حب الطفل

الكاتب الدكتور علي القائمي

لا تقتصر وظيفة الأم على تحضير مأكل وملبس الطفل والاهتمام بنظافته، إنما أوكل إليها الباري عز وجل مسؤولية الاهتمام بصحة الطفل وسلامته البدنية والنفسية والخلقية، وزرع الحب والحنان في قلب طفلها الصغير وأن تشبع حاجة طفلها من الحب والحنان.

يحتاج الطفل إلى الحب والأمان وهذه الحاجة طبيعية، فمن خلالها سيمكنه الاطمئنان على حياته المستقبلية ويخلق عنده الوازع لمواصلة حياته، ولكي ترفع الأم الستار على قلبها وتبدي حبها، لا بدّ لها من أن تتعرف على المبادئ والأصول لتتحرك على ضوئها، لأن الإفراط في الحب له مخاطر عديدة.

الحب- حاجة أساسية للطفل:

حينما يولد الطفل لا يعرف شيئاً عن الحياة، ولا يعرف أي شخص فيها، وإن معرفته الأولى في الحياة تبدأ مع الغذاء، فيتعرف على الطعام، بعد أن يكتشف بأن الطعام هو أساس استمرار حياته، يتعرف بعد ذلك على حرارة جسد أمّه عندما يلتصق جسده الصغير، بجسدها المليء بالحب والحنان. إن هذين الاثنين (الغذاء وحرارة جسد الأم) هما أول قسم مهم في علم ومعرفة الطفل بالعالم، وخلال مرحلة الأولى يتناول طعامه ومن ثم يلتصق بأمه ليطالبها بالحب، فالحب في هذه المرحلة هو أساس ديمومة وبقاء الطفل حياً على قيد الحياة.

طبيعة حب الأم:

يختلف نوع الحب الذي يحتاج إليه الصغير عن الآخرين، ومن خصوصياته أنه حب بلا شروط، أي أنه حب لا ينبع عن جماله أو حلاوة لسانه أو نموّه وغير ذلك. إنه حب كبير وعظيم يحيط الطفل من كل جانب حتى يغرق فيه. وقد زرع الله سبحانه وتعالى هذه الخصوصيات في قلب الأم من الساعات الأولى للحمل، فهو حب غريزي ولا إرادي وهو حب أكبر من الوصف حب مليء بالتضحيات، فتضحي الأم بنفسها من أجل طفلها. حب من جانب واحد، قد لا يبادلها صغيرها هذا الحب عندما يشتد عوده، وقد يكون سبب عذابها، إلا أنها تبقى على عهدها.

كلما يتكامل الطفل وينمو سيدرك مدى الحب بشكل أفضل وسيبدي رضاه ويبادلها الحب.

 

أهمية حب الأم للطفل:

عرفنا بوضوح أن الحب من ضروريات الحياة بالنسبة للطفل وتتضح هذه الأهمية عندما ندرك أنّ الوصول إلى مرحلة حب المجتمع لا بد أن يمر عبر مرحلة حب العائلة، ومن جانب آخر لا يمكن بناء وتكامل القوى العقلية والفكرية للطفل إلا في ظل محيط هادئ ومليء بالحب وإلا سيصاب بالكآبة والاضطراب الفكري.

يرسم حب الأم مستقبل الطفل، وقد كشفت الدراسات أن حب الأم وعاطفتها هما من العوامل المهمة التي تعالج الطفل لدى مرضه، ويزرع حنان الأم في قلب الطفل الشجاعة والبسالة ويقوي عزمه في مواجهة المشاكل والمصائب المختلفة بما في ذلك المرض، ويعتبر هذا بحد ذاته عاملاً مساعداً على استعادة الطفل لسلامته.

من جانب آخر إن حب الأم لطفلها يرسم بالتالي تصرفات الطفل المستقبلية، في أن يكون محبّاً، أو كارهاً، ليناً, خشناً، قاسياً، اجتماعياً، منطوياً على نفسه.

