بذاءة الأطفال
الكاتب الدكتور علي القائمي
تقديم
من جملة المسائل التي تتعرض لها الأسرة هي الكلمات البذيئة التي تصدر من الطفل، وكثيراً ما يشعر الأب أو الأم بالحرج من جرّاء تفوهه بكلمات بذيئة أمام الآخرين. فهو قد يتلفظ بمثل هذه الكلمات في كل مجلس دون تمييز بين القريب والغريب بمجرد أن يرى شيئاً يجري خلافاً لإرادته، وقد يقترن ذلك بالبكاء أيضاً مما يتسبب في إزعاج الآخرين وسلب راحتهم. أما الجذور الأساسية لمثل هذا التصرف، والتي سنشير إليها ضمن بحثنا هذا، فهي متباينة وتنم عن سوء الوضع التربوي والأخلاقي للطفل، وتسبب الخجل للوالدين والمربين. ولهذا يبدو من الضروري المسارعة لإيجاد حل لها واجتثاثها من سلوك الطفل.
سلوك مثل هؤلاء الأطفال
يتسم الطفل البذيء في كلامه بانعدام الصبر وقلة التحمل والحساسية المفرطة وسرعة الاستثارة والانهيار لأدنى سبب، والمبادرة إلى إفراغ ما في جعبته على شكل سُباب وشتائم، وفي الظروف المجتمعة على شكل سُباب وشتائم. وفي الظروف الطبيعية يخفي. مثل هذا الطفل مشاعره العدائية إلا أنه عندما تنفد طاقته يزيح عن وجهه قناع الحياء ويفصح كما يشاء عما يكن في نفسه.
وطفل كهذا لا يظهر سلوكه في جميع الحالات على صورة سباب بل ويعمد عند الاستطاعة إلى تعجيز خصمه وإرغامه على الخضوع لرأيه. وإذا ما حانت له الفرصة يهاجم ويضرب ليكون بعدها في راحة وسكينة، ولكن إذا حالت دون ذلك الظروف تراه يلجأ إلى الشتائم والكلام الفاحش.
وفي بعض الحالات تنتابه نوبة من الغضب فيركل الأرض برجله ويصرخ ويشتم نفسه والآخرين بصوت مرتفع. وهو على كل الأحوال لا يتمتع بوضعٍ طبيعي من حيث الهدوء والاستقرار.
الطفل واستعمال الألفاظ
إن طبيعة البحث تتطلب منا تسليط المزيد من الضوء على بعض أبعاده، ولهذا فإننا نلقي في ما يلي نظرة على مستوى معلومات الطفل ومدى معرفته بمداليل الكلمات والألفاظ المتداولة .
من المسلمات أن الطفل في مطلع أمره عاجز عن الكلام إلا أنه وبالتزامن مع نموّه يسمع شيئاً فشيئاً بعض الكلمات من أبويه فيتكون في ذهنه مفهوماً إجمالياً عنها. وخلال السنة الأولى من عمره يصبح الطفل قادراً على فهم الكثير من معاني الكلمات من خلال الأصوات التي تصدر عن أبويه والأشخاص المحيطين إلا أنه يبقى عاجزاً عن الإفصاح عنها، وعندما يبدأ بالنطق يقوم بتلفظ بعض الكلمات بشكل متقطع. وبعد هذه المرحلة، أي عند حوالي سنة الثالثة من عمره يبدأ باصطياد الكلمات والمصطلحات.
يقترن تعلم الكلمات في بعض الأحوال بنوع من التأثير والإثارة التي تتركها هذه الكلمات حين استعمالها على السامع، ويطلع من خلال ذلك على حسن وقبح الكثير من المفاهيم فيجعل منها سلاحاً يشهره في سبيل بلوغ مقاصده وتحقيق مطالبه.
وخلال الاستخدام المتكرر للكلمات يدرك الطفل تدريجياً ما هي الكلمات التي تترك تأثيرات سلبية، الكلمات التي تسر السامعين، وما هي الكلمات التي يستخدمها ليلفت إليه نظر أبويه، والكلمات التي يستثير بها حفيظتهما.
عدم الإطلاع التام
ومع هذا فهو ليس على تلك الدرجة من النضج بحيث يدرك كل معاني الكلمات، فقد يستخدم كلمة لا يعرف معناها ويستشف حسنها وقبحها من خلال مواقف الوالدين منها وردد أفعالهما، ويخطط على أساس ذلك لحياته المقبلة.
ومعنى هذا أن حساسية الوالدين والمحيطين تعتبر بالنسبة للطفل بمثابة المؤشر الذي يدرك من ورائه ما ينبغي له علمه. وهذا ما يتيح المجال للوالدين والمربين لاستخدام نفس هذه المسألة في معالجة هذا السلوك وذلك من خلال التظاهر بعدم إبداء أي نوع من التأثر أو الحساسية إزاء الكلمات التي يتفوه بها لأن هذا الأسلوب يرغم الطفل على تناسي تلك الكلمات أو تركها. وسيأتي بيان ذلك في موضع آخر. أما ما يجب التركيز عليه في هذا الموضع فهو ضرورة التفات الأبوين إلى أقوالهما وأفعالهما لأنها تمثل بالنسبة للطفل درساً مؤثراً بحكم كونها من أغنى المصادر التربوية والتعليمية التي يستمد منها معلوماته.
