أسباب المشاكسة ودوافعها
الكاتب الدكتور علي القائمي
ولكن ما هو السبب الذي يدفع الأطفال وحتى الأحداث إلى انتهاج أسلوب مشاكس؟ طرحت لهذا السؤال أجوبة متعددة يمكن العثور عليها في الكتب النفسية والتربوية، إلا أننا نشير هنا إلى بعضها مع إلتزام جانب الإيجاز:
1- الأسباب الوراثية: يعتقد بعض المختصين أن المشاكسة وعدم استواء سلوك الأطفال له أسباب وراثية وجذوره منبثقة من طينة الشخص وفطرته حتى أنهم قالوا بانتقالها مع الصفات الوراثية التي تنتقل عبر الجينات. وقال بعض العلماء أن عدد الكروموسات عند المشاكسين وفي مستوى أعلى عند المجرمين يبلغ 47 كروموساً بزيادة كروموسوم واحد بالمقارنة مع الأشخاص المشابهين، إلا أن التحقيقات اللاحقة أظهرت وجود كروموسوم إضافي في بعض الحالات عند الأشخاص الطبيعييين.
أما وجهة النظر الإسلامية فلا تعتقد بولادة أي إنسان على الخبث وفساد الفطرة بل الجميع يولودون على طهارة الفطرة ونقاء الطينة، والبيئة هي التي تمهد لهم أرضية الانحراف. هنالك – طبعاً – مشاكسة ولادية منشؤها وجود نقص عقلي يتمخض عنه سلوك غير متزن، ولا تعدو مثل هذه الحالة عن كونها حالة مرضية وموقفنا منها يختلف عن سواها من الحالات.
2- اسباب بيئية: يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أسباب ودوافع كثيرة، وأهمها: حالة البدن والنواقص المحتملة فيه، والوضع الصحي، وتشوش الرؤية والسمع أو أي اضطراب في المخ والجها العصبي و ...الخ.
وكمثال على ذلك نذكر أن الأطفال الذين يعانون من نقص جسمي يتعرضون لأستهزاء الآخرين مثلاً لا يتصفون بوضع طبيعي، فهم يقفون في مقابل توبيخ الآخرين لهم واستهزاءهم بهم موقفاً يطلق عليه اسم المشاكسة. أو أن شعورهم بالنقص من جرّاء وجود عاهة عضوية فيهم يدفعهم لأتخاذ مواقف عدائية من أجل التغلب على هذا الشعور ولإثارة قلق الآخرين.
3- أسباب نفسية: ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى حالات كثيرة نوجز أكثرها أهمية على الصورة التالية:
أ- الاختلال العقلي، فهو يؤدي تلقائياً إلى ظهور سلوك غير عقلي.
ب- وجود ضغوط داخلية تؤدي إلى حصول موجبات عدم التحمل وبعدها المشاكسة.
ت- الرغبة في الاستقلال تولد لدى الإنسان ميلاً نحو العصيان.
ث- الأضرار التي تصيب الجانب النفسي تشكل عاملاً من عوامل المشاكسة.
ج- العادات العصبية الدالة على وجود سلوك مشاكس من قبيل قضم الأظافر ومص الأصابع و ....الخ.
ح- كثرة الصراعات والتناقضات في الحياة اليومية، خاصة عندما يشعر الطفل بافتقاره لوسائل الدفاع.
خ- وجود آمالٍ وأمان لا يقنع الطفل دون تحقيقها.
4- أسباب عاطفية: ويمكن الإشارة في هذا المجال أيضاً إلى الكثير من العلل والأسباب نوجز بعضها بالشكل التالي:
أ- الشعور بالحرمان من محبة الوالدين.
ب- الشعور بالإخفاق في بلوغ الهدف المنشود.
ت- ظهور مشاكل عاطفية ناتجة عن ولادة طفل جديد في العائلة فيتولد لديه شعور بأن القادم الجديد قد سلبه محبة والديه.
ث- الشعور بفقدان أن كرامته عند أفراد الجماعة التي يحبها.
ج- الشعور بفراغ الحياة وخلوّها من أية قيمة، أو ثقل الالتزام المفروض عليه من قبل أبويه.
ح- الشعور بوجود شحة في المأكل والملبس مع التصور بأن أحد الوالدين لو كان موجوداً لما تعرض هو لمثل هذه الشحة.
خ- الشعور بعدم الأمن العاطفي بسبب كثرة الشجار والخصام بين الوالدين لو كان موجوداً لما تعرض هو لمثل هذه الشحة.
د- الشعور بعدم الأمن العاطفي بسبب كثرة الشجار والخصام بين الوالدين.
ذ- عدم إشباع حاجاته الأساسية: كالمحبة، وحب الاستطلاع، والحصول على مكانة بين الجماعة.
ر- وأخيراً وجود مشاعر غامضة ومجهولة في مجال سد الحاجات الأساسية.
5- أسباب أخلاقية: وقد تكون المشاكسة ناتجة أحياناً عن سقوط الأخلاق وانحطاطها، فالشخص الذي يعش في وضع تهدمت فيه كل الأسس الأخلاقية لا يلتزم بأية تعاليم أو قيم.
