقها عملياً.
التربية والاستثمار
التربية عبارة عن نوع من الاستثمار، وهذا الاستثمار يستلزم الإيمان والوعي، وعلى الوالدين أن يشعرا بالمسؤولية في هذا المجال، فالذين لا يعتقدون بدورهم وواجباتهم الدينية يتساهلون في أمر التربية ولا يعيرونها الاهتمام المطلوب.
التربية نوع من الاستثمار، فالأموال التي ننفقها اليوم في سبيل تربية الأولاد لا تذهب سدى لأنها ستكون لها معطيات ثمينة، ولأجل الإطلاع على مدى قيمة هذا الاستثمار يكفي أن نلقي نظرة على شخصين متساويين في السن والكفاءة وقد حظي أحدهما بالظروف التربوية الصحيحة فبلغ مرحلة الإثمار، أما الآخر فلم يتلق أي نوع من التربية الأصلية لنرى مدى صلابة كل منهما سواء في الجوانب المادية أم المعنوية.
الدول الصناعية اليوم تعتبر التربية نوعاً من الاستثمار، بل وحتى تنظر إليها بصفتها نوعاً من الصناعة، فتضاعف معطيات العمل والانتاج عن طريق فتح الدورات الحرفية والصناعية وعمل كهذا لا يعد مستهجناً وخاصة عندما يضع في الحسبان الأبعاد المعنوية والاخلاقية والعاطفية للإنسان.
وتأسيساً على هذه الرؤية فإن فهم الموضوع وامتلاك الوعي اللازم بشأن الجوانب المتعلقة بعلم النفس، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم وظائف الأعضاء، والأخلاق، ونمط الحياة، والقيم الإنسانية العليا، يدخل بأجمعه في نطاق هذا الاستثمار ويجعله أكثر قيمة وأحدى نفعاً.
التربية والزمن
إن العالم في تغيير متواصل، والحضارة وكل مظاهرها في اتساع مستمر، لكن هذا التطور الذي ترك آثاراً إيجابية على الصعيد المادي، ما هو تأثيره على الصعيد المعنوي؟ والخوض في هذا الموضوع لا يعنينا أما الذي يعنينا منه فهو الالتفات إلى الحديث الواردة عن الإمام علي (ع) والذي يقول فيه: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم).
والذي نريد قوله أن لكل زمن ظروفه ومقتضياته التي يجب أن تؤخذ في الحسبان وتوضع موضع التقييم لنرى الحالة والموقف الذي نحن فيه، ولنفهم كيف ينبغي لنا أن نعيش وكيف يجب أن نربي أبناءنا وما هي الحرف والمهن التي يجب تعليمها لهم؟
من البديهي أن كلامنا هذا لا يعني أن الناس إذا كانوا فاسدين ومتحللين في عصر من العصور فنحن أيضاً يجب أن نرّبي أبناءنا على الفساد والتحلل، بل المراد من هذا الكلام هو عدم استبعاد الجوانب الإيجابية والمتجددة، أو الجوانب المادية من الحياة على أقل تقدير.
يجب أن تكون تربية الأولاد بالشكل الذي يجعلنا نستفيد من محاسن الأدوار السابقة مع عدم إغفال معطيات العالم الجديد تماماً مثل ما نفعل نحن بشأن حياتنا الحالية، آخذين بنظر الاعتبار غدنا وحياتنا المستقبلية.