هدف البذاءة
وهنا تبدو لنا هذه المسألة جديرة بالذكر وهي لماذا تصدر البذاءة من الطفل؟
ولماذا يشتم الآخرين ومنهم أبواه وأخته وأخوه ولماذا تتفاقم هذه الظاهرة أحياناً حتى تطاله هو شخصياً أي أنه لا يعفي منها أحداً حتى نفسه؟
إن دراسة نمط التفكير الذي يحكم سلوك مثل هؤلاء الأشخاص ظهر لنا جملة من النقاط التي يمكن من خلالها التعرف على بعض مقاصد الطفل وأهدافه من هذا التصرّف، ونشير في ما يلي إلى نماذج منها.
1. البغض: تظهر التجارب أن أحد أسباب البذاءة الصادرة من الأطفال هو البغض والخصام. فكما ذكرنا سابقاً أي فيما لو كانت لدى الطفل قدرة التصدي لمن يعلم منه البغضاء فهو لا يتورع عن مواجهته بالضرب والعنف، إلا أنه حينما يفتقد مثل هذه القدرة يلجأ إلى التعبير عن بغضه باستخدام السباب والشتائم والكلام البذيء.
الطفل يسمع هذه الألفاظ النابية من الآخرين وقد لا يفقه معناها لكنه يعلم أ،ها إذا قيلت للآخرين تثير غضبهم وعلى هذا الأساس يستخدم هذه الكلمة السيئة انطلاقا مما تحمله من معان مؤذية.
2. التعبير عن الغضب: تعتري الطفل حالة من الغضب أحياناً عند سماعه لكلام أو رأي أو حين رؤيته لموقف ما، ولا يرى سبيلاً يعبر به عن غضبه سوى التلفظ بالكلام البذيء. وهذا التصرف يختلف عن موضوع العداوة ذات الأبعاد المسبقة والكراهية القديمة، بينما لا تمثل هنا إلا ظاهرة فورية ودفاعية.
يتميز مثل هؤلاء الأطفال بالكتمان وإخفاء الكلمات والتعابير النابية إلى أن يحين موعدها المناسب. فإذا تمكن من خصمه أثناء فورة الغضب عضه وضربه وإذا لم يتمكن من شتمه.
3. الاحتقار والسخرية: يلاحظ أحياناً أن أب الطفل أو أمه يثنون على طفل آخر ويحمدون خصاله، ومن طبيعة الطفل أنه يعبر مثل هذه الثناء نوعاً من الإهانة له، ولا يرى في مدح سواه إلا احتقاراً لشخصيته. ولهذا السبب نراه يركن إلى أحد الزوايا ويكثر من شتم الشخص المذكور. أو قد يقوم الأب أو الأم بمكاشفته بمحاسن الطفل الآخر، فيأخذ هو بشتمه حتى في حالة غيابه ويستعمل في ذلك أقذع الألفاظ والشتائم لغرض النيل منه وتحيط شخصيته.
يؤذون بها التلاميذ الأذكياء ويسخرون منهم أيضاً، والغرض النهائي هو تسكين الانفعال الداخلي الشديد في نفوسهم.
4. الانتقام: وقد يكون هدف الكلام البذيء في بعض الموارد هو الانتقام. فإذا تعرض الطفل للضرب من قبل أبيه مثلاً قد لا يجرؤ على مقابلته بالمثل، ولا يمكنه فعل شيء سوى البكاء والأنين، ولكن ما أن يخرج الأب من البيت حتى يتحول إلى أسد على أمه ويبدأ بإطلاق الشتائم واللعنات عليه انتقاماً مما لقيه منه. وهكذا الحال أيضاً بالنسبة للطفل الذي يلقي العقوبة من المعلم أو المدير.
5. التنفيس عن العقد: أن الطفل الذي يستشعر الحرمان في حياته، كأن يكون مثلاً قد عجز عن الفوز في مسابقة، أو تعرّض للاحتقار بين الآخرين ولم تكن له قدرة الدفاع عن نفسه، أو أن وضعه العام لا يتيح له مجاراة الآخرين، يحاول التعويض عن ذلك باستخدام العبارات النابية. أو أنه حينما يعجز عن التغلب على المعاناة المتواصلة التي يقع فيها يضطر لاستخدام الكلمات البذيئة لكي ينفس عن معاناته.
6. الضغط على الآخرين وإخضاعهم: الطفل يدرك عادة الوضع الذي يعيشه أبويه ويعلم مدى مكانتهما بين الآخرين. وحينما تكون لديه مطاليب يحاول طرحها أمامهم وإذا رأى أنها لا تلبّى يعمد إلى الضغط والكلمات القبيحة لغرض تلبية مطاليبه.
أي أن الكلمات البذيئة تستخدم من قبل الطفل في بعض الحالات كأداة للضغط على الآخرين. وإخضاعهم؛ فهو يريد من خلال التفوّه بهذه الكلمات إرغام المقابل على تنفيذ رأيه.