صعوبة عمل الأم:

إن ممارسة الأمومة عملية معقدة للغاية، لأنها تتطلب من جانب أن تبدي الأم حبها وعطفها للطفل، ومن جانب آخر السيطرة عليه وجعله منضبطاً، فيجب عليها أن تكون قوية ومقتدرة حتى تتمكن من السيطرة على طفلها وبنائه.

إنها المسؤولية صعبة جداً أن تمارس الأم دورها التربوي طبقاً لعاملي العطف والانضباط، حب ومحاسبة. وإنها مسؤولية تحتاج إلى دقة متناهية في التعامل، فهي أمام محاسبات دقيقة، فيجب أن لا يؤدي حبها إلى العصيان وتهربه من المسؤولية وعدم احترامه لأوامر الأم أو الأب.

طرق إظهار الحب:

هناك طرق عديدة تستطيع الأم من خلالها أن تبدي حبها لصغيرها وأفضلها، احتضان الطفل وتقبيله والمسح على رأسه، عندها يطمئن الطفل لحياته ومستقبله ويعتقد اعتقاداً راسخاً أن الشدة والمحاسبة الدقيقة هي من أجله، من أجل أن يكون يوماً ما، إنساناً مهماً في المجتمع، وهنا يتضح سرّ الوصية الإسلامية بتقبيل الأطفال. وقد قال رسول الله (ص) :" من قبل ولده كتب الله له حسنة"[1].

ومن الطرق الأخرى التحدث مع الطفل بكلام لين وموزون والاهتمام كثيراً في مجال المأكل والملبس وتوفير راحته واللعب معه، فقد جاء عن النبي "من كان عنده صبيّ فليتصاب له"[2].

ميزان الحب:

يحمل الطفل في طيات جسده قلباً نقياً طاهراً، ومن الضروري ملؤه بالأحاسيس الطيبة والعواطف الإنسانية النبيلة، فحب الأم لا يخضع لميزان، فهو حب كبير، يشمل جميع مجالات حياة الطفل ويضيؤها بنوره ويؤمّن بناءه الجسمي والنفسي لكي يصبح الطفل إنساناً صالحاً وطبيعياً في مجتمعه.

النقص في الحب أو فقدانه:

يؤدي النقص في حب الأم للطفل أو فقدانه كلياً إلى معاناة عديدة، تظهر بعضها في السنوات الأولى، وقلة الحب أو انعدامه تؤثر على شخصية الطفل في كبره، ففي السنوات الأول تنحصر المعاناة في انعدام الشهية للطعام مثلاً، والأرق، والصراخ في النوم، والتبول اللاإرادي في الفراش ليلاً أو نهاراً ومحاكاة الآخرين دون مبرر، والقيام بحركات شاذة لإبراز ذاته ولفت أنظار الآخرين إليه، فهو بالحقيقة يبحث عن الحب.

وينمو الطفل الذي في السنوات الأربع الأولى، الأرضية المناسبة لاضطراب الطفل، وذلك لاعتماده الكبير خلال هذه المرحلة على والديه واللجوء إليهم لدى مواجهته لأدنى مشكلة في التعامل.

وينمو الطفل الذي حرم من حب الأم ليكون عصبي المزاج وناقماً وخشناً وعنيفاً في تصرفاته لا يرحم أحداً ولا يشعر بالشفقة على الآخرين وسيء الظن، وتسلك بالتالي مشاعره طريقاً خاطئاً ولا يفكر إلا بنفسه وينسى الآخرين والمحيطين به.

وقد يلجأ الطفل الذي لم يلق حباً كافياً من أمه، أو لم يرتو من هذا الحب إلى أي شخص كان ويستسلم لأي حب حقيقياً أو كاذباً. وهذا هو سر انحراف العديد من البنات ولجوئهن إلى الفحشاء والمنكرات، ولجوء الأبناء (الذكور) إلى الشذوذ الجنسي وذلك لمواجهتهم لعالم جديد من الحب والعاطفة والانقياد له مباشرة، وقد يؤدي ضعف الحب إلى أن يكون الطفل لا ابالياً في حياته، مما سيؤثر سلباً على مستقبله.