فمثل هؤلاء الاشخاص الذين عاشوا حياة عابثة بعيدة عن القيود والالتزام يجدون أنفسهم في مختلف الظروف أحراراً وبلا أية مسؤولية، لا يلتزمون عهداً ولا يحترمون أية تعاليم، ولا شك أنهم قد عاشوا بين جماعة مثلهم يتسمون بعدم المبالاة وعدم النضوج.
ومن المحتمل أنهم لا يعرفون شيئاً من التعاليم الأخلاقية ولم يكن ثمة من يقدم لهم مثل هذه المعلومات.
والمحصلة النهائية لكل هذه الأوضاع هي السقوط والانحطاط الأخلاقي.
6- أسباب تربوية: وقد يُعزى السلوك المشاكس في بعض الحالات إلى الوضع التربوي للأسرة. فالأبوان لديهما طفل واحد، أو حتى الآباء والأمهات الذين يتهاونون في أمر تربية أولادهم، فإنهم يمهدون الأرضية لأبنائهم لينشأوا على الدلال والميوعة.
كثيراً ما يؤدي الإفراط بالمحبة والدلال الزائد عن الحد وتجاهل بعض الأمور الحساسة إلى أن ينشأ الأبناء على العناد والخيلاء وعدم إعارة أي اهتمام للأعراف والتعاليم. إلا أن نفس الوالدين والمهتمين بالشؤون التربوية سيذوقون لاحقاً جني أيديهم ويضطرون إلى مواجهة الأطفال بالضرب والقسوة لكنهم سيدركون حينها أن الوقت قد فات، وأن إرجاع الطفل إلى حالته الطبيعية صعب إن لم يكن مستحيلاً.
7- اسباب اقتصادية: الفقر والحرمان من الأسباب المباشرة للمشاكسة. فالأطفال الذين يعيشون الحرمان ويشاهدون ما يتنعم به الآخرين يضمرون في أنفسهم قلقاً شديداً حتى وإن لم يصرّحوا بهواجسهم علانية.
هنالك فارق بين طفلين يطلبان الفاكهة والحلوى والدراجة، فتتوفر لأحدهما بمحض الإشارة، ولا يحصل الآخر منها على أي نصيب، ومن الطبيعي أن لا يتصف طفل كهذا بسلوك طبيعي، والأدهى من ذلك أن يتلقى اللوم أو العقاب من أبيه أو أمه جزاء له على مثل هذه الرغبات.
8- أسباب اجتماعية: ويجدر بنا في هذا الصدد ذكر الكثير من الأمور، إلا أنننا سنكتفي منها بما يلي:
أ- الرفض من قبل أفراد المجتمع وبالشكل الذي يجد فيه نفسه مضطراً لانتهاج سلوك خاص يرغم به الآخرين على طاعته والانقياد له.
ب- كثرة الاختلاف والشجار والنزاع بين أفراد العائلة.
ت- حصول الفراق أو الطلاق بين الزوجين مما يجعل الطفل كالكرة التي تتقاذفها الأيدي.
ث- الشعور بعدم الأمان الناجم عن وجود تصرفات عائلية مثيرة للريبة بسبب الفقر أو سوء الأخلاق.
ج- الانعكاسات التربوية السيئة التي يتعلمها الطفل من المدرسة أو من البيت.
ح- الأعراض عن الطفل من قبل الأب أو الأم مما يضطروه لأنتهاج أسلوب يستقطب به الاهتمام من جديد.
خ- نشوب النزاعات والخلافات بين الأخ والأخت أو بقية أفراد العائلة، مما قد يشعر الطفل بالمظلومية أثناء تحكيم الوالدين في الموضوع.
د- وجود مشكلة اجتماعية يشعر الطفل على أثرها بانعدام الملاذ الآمن.
ذ- وقد يكون نمط التربية أيضاً من الأسباب الاجتماعية لنشوء هذه الحالة.
9- اسباب ثقافية: يؤثرنوع الثقافة والأخلاق الثقافية المستمدة من الدين أو الاجتماع على تعيين المسار الذي يسلكه أبناء ذلك المجتمع، وتؤثر في تحديد سلوكهم مؤثرات جمة من قبيل الأنماط الفكرية. والعادات والتقاليد والقيم، والفلسفات والآداب، والامثال والحكم، ونوعية الوشائج الاجتماعية. وغيرها.
فالمجتمعات ذات المستويات الثقافية العالية يكون الناس فيها على طراز معين، بينما هم على طراز آخر في المجتمعات ذات المستويات الثقافية المتدنية.
ينتقل الانسجام الثقافي عادة إلى الأفراد عن طريق الأجهزة والوسائل الثقافية كالكتاب والسينما، والإذاعة، والتلفزيون والصحف، والمسرح. ومن الطبيعي إن الطفل الذي يتلقى هذه المؤثرات الثقافية يعكسها في ما بعد إلى ذلك المجتمع بنفس الصورة.
فالمؤثرات الثقافية الايجابية أو السلبية لها تأثير كبير في هذا المجال.