7. الاختبار: في بعض الحالات يحاول الطفل اختبار والديه ليرى مدى حساسية كل واحد منهما، وما هي الأمور التي تثيرهما. فيبادر عن قصد للتلفظ ببعض الكلمات النابية ليغضبهما وإذا نجح في مسعاه يظل يتخذ من هذا الأسلوب سلاحاً يشهره وقت الحاجة.
8. الشغب وسوء الأخلاق: وأخيراً قد تحيط بالطفل ظروف يلمس فيها انعدام الأمن ويشعر بالخوف من أمر مبهم فيندفع لا شعورياً نحو توفير مستلزمات الأمن لنفسه، ولهذا يأتي بالكلمات والأفعال التي من شأنها إثارة غضب الآخرين من أجل وضع حد للقلق الذي يعاني منه. وهو يعكس في حقيقة أمره المقولة الشائعة (جلده يحكه) لأنه يسعى من خلال الكناية والاستخفاف بوالديه والتلفظ بالكلمات القبيحة إثارة غضبهما ليقوم أحدهما إليه ويشبعه ضرباً، فيشعر من بعدها بالراحة.
مواضع الاستعمال
وبناءً على هذه الحالة التي صورناها تتبين لنا المواضع التي يحاول فيها الطفل استخدام الكلمات النابية لتحقيق أهدافه. إلا أن ما تم التركيز عليه يختص بالغايات والمطاليب التي يستغلها لمثل هذه الكلمات. أما في ما يلي فسيكون التركيز على الموارد والحالات التي يستخدم فيها الطفل كلامه القبيح.
يتبين من خلال الدراسات أن مواضع استعمال الكلمات القبيحة أكثر ما تكون في الحالات والظروف التالية، وعلى أولياء الأمور الحدّ جهد الإمكان من حصول مثل هذه الظروف، والمواضع هي:
1- عدم القدرة على بلوغ الهدف: يركز الطفل كل جهوده أحياناً لتوفير المستلزمات الأولية لبلوغ هدف يصبوا إليه إلا أن الظروف تحول دون ذلك فيظل محروماً منه، وتراه يضطر في مثل هذه الحالة إلى إفراغ كل ما لديه من شتائم وكلام قبيح، لينفس عن عقدته.
قد يكون الهدف الذي يسعى نحوه الطفل كبيراً في نفسه بحيث يكون على استعداد للبذل في سبيله، ولكن حينما يتعسر عليه بلوغه يصير تافهاً في نفسه إلى درجة أنه يصب عليه كل الشتائم واللعنات.
2- مواجهة الموانع والمعوقات: وهذه أيضاً حالة أخرى من حالات الإخفاق في بلوغ الهدف، فالطفل الذي يخصر عليه تناول الحلوى أو أي شيء آخر يحبه، يسعى للتعبير عن استيائه بكل أسلوب ممكن، كالسخط والغضب وركل الأرض برجليه ويحتمل أيضاً أن يسبَّ ويشتم.
وربما لا يلخو الأب أو الأم من التقصير في هذا المجال؛ فقد يصدر منهما ومن غير سبب وجيه ما يؤذي الطفل ويجعلون في طريقه بعض الموانع والمعوقات التي تؤدي به إلى التضحية بعزة نفسه والاستهانة بشخصيته.
3- الشعور بانعدام الموازين: أن الشعور بضياع الموازين يجعل الطفل في حالة اضطراب وشعور بالضغط. والطفل الذي يعيش في ضياع وحيرة يشعر بالألم ، وهذا ما يدفعه للتلفظ ببعض الكلمات المستهجنة لأنه يرى في ذلك راحة لنفسه. وتتجلى مظاهر سوء سلوكه بضرب الأبواب وركل الأرض برجله والتمرد والعصيان. وكذلك يرى وجوب أن يعاقب على بعض تصرفاته السيئة ولكنه حينما لا يلقى العقوبة يبقى في وضع بعيد عن الاستقرار ويريد أن يتحدد موقفه بشكل قطعي وأن يلقى العقوبة جزاء عصيانه، وإلا فإنه يواصل شتائمه وكلماته البذيئة.
4- الشعور بالفشل: قد يلجأ الطفل الذي يتعرض لظروف الفشل والهزيمة إلى انتهاج أسلوب الكلمات النابية ويكثر من البذاءة في القول على سبيل مواساة نفسه، فهناك الكثير من الناس الذين لم يحققوا أي امتياز في الحياة ولم ينجحوا في أمر من الأمور، وإنما تعرّضوا لظروف ذاقوا بها طعم الفشل وشعروا باليأس، ومن البديهي أن لا يعيش أمثال هؤلاء الأطفال حياة طبيعية، بل هم كثير والتذمر والشتم، وكثيراً ما يعلنون الآخرين.
5- وجود الضغوط: هناك أطفال يجدون أنفسهم في مواجهة ضغوط هائلة وضربات قاتلة، وقد يعيشون ظروفاً تجعل الآخرين يلقون عليهم باللوم والتقريع باستمرار إضافة إلى ما يحيط بهم من مصاعب. ومما يزيد الظن بلة التشدد المتزايد من قبل الأبوين بحيث يبدو وكأنهم لا يستطيعون التحرك إلا بأذنهما، ومن الطبيعي أن لا يجد مثل هؤلاء الأطفال أمامهم من سبيل لتخفيف وطأة الضغوط إلا من خلال المجابهة التي لا تتيسر لهم على الدوام، أو عن طريق الشتائم واللعنات الخفية والمعلنة.