 

الإفراط في الحب:

الحب ضروري جداً لحياة وبناء مستقبل الطفل، إلا انه يجب أن تكون للحب حدود معينة، وإلا فإنه يجعل الطفل يكثر من طلباته ويتصرف تصرفات غير طبيعية. ومن أسباب إفراط الأم في حبها لطفلها هو فقدانها الأولاد سابقاً، فهي لم تكن تنجب وأنجبت بعد فترة انتظار طالب، أو ظلم الزوج لزوجته والضغوط الاجتماعية والشعور برغبة دائمة للحصول على الطفل. ومهما كانت الأسباب، فإن الإفراط في حب الطفل يحمل أضراراً عديدة منها، انه يضعف لديه الشعور بالمسؤولية ويحدّ من نموّه العقلي ويدفعه إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، فينشأ مستبداً ويشعر بالاضطراب والقلق في كبره، لرفض المجتمع لتصرفاته وليصاب أخيراً بعقدة الحقارة، وينبغي مراعاة الاعتدال في حب الطفل حتى تقوم حياته بين الخوف والرجاء.

أخطاء في الحب:

يعتبر الحب أحد الحاجات الضرورية للطفل ليمتلك روحية سالمة وفكر خالٍ من كل شائبة، تعتقد بعض الأمهات أن إبراز الحب يجب أن يتم بالاهتمام بالطعام والملبس، فيوجهن اهتمامهن بشكل كبير إلى مأكله وملبسه، ويوفرن بذلك الأرضية للعديد من الأمراض والعادات السيئة، ويعاني مثل هؤلاء الأطفال كثيراً بسبب الأطعمة المختلفة ويبقون ضعفاء البنية دائماً.

وقد تقوم كلمات الحب أحياناً على أساس المقارنة بين هذا الطفل والآخرين، وقد يقال له أنك أفضل وأذكى من ولد الجيران فيصاب بالغرور، ويصل الأمر تدريجياً بالطفل أن يصدق هذا الأمر، مما ينعكس ذلك سلباً على نموه العقلي.. فهذه الحالات وعشرات غيرها هي نماذج لأخطاء الأم في مجال إظهار حبها.

الحب والطفل:

يجب على الأم أن لا تسعى إلى طرح نفسها لتكون الأنموذج الوحيد في التعبير عن الحب الصادق لطفلها، وإنها الشخص المحب الوحيد له. فهذا ليس في صالحها ولا في صالح ولدها.. فيتوقع أكثر مما يجب، وعندما تريد أن تمارس معه الانضباط يسيء الظن بها، وهذا الأمر ليس بصالح الطفل، فعندما يتعلق الطفل بأمه تعلقاً تاماً وكبيراًن فلا يرى الأشياء إلا من خلال منظارها فعندما يفقدها سبب الموت، سيفقد الصبر على مفارقتها وقد يؤثر ذلك على تكوينه الفكري. ولا بد للأب أن يبدي حبه أيضاً، وأن يقتسم الوالدان هذا الدور، لأن ذلك ضروري جداً لنمو الطفل اجتماعياً.

الطفل الثاني وحب الأم:

من الطبيعي جداً أن تبدي الأم حباً مضاعفاً للصغير القادم، فهو الآخر بحاجة ماسة لهذا الحب ويرتبط ذلك بوضع الطفل الخاص وطبيعة الحياة التي تعيشها العائلة، وحلاوة لسانه وتصرفاته الجميلة، وهنا ينبغي أن يوضح الأمر للأولاد الأكبر سناً حتى لا يشعروا بأنهم منسيون ومرفوضون، ويجب على الأم أن توفر الأرضية المناسبة لاستقبال الصغير القادم قبل أشهر من ولادته وتوضح لأولادها الآخرين الظرف الخاص لهذا المولود.

 


 

[1] - وسائل الشيعة- الصفحة 202 الجزء 15{المترجم}.

[2] - وسائل الشيعة- الصفحة 203 الجزء 15{المترجم}.