10- اسباب انضباطية وسياسية: يمكن الحديث في هذا الموضوع عن الظروف والإمكانيات السائدة في البيت والمدرسة أو المجتمع. فنحن نلاحظ الطفل قد يذهب إلى المدرسة وبعد عودته إلى البيت يأتي جالباً معه أنواعاً من الشر والتخريب والمشاكسة.
أو على العكس يذهب الطفل إلى المدرسة ويقول فيها بأعمال مؤذية للمعلم أو المسؤولين.
هذا التصرف ينم عن أن الطفل يعيش في جو من الضغط والكبت بحيث لا يجرؤ على الكلام وحينما يتاح له الدخول في جو مفتوح وهادىء يظهر منه كل هذا الشر والأذى. أي أن نوع الانضباط والسياسة المتبعة في البيت أو في المدرسة والمجتمع تمهّد لظهور طابع المشاكسة في سلوك الطفل، وإذا كانت هنالك رغبة في تقويم سلوكه فيجب أن تبدأ من هناك.
العوامل المساعد على ترسيخ المشاكسة
ثمة عوامل كثيرة تساعد على ترسيخ المشاكس، فتحوّل الحالة من سيء إلى أسوأ، ونحن مضطرون هنا إلى تتبّع ثلاثة مراكز، وحالة شخصية واحدة لها تأثيرها الواضح في هذا المجال وهي:
1- الأسرة: سبق لنا وأن ذكرنا عدّة عوامل بشأن العائلة، لكن الحقيقة هي أن ثمة أسباب وعوامل أخرى جديرة بالذكر، وهي:
أ- الانضباط الناقص الذي قد يمارس من قبل الأبوين، كالصياح والعقوبة.
ب- فرض لونين من الانضباط من قبل الأبوين أو من قبل الأخ والأخت.
ت- فقدان الاستقرار العاطفي في العائلة.
ث- ارتكاب الجرائم والمفاسد من قبل الأبوين أو الأشخاص الذين لديهم سلطة على الطفل.
ج- وجود الفقر من غير تعويد الطفل على عزّة النفس بحيث لا يطيق تحمل حالة العوز هذه.
ح- سوء الظن والكلمات البذيئة المتبادلة بين الأبوين وسخطهما على الحياة وتصرفاتهما السيئة التي تعتبر مثالاً سيئاً للأبناء.
2- المدرسة: هنالك عدة مسائل يمكن ذكرها بشأن المدرسة منها:
إن الطفل يصبح في البيئة المدرسية عرضة لتغيرات أساسية وكثيرة؛ فيؤثر فيه المنهج الدراسي والكتاب والأهداف والأساليب المتبّعة في التعليم والتربية.
فالانضباط التام أو الناقص الذي يمارسه المعلم مع الطفل له تأثير فاعل في رسم وتحديد سلوكه وقد ذكرنا أن الطفل قد يكون في بداية الأمر شخصاً متزناً إلا أنه قد يتحول في ما بعد إلى شخص مشاكس نتيجة لسوء التربية التي يتلقّاها في المدرسة.
والضغط الذي يمارسه عليه المعلم يدفعه إلى اظهار أذاه في موضع اُخرى يجد فيها الفرصة المتاحة، وقد يكون لكثرة الواجبات المدرسية والمؤاخذات والانتقادات نفس تلك التأثيرات عليه.
3- المجتمع: ومن المحتمل أن تؤدي كل من الأسرة والمدرسة واجبها بشكل صحيح، إلا أن الانعكاسات السيئة الشائعة في المجتمع هي التي تؤدي بالطفل إلى انتهاج سلوك مشاكس.
لا شك أن تأثير المجتمع على صغار السن لا يماثل تأثيره على الكبار فالطفل أثناء حياته الاجتماعية في البيت وخارجه يلاحظ سلوك أصدقائه وأقاربه وسائر الناس ويتعلم منهم الكثير متأثراً بكل ما يرى من مشاهد الحياة.
فهو حينما يلاحظ في المجتمع ظلماً وتمييزاً من قبل البقال والعطار والخباز، ويشاهد معالم القهر والظلم من الشرطي مثلاً، فذلك يكفي ليكون له درساً بليغاً في المشاكسة.
4- الحالة الشخصية والظروف الذاتية: وأخيراً فلابد من دراسة الحالة الشخصية والظروف الذاتية لمثل هؤلاء الناس. فقد تكون دوافع السلوك الفلاني قائمة في نفس الشخص، إلا أن رؤية أحد المشاهد تحفّزه على الفعل والحركة. وبعبارة اخرى أن داخله ينطوي على مخزن من البارود ورؤيته لمشهد ما بمثابة إشعال الفتيل أو قدح الصاعق لتفجيره.
والطفل الذي تعرّض في فترة حياته القصيرة لكثير من الانكسارات والهزائم وأصيب بالأمراض والآلام المختلفة، ومُني بفقد أعزائه وأحبائه ولم يذق في حياته طعم النجاح والسعادة لا يحظى في حياته بوضع طبعي أو يتمتع بحياة طبيعية، أي أن الظروف والأوضاع التي يواجهها تؤثر كثيراً في مدى انسجام واستقامة سلوكه أو مشاكسته.