عوامل اتساع الانحراف
الكاتب الدكتور علي القائمي
تتداخل عوامل كثيرة في توسيع الانحرافات ومن جملتها الأفكار الداعية إلى انتهاج مسلك العنف كالفاشية، أو المعتقدة بأصالة اللذة كآراء نتشه، وآراء أخرى تدعو إلى أباحية الجنس وسيادة الشهوة كالفرويدية، وبعضها الآخر يميل إلى فكرة العبثية، وما شابه ذلك.
في بعض الأحيان تُتخذ وسائل الإعلام كأدوات تنفيذية في إشاعة الانحراف كالإذاعة، والتلفزيون، والكتب، والمجلات، والصحف، وغيرها. كما أن للعوامل الأخرى دورها أيضاً كالفقر، التخلف الثقافي، العادات والتقاليد البالية، مخلتفات الاستعمار وعملائه.
علاقة الانحراف بالعوامل الأخرى
يرى علماء النفس ولا سيما المختصين بعلم النفس الاجتماعي وجود علاقة بين الانحراف وغيره من العوامل الأخرى، ويلخصونها في النقاط التالية:
1- السن: الانحراف أكثر تفشياً بين فئات صغار السن بالقياس إلى كبار السن ويعزى ذلك إلى غلبة المشاعر وقلة التجارب. صحيح أننا لم نلاحظ أية جريمة في أوساط الصبيان الذين تقل أعمارهم عن اثني عشر عاماً، إلا أن الشذوذ الجنسي ينتشر بينهم بنسبة كبيرة ما بين سنة 12-16 عاماً فهنالك مخالفات صغرى، وانحرافات جنسية كبيرة، وتبلغ الجريمة ذروتها في المرحلة السنية بين 16-20 عاماً.
2- الجنس: الجرائم والانحرافات أكثر انتشاراً بين الفتيان مقارنة بالفتيات. وحالات العدوان والتجاوز عند الفتيان أكثر، أما عند الفتيات فتقابلها صفة الاستسلام والمتاجرة بالشرف وخلاصة القول أن مظاهر الانحراف أكثر شيوعاً بين الفتيان.
3- العنصر: تبين من إحدى الدراسات أن الانحرافات أكثر شيوعاً بين أبناء العنصر الأسود وسبب ذلك لا يعود طبعاً إلى نفس العنصر وإنما إلى الفقر وانخفاض المستوى الثقافي الذي يطبع الغالبية العظمى من السود. الانحرافات في الجنس الأبيض أكبر لكن نسبتها أدنى. فللعامل الثقافي تأثير لا يستهان به، وإلا فليس هناك من يولد وهو مجرم.
4- العامل الاقتصادي: أكثر ما تشيع الانحرافات في ظروف الفقر والعوز، وتتفاقم عند الأزمات الاقتصادية، وتتسع الدوافع المؤدية إليها في فترات الركود الاقتصادي. تلاحظ انعكاسات هذه الظروف على الأطفال ، أما عند الكبار فهي أشد وأكثر.
5- النظام الانضباطي: كلما كانت حالة الانفلات في المجتمع أشد وأوسع ازدادت فيه نسبة الانحراف والجريمة، وإذا كانت القوانين أكثر تساهلاً انعكست النتيجة على زيادة الانحراف. فالناس بحاجة إلى القوانين الرادعة في جميع مراحل حياتهم.
6- نسبة ذكاء الأشخاص: أظهرت الدراسات التي أجراها عالم النفس الإنجليزي (برت) بأن الانحراف يتناسب عكسياً مع نسبة الذكاء، وغالبية المجرمين هم من قليل الذكاء. إلا أننا نظر إلى هذا الرأي بشيء من الريبة والتأمل حيث أن الأذكياء يمارسون الإجرام ويتصفون بالانحراف لكنهم لا يخلفون وراءهم أثراً دالاً يساعد على كشفهم والقبض عليهم.
7- التطور الحضاري: أظهرت الدراسات أن الانحراف أضحى أمراً سهلاً من في ظل التطور الحضاري والتقدّم الصناعي بسبب سهولة الحصول على الأدوات والوسائل اللازمة، وصار الكثير من الناس يمارسون الانحراف، والأطفال غير مستثنين من هذه القاعدة؛ إذ تؤثر فيهم النظرة واللمسة وما شابههما.
8- الاضطرابات الجسمية: ومن جملة العوامل الأخرى التي تساهم في تفاقم الانحراف الأمراض العضوي والاضطرابات الجسمية كالإصابة بمرض السفلس، وكثرة الأرق وما شبه ذلك. ولا يستبعد أن تكون بعض الانحرافات والجرائم ناتجة عن هذه الأمراض. فالأرق مثلاً يدفع بالإنسان إلى ارتكاب جرائم كبيرة.