6- التهريج: الكلام البذيء الذي يصدر من الطفل له في بعض الأحيان دوافع من التهريج وإثارة ضحك الآخرين لتكون له وجهة مقبلة عندهم.
تنبثق أسس هذه الظاهرة منذ وقت الطفولة المبكرة حينما يتلفظ الطفل وهو لا يزال صغيراً ببعض الكلمات البذيئة فيثير استحسان الأبوين والمحيطين به بسبب جذابية كلامه ويلقى منهم التشجيع. وحينما يلمس الطفل طعم النجاح من جرّاء هذا الفعل ولا يستطيع بعد ذلك أن يتركه أو يكف عنه. ولغرض الشعور بمزيد من النجاح والحصول على تشجيع أكثر حرارة نراه يكرر ذلك التهريج في مواضع اُخرى. ومن الطبيعي أنه يصبح لاحقاً في وضع يكون قد كبر ولم تعد تلك الكلمات قبيحة بالنسبة له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكنه ترك هذه العادة بسهولة. وبهذا يكون الوالدان والمحيطون هم السبب في إيجاد مثل هذا التصرف الطفولي الشاذ.
7- الوصول إلى طريق مغلق: قد يجد الطفل نفسه في بعض الظروف وقد انسدت جميع طرق الخلاص بوجهه ولم يعد أمامه من مفر سوى سبيل الشتم والكلام القبيح، إذ يجد فيه المهرب الوحيد من حيرته وهو الأسلوب الوحيد الذي يعيد إليه الاستقرار والسكينة.
يصدق على هذا الأمر على الكبار أيضاً؛ فالإنسان يدافع عن نفسه ما وجد إلى ذلك سبيلاً. ولكن حينما تضيق به سبل الدفاع لهذا السبب أو ذاك تراه يتخذ أساليب أخرى ومنها أسلوب الشتم.
من هم الأشخاص الأكثر بذاءة
وهذا أيضاً تساؤل آخر يطرح بشأن الأشخاص الأكثر بذاءة في القول ، وما هي أكثر حالاتها؟
يتبين من خلال التجارب اليومية بأن البذاءة والشتائم أكثر ما تكون عند الأشخاص في الظروف التالية:
1. الطفل الذي ينشأ في عائلة مضطربة ومفككة.
2. حينما يكون ذوو الطفل ممن يكثر الشتم والقول القبيح.
3. الطفل الذي يتربى على يد أمٍ بذاءة الكلام.
4. الطفل الذي لم يلق بين أفراد عائلته الاحترام اللازم.
5. الأطفال الذين يتميّزون بالعصبية وعدم الاستقرار.
6. الأطفال الذين يعانون في حياتهم من الهموم والآلام.
7. الأطفال الذين تعرضوا في حياتهم لكثير من الصدمات التي تركت تأثيراً في نفوسهم.
8. الأطفال الذين يتسمون بضعف البنية وانعدام القدرة البدنية. أما عند الأطفال الأقوياء فهذه الظاهرة تأخذ طابعاً آخر.
9. الطفل الذي يغضب بشدّة ولا يقدر على كظم غيظه.
10. الطفل الذي نشأ على الدلال والتملّق ويصبو إلى أن يكون عزيزاً بدون وجود الأسباب الكافية وإذا ما واجه الإخفاق يبدي الانزعاج والغضب.
أضرار البذاءة
إن البذاءة عادة قبيحة وضارة، وتنم عن سوء الخلق وانعدام التربية. فالطفل انعكاس لحياة والديه ولنمط التربية التي تلقاها على يديهما. ويعبر علماء النفس عن هذه الحقيقة بالقول أن الطفل مرآة ينعكس فيها وجود أبيه وأمه، ويقول أحد علماء النفس في هذا المضمار: أرني طفلك، أقول لك من أنت.
يرى المربون وأولوا الأمر أن وجود الأطفال المنحرفين يمثل إحراجاً بالنسبة لهم، ويعتقدون أن تصرفاتهم المشينة طعنة لهم في الصميم، ومن الطبيعي والحال هذه أن كلام منهم يثير استياء الوالدين لأنهما يعتبرانه انتهاكاً لكرامتهما.
يلاحظ من جهة أخرى أن الطفل البذيء اللسان لا يمكنه إقامة علاقات سليمة مع الآخرين ولا يتمتع بمحبوبية بين الناس وهذا ما يؤدي إلى بقائه وحيداً ويخلق له مصاعب اجتماعية من نوع خاص.
موقف الوالدين
يختلف أولو الأمر والمربون في مواقفهم إزاء الكلمات النابية التي تصدر عن أبنائهم وبناتهم، فالبعض منهم لا يعيرها اهتماماً يُذكر بل يتركهم وشأنهم ليتصرّفوا كما يحلو لهم، ومثل هذا الموقف يؤدي بهم حسب اعتقادنا إلى التعوّد على هذه الأساليب المغلوطة، ويمارسها في مختلف المواقف.
أما البعض الآخر إزاءها حساسية مفرطة ويسعى بكل جهده لاستئصالها من سلوك الطفل حتى أنه قد يستخدم أساليب الضرب والعقوبات الأخرى، وأكثر ما يطبق هذا الأسلوب بحق الإناث، لأن الأسرة تبدي إزاءها حساسية أكثر، ونحن أيضاً نرى صحة ذلك الأسلوب.
ولابد لنا أيضاً من الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أن ذوي الطفل يتصورون أنه يدرك معنى الكلمة ويستعملها متعمداً بينما الحقيقة ليست هكذا على الدوام. صحيح أن بعض الأطفال يدرك معنى الكلمة ويستخدمها عن قصد إلا أن هذا القول لا يصدق على الجميع. فربما يتفوه الطفل بكلمة من غير إدراك لقبحها، وعلى كل حال فهذه من أوليات التربية الواجب على الآباء والأمهات معرفتها.
ضرورة القضاء عليها
عن الضرورة التربوية تحتم القضاء على ظاهرة الكلام البذيء عند الأطفال، لابد للأبوين من اتخاذ موقف حازم إزاء مثل هذا السلوك لكيلا يتعوّد عليه الطفل؛ وذلك لأن ترك العادة أمرٌ صعب للغاية.
لقد دلت التجارب اليومية على أن الأطفال البذيئي الكلام الذين لم يردعوا من قبل الأبوين صاروا أطفالاً وقحين يمارسون مختلف أنواع العنف ضد من تطاله أيديهم، وقد يتدخلون في بعض الأحيان في عالم الكبار فيفرقون جمعهم. ليس من الضروري استخدام القسوة ضدهم للوقوف بوجه هذه الظاهرة إلا أن الواجب يحتم التصدي الحازم ومراقبة تصرفاتهم وكلماتهم. إن نشوة التفوق في الشتائم تطبع سلوك الطفل كله بهذا الطابع وتجعله منذ تلك اللحظة فصاعداً غير مستعد لتحمل أي ألم أو عناء ولا يكلف نفسه بذل أي جهد ولا يجد أية ضرورة للتغلب على مشاعره.
ضرورة ملحة
ثمة ضرورة أكثر إلحاحاً تدعو لمواجهة هذا السلوك في الظروف والمواضيع التالية:
1- فيما إذا كان الطفل المقصود بنتاً لأن الضرر الناجم في مثل هذه الحالة أثقل. فالبذاءة من كل شخص قبيحة ومن البنت أقبح. حتى أن التحذير قد ورد في حالة اختيار الزوجة بعدم الزواج من السبابة الطعانة، وربما يعود سبب ذلك إلى أن الكلام النابي من الأمهات أكثر تأثيراً بالأولاد من الكلام النابي الصادر عن الآباء، وأشد فاعلية في إفساد الجيل الناشىء.
2- فيما إذا كانت الكلمات القبيحة موجهة من الأبناء نحو الآباء أو الأمهات عندما يجد الطفل الجرأة على اهانة والديه أو الاستهزاء بهما. فهذه الظاهرة تؤدي به في المستقبل إلى التعامل معهما معاملة غير مهذبة نتيجة التهاون معه. وقد ينجم عن هذا التغاضي عن جرأته في صغره ما لا يحمد عقباه عند كبره خصوصاً بعدما يتعرّف على معاني كلماته المشينة ويتعمد التفوه بها.
3- في الحالات التي يكون فيها الكلام مخالفاً للشرع والأخلاق والقيم الإنسانية، وعلى الوالدين والمربين عدم السماح له بمثل هذا. فاهانة المقدسات أمر غير مسموح به على أية حال، بل لابد من ردعه وذلك بالأساليب التي سنشير إليها لاحقاً.
جذور هذه الظاهرة
أما جذور هذه الظاهرة وعوامل نشوئها فهنالك افتراضات عدة بشأنها. ولغرض التعرف على حقيقة المسألة يستحسن أولاً أن نرى من أين يتعلمها الطفل؟ فكل ما يتعلمه الطفل أما أن يكون مصدره والديه أو أقاربه وأفراد أسرته، أو من المعلم والمدير والمدرسة والزملاء، وربما من الكتب والمطبوعات، أو حتى من الجلسات والاجتماعات. ولهذا فلابد من تقصي جذورها ضمن هذه المصادر. وفي نفس الوقت ينبغي التركيز على العوامل التالية.
1- الأسرة وأسلوب التربية: هنالك حقيقة لا تنكر وهي أن الكثير من العيوب السلوكية والأخلاقية لدى الطفل مصدرها الأسلوب التربوي المتبع في البيت أو في المدرسة. فالطفل قد يشتم أو يستخدم الكلمات القبيحة بسبب الأجواء السلبية التي نشأ فيها. وإذا كان أهله قد ابدوا معه التساهل والمرونة فلا يحق لهم أن يلوموا أحداً سوى أنفسهم.
فالآباء والأمهات والمعلمون والمربون يدركون تماماً أن كل كلماتهم وتصرّفاتهم تُعتبر بالنسبة للطفل بمثابة درس بليغ في الأخلاق والتربية، والطفل يعكس عادة سلوك والديه.
2- الانعكاسات التربوية السيئة من الزملاء: أن الكثير من أنواع السلوك السيء والانحرافات الخلقية والكلمات النابية القبيحة ناتجة من تأثيرات سوء المعاشرة. فالطفل يأخذ عن زملائه وأصدقائه كثيراً من الدروس الجميلة أو القبيحة، إذ تؤثر فيه أخلاقهم وثقافتهم ويتعلم منهم خلال اللعب والأحاديث مئات المسائل.
وعلى هذا يجب على الأبوين والمربين المحاذرة وعدم السماح لأبنائهم بمخالطة أي كان، ويمكنهم التعرّف على الاشخاص الذين لهم علاقة بأبنائهم بل وبامكانهم أيضاً أن يعرّفوا ابناءهم على الأطفال الذين يرغبون فيهم ويرون فيهم صلاحهم.
3- الإبداع الشخصي: يحصل الطفل في بعض الأحيان على معلومات من خلال تجاربه اليومية ويقوم على ضوئها ببعض الإبداعات فينسج في ذهنه موضوعاً ويعرضه من غير أن يكون قد تعلمه من أحد.
يحاول مثل هذا الطفل وضع إبداعه موضع الاختبار ويستخدم ما جادت به قريحته، وتجربة مفعول هذه الكلمة على الآخرين، ورؤية ردود الفعل التي تصدر عن أمه أو أبيه أو مربيه. فإذا لمس من أحد حساسية إزاء تلك الكلمة يفهم أنه أتى باختراع مدهش. وإذا تبين له خلاف ذلك يتراجع عنه تلقائياً. إذن فلا يمكن التغافل عن قابلية الإبداع والابتكار لدى الطفل لأن ذلك يتعلق بذكائه.
4- رؤية المشاهد والمواقف: وأحياناً تكون المشاهد والمواقف القبيحة التي يراها الطفل درساً مؤثراً يتعلمه ويحاول تطبيقه على الآخرين، وأكثر ما يكون التأثير على الطفل الذي يتمتع بنسبة من الذكاء ولكه ضعيف من الوجهة التربوية، ولا سيما الطفل الانتهازي الذي يتسم بالضعف والعجز.
يحاول الطفل في مثل هذه المواقف تحويل تلك المشاهد إلى ألفاظ وكلمات ويذكر حالاتها ليخضع الأب والأم إرادته. فالأطفال جميعهم يتصفون بهذه السجايا، وكل التوصيات والتأكيدات على حسن تربيتهم وأبعادهم عن المشاهد المستهجنة إنما تصب في هذه الاتجاه.
سبل التقويم
هناك طرق وأساليب متعددة لتقويم سلوك الطفل والقضاء على ظاهرة الألفاظ القبيحة لديه، وتقوم تلك الأساليب على أسس علمية مفادها إخماد هذه السلوكية، ونشير في ما يلي إلى بعضها:
1- التعليم والتوعية: قبل اتخاذ أي إجراء في مجال الاصلاح لابد أن نرى مدى المعلومات التي يمتلكها الطفل؟ وهل يفهم معاني تلك الكلمات والمصطلحات أم لا؟ فإذا لم تكن لديه المعلومات اللازمة فالحالة تستلزم تزويده بالمعلومات الضرورية أما إذا كرر استخدام تلك الألفاظ مع علمه بقبحها فهنا لابد من الاهتمام بالأمر ومتابعته.
2- حل المشاكل: ذكرنا أن الكلام السيء الذي يتلفظ به الطفل قد يكون بسبب ما لديه من مشاكل في حياته الخاصة، وإذا لم تحل مشكلته يبقى يعاني منها. والحل الأمثل في هذه المواقف هو حل مشاكله ومعاناته. إذ ينبغي النظر عند ذاك إلى نوع المشكلة التي تواجهه وتثير مكامن غضبه. فقد نلاحظ أحياناً أن الطفل يحاول مثلاً أثناء اللعب وضع بعض القطعات فوق بعضها إلا أنه لا ينجح في محاولاته فيبكي ويصرخ ويشتم ويلعن، بينما لو سارع أحد لمساعدته وعلمه كيفية تركيب تلك القطع فوق بعضها فستحل المعضلة.
3- الإعلان عن عدم الارتياح: إذ لم يُجد النصح والتعليم نفعاً لابد حينها من الإعلان له عن عدم الارتياح من هذا الكلام وعدم الرغبة في سماع هذه الكلمات منه. وحتى إذا لوحظ أن مجموعة من الاطفال تُردد كلمات قبيحة يمكن نصحهم وتنبيههم إلى أن هذه الكلمات غير مرغوب فيها.
إن مثل هذه التنبيه يؤثر في الأطفال شريطة وجود التفاهم المسبق في ما بين الطفل والشخص الناصح.
4- خلق الثقة بالنفس: يستخدم الطفل احياناً أسلوب السخرية والكلام النابي لغرض جلب اهتمام الآخرين وجعلهم يثقون به. ولا شك أن هذه الظاهرة تنم عن وجود نقصٍ ما، وأن سلوكه الصبياني نابع من هذا النقص. ويمكن القول أن مثل هؤلاء الأطفال تنقصهم الثقة بالنفس ويظنون بعدم إمكانية الوقوف على أرجلهم بدون كسب اهتمام الآخرين.
ولهذا فالمسألة المهمة بالنسبة لهم هو كسب ثقة واهتمام الآخرين ليتاح لهم الوقوف على أرجلهم. فالطفل الحائز على ثقة الكبار قلما يبدي سلوكاً غير مستقيم.
5- التجاهل: وهذا أيضاً من الأساليب التي نبديها للطفل حينما يبرز منه أي سلوك مرفوض، لأن أحد الأسباب التي تجعل الطفل يمارس هذا السلوك هو الاهتمام الذي يبديه له الآخرون أو ضحكهم على الكلام البذيء الذي يتلفظ به، حتى أن التجارب قد أظهرت أن تجاهل مثل هذا السلوك حينما يصدر عن الطفل يقلل من هذه الظاهرة إلى نسبة 60%، إذ يجد الطفل نفسه مرغماً على تركها.
6- إظهار عدم الرغبة: عند ملاعبة الطفل ينبغي عدم الرغبة في سماع الكلام القبيح منه عن طريق التوقف عن ملاعبته ومضاحكته فور صدور كلماته البذيئة كما ينبغي إبداء الاستغراب وعدم توقع صدور مثل هذه الكلام منه، ولا شك أن مثل هذا الموقف يتطلب وجود أسلوب تعامل ناجح وهدوء تامٍ. فإذا قوبل الطفل بمثل هذا الصدود لمرتين أو ثلاث يعرض الطفل عن سلوكه ذلك ولا يعاوده ثانية.
7- إبداء الغضب: تتطلب الضرورة أحياناً أن يبدي الوالدان غضبهما إزاء مثل هذا الكلام الصادر عن طفلهما، ليفهم أن والديه غاضبان عليه، ويأتي هذا الموقف بطبيعة الحال من بعد النصائح والإرشادات السابقة التي لم يكن لها تأثير فاعل في تغيير سلوكه.
إذا كان الطفل ممن يهتم كثيراً لمواقف والديه ويحسب لهما حسابهما (وهذا ما يجب أن يكون) فلابد أنه يتأثر لغضبهما ويحاول اجتنابه.
8- استخدام الكلمات على نفس الوزن: نضطر أحياناً للعثور على كلمات على نفس الوزن والقافية على شرط أن تكون خالية من المعاني المستهجنة ونسعى إلى إحلالها في ذهن الطفل بدلاً من الكلمات القبيحة التي يستعملها. لاشك أن العثور على كلمات من نفس الوزن وذات معانٍ ايجابية ليست بالعمل اليسير ولكنه على كل حال ممكن. وحينما يتلفظ الطفل بكلمة نابية نسارع إلى إلقاء كلمة من نفس الوزن لتكون في ذهنه بديلة عن تلك.
9- تغيير معنى الكلمة: ذكرنا ان الطفل يستخدم أحياناً كلمة لا يفهم معناها وهنا نلقي إليه معنى آخر ونشعره أن تلك الكلمة لا تعطي نفس ذلك المعنى السيء بل أنها نوع من الفاكهة مثلاً، أو هي نوع من الحلوى. أو حينما يتلفظ الطفل بكلمة غير مرغوب فيها فنلجأ إلى استبدالها بأخرى متظاهرين بأن تلك الكلمة تعطي هذا المعنى أو نتظاهر بعدم فهم غرضه.
وفي هذا المجال ليست هناك ضرورة تدعو للقلق بأنه سيتعلم بعض الكلمات خطأ، إذ أنه بعدما يكبر قليلاً ويترك هذه العادة السيئة يمكن تعليمه المعنى الصحيح لتلك الكلمات.
10- الحرمان: وإذا لم تؤثر الأساليب المذكورة في الإصلاح نجد أنفسنا مضطرين لحرمانه من شيء يحبه أو نغضب عليه ولا نكلمه. ومن الواضح أن هذا الأسلوب يكون مجدياً حينما يكون تأثير الحرمان أو القطيعة شديداً عليه. ولكن يجب الالتفات إلى أن لا يتحول هذا الأسلوب إلى حالة تجعله يشعر باليأس منا أو الحرمان من كل شيء، لأن مثل هذا الشعور ينطوي على مخاطر وأضرار أكبر.
11- أسلوب الإنذار والتهديد: وقد نضطر في نهاية المطاف، وبعد استنفاد جميع الصيغ والأساليب ، إلى توجيه الإنذار للطفل وتهديده لغرض تخويفه لنرى إلام يؤول وكيف سيتصرف من بعده.
وينبغي طبعاً أن يكون التهديد الذي نصرّح به عملياً ولنا القدرة على تطبيقه ونجتنب ما لا يمكن تطبيقه لأن لمثل هذا الموقف آثاراً سلبية ستظهر نتائجها لاحقاً.
12- العقوبة: وقد نصل في نهاية المطاف إلى ما لا ينبغي الوصول إليه وهو العقاب، ولا شك أن له شروطه التي يجب أن تعرض في بحث مستقل. وخلاصة القول أن العقوبة هي الأسلوب الذي نستخدمه في نهاية المطاف.
الأعمال الجانبية
وبالإضافة إلى التزام الأصول والقواعد المذكورة ، هناك أيضاً مجموعة من الجهود التي يجب ان تبذل في هذا المجال وأهمها:
1- عدم الضحك: في حالة صدور أي كلام قبيح من الطفل فعلى أبويه والمحيطين به أن لا يضحكوا ولا يبدو أي نمط من الارتياح لأن ذلك يعتبر بمثابة التشجيع للطفل على الكلام البذيء، وكما سبقت الإشارة قد يتسم كلام الطفل اليوم – أي في صغره – بمزيد من الحلاوة ولاجذابية إلا أنه في الغد يثير القلق ويبعث على الألم، وعلى الوالدين والمربين أيضاً أن يلتفوا إلى نمط تصرفات الآخرين ولا يسمحوا لهم بإظهار التشجيع غير المباشر للطفل.
2- الحذر من التربية السيئة: يتوجب على والدي كل طفل الالتفات إلى علاقاته مع الآخرين والتعرف على نوع الأشخاص الذين يخالطهم. – كما ذكرنا سالفاً – وطبعاً لا يمكن مراقبة أجواء المدرسة والصف مراقبة تامة إلا أنه من الممكن إيجاد نوع من التوجه عند الطفل بعدم مرافقة أيٍّ كان، واجتناب مصادقة أي طفل آخر سيء الخلق وبذيء الكلام. وفي نفس الوقت يمكن التعويض عن ذلك من خلال التعرف على أصدقاء صالحين ليكون على علاقة بهم.
3- الامتناع من المساندة الخاطئة: يلاحظ أحياناً أن أحد الأطفال يتلفظ بكلام قبيح في البيت فيشجعه أحد الأبوين على ذلك، على سبيل المثال يهين الطفل أمه بكلام سيء ويشجعه الأب على ذلك، أو قد يتلفظ بكلام فاحش فيهمُّ الأب بمعاقبته فتحميه أمه. وهذا يؤدي إلى اجتراء الطفل في ظل حماية الآخرين له.
نحن ندرك مدى الأضرار التربوية التي تنطوي عليها مثل هذه الأساليب، وهذا ما يفرض على الأبوين انتهاج أسلوب موحد في تربية الأبناء وأن يتنازل كل واحد منهما عن جانب من ذوقه الشخصي في هذا المجال.
4- الاهتمام بسلامة الجو الاجتماعي: قد يستطيع الناس المحافظة على سلامة الأجواء في داخل بيوتم من السلبيات والانعكاسات التربوية السيئة، وهذا ضروري إلا أنه لا يكفي لوحده، لأن الطفل قد يتبع أساليب الآخرين ويتعلم منهم الدروس السيئة.
ولهذا يكون من الضروري مراقبة علاقاته، ولابد أن تكون حياته في البيت وصلات القربى والصداقة قائمة على أسس سليمة. وإذا كانت الضرورة تقضي بوجود علاقات اجتماعية وزيارات متبادلة كثيرة لا تحكمها الموازين الأخلاقية فمن الأفضل إعارة المزيد من الاهتمام لهذا الجانب، والتقليل جهد الإمكان من فترة الزيارة للآخرين، أو أن ينحصر تواجد الأبناء في أدنى ما يمكن من هذه المشاهد لكيلا يطلعوا على الكثير من الكلام البذيء واللامبالاة.
محاذير أخرى
وفي الختام لا بأس بلفت أظار أولياء الأمور والمربين الكرام إلى النقاط التالية مع الإشارة إلى بعض المسائل على سبيل التحذير، وهي:
1- السعي جهد الإمكان للمحافظة على الهدوء وبرود الأعصاب في جميع مراحل الإصلاح، وهذا أول شرط للنجاح في اجتياز هذا الوادي.
2- تحديد الأسلوب والمنهج التربوية في إزاء هذه الأساليب المنحرفة والكلمات النابية التي تصدر من الطفل.
فإذا كان الموقف منها موقف المعارض فلابد من مواصلة هذا الموقف على الدوام، وأما إذا كان موقف التأييد فالأفضل أيضاً الاستمرار عليه. ولا ينبغي أن يكون الموقف يومياً مغايراً للذي سبقه.
3- السعي جهد الإمكان لعدم إيقاع الطفل في حالة العصيان، وعدم دفع الطفل نحو الغضب والتصلب وعدم استخدام اسلوب الكلام البذيء معه. أي أن بعض أسباب بذاءة الكلام في بعض الحالات تصدر من الوالدين نفسيهما، إذ يؤدي تصرفهما مع الطفل إلى دفعه نحو العصيان ويجد نفسه مرغماً على تجاهل وكسر جميع القواعد الأخلاقية.
4- ننصح بإزالة جميع موجبات روح العداوة والانتقام من حياة الطفل، والتقليل من القيود والتحديدات والممنوعات، وتعويضه عن هواجس الشعور بالإحباط، وأن تكون الضغوط التربوية متزنة وتتناسب مع طاقته واستيعابه النفسي.