بداية التربية
الكاتب الدكتور علي القائمي
يعتقد بعض المهتمين بشؤون التربية أنها يجب أن تبدأ من سن الثالثة من العمر، بينما يرى آخرون وجوب بدايتها منذ مطلع الولادة.
وبطبيعة الحال إن كل واحد من هين الفريقين يطرح رأيه وفقاً للنظرة التي يحملها على موضوع التربية، ولكن إذا ما تقرر طرح المسألة على هذه الشاكلة وبصورة جادة، فإن من يطرح وجوب الشروع التربية مع بداية الولادة فإنه في الواقع قد أهمل مائتي عام من تربية الأجيال. فما أكثر الأمور والأبعاد التي يهملها الإنسان في تربية الجيل فتبقى افرازاتها وتأثيراتها حتى سبعة أجيال لاحقة (وهو ما يقارب مدة 200 سنة)، ولا شك أن التهاون في أمر التربية حالياً تتمخض عنها تأثيرات تطال الأجيال اللاحقة.
وعلى كل الأحوال فإن الذي يترتب علينا نحن في أمر التربية هو الاهتمام بأمر الذرية اعتباراً من مرحلة الزواج واختيار الزوجة ولحظة الجماع، وكذلك فإن فترة الحمل لها دور مصيري في التربية ولا يجوز التهاون بشأنها، وهكذا أيضاً في أيام الولادة إذ أنها تستلزم اهتماماً ورعاية خاصة.
ومن الطبيعي أن لكل مرحلة من مراحل العمر منهجاً خاصاً في التربية والإلتزام والآداب والنظم والأخلاق والفن والحرفة وغير ذلك: وعلى العموم تجدر الإشارة هنا إلى أنه كلما بدأت التربية وقت مبكر – مع مراعاة قدرة الاستيعاب والظروف المناسبة الاخرى – كانت أكثر نجاحاً.
التربية والفرص
تحصل أحياناً في بعض المقاطع الزمنية فرص قد لا تتكرر إلا في القليل النادر، أضف إلى أنها سريعة الانقضاء، ولهذا يجب انتهاز مثل هذه الفرص في سبيل بناء وإصلاح الطفل، فعمر الإنسان قصير، ولا يمكن الوقوف لفترة زمنية طويلة بانتظار حصول تغيير يتيح القيامة بمهمة التربية.
نحن مطالبون بالتربص لكل فرصة سانحة لكي نطرح الأمور التربوية المفيدة كالمواقف التي يرتكب فيها الطفل خطأ أمام الآخرين، أو أثناء السفر حينما تعرض له أوضاع معينة، وفي مختلف شؤون الحياة وحالاتها وفي إقبالها وإدبارها.
وهذا ما ذكره النبي (ص) في قوله: (إن لله في أيام دهركم لنحفات إلا فتعرضوا لها).
وكذلك قال أمير المؤمنين علي (ع): (الفرصة سريعة الفوت وبطيئة العود).
استمرارية التربية
لا تقتصر مدة التربية على دور الطفولة، بل يجب أن تستمر وتتواصل مع دور الصبا حتى آخر العمر، ولابد من الالتفات إلى أن مسار الحياة الإنسانية حاشد بالعقبات ومليء بموجبات الإنحراف عن الطريق القويم، أو كما قال أحدهم في وصف هذه الحالة: إن دماغ الإنسان كالحديقة إذا لم يتعاهدها بالرعاية تنمو فيها الأدغال حتى تغلب على كل أرضها.
التربية عمل غير متناه، إلا أن لبنته الأساسية توضع في المراحل الأولى من الحياة وفي فترة الطفولة بالتحديد، فمنذ تلك البرهة الزمنية يجب أن يوضع الأساس بالشكل الذي يربط عقل الإنسان وفعله بالقوة الأزلية التي نرى آثارها في ما حولنا، إن طول فترة الطفولة عند بني الإنسان أطول منها عند أي حيوان آخر وهذا ما يسهل في بلوغ الهدف.
ثمة فارق بين الشخص الذي يترعرع على هدف واضح وبين من يترك ليشب تلقائياً من غير أن يلقي أي توجيه تربوي. فإهمال التربية والإمعان في تجاهل أهميتها يجعل الإنسان يتلوى حزناً على مستقبل الأجيال القادمة، والتقصير في هذا المجال يوجب معاقبة المقصرين. فلابد إذ من الإسراع في مثل هذه الجهود مع الحذر من الأخطاء وتجنب حالة التسرع والارتباك، فلا ينبغي القيام بأي إجراء في هذا المجال قبل الدراسة والتفحص الدقيق.
مصاعب التربية
ليس من السهولة إيصال الطفل الصغير القاصر والعاجز عن صيانة نفسه والدفاع عنها، إلى مرحلة النضج حيث يتمكن من الوقوف على قدميه وإثبات وجوده، ولا من اليسير البلوغ بالجاهل إلى درجة العالم بحيث يتمكن من إبداء رأيه بشأن المسائل والقضايا الدولية وإعطاء الرأي الصائب فيها.
فما أكثر المسائل والمصاعب التي تحاصر الشخص التربوي وتسلبه القدرة على العمل والإقدام الصحيح. فنحن نعتقد أن العمل التربوي عمل شاق وعسير على الرغم مما تمتاز به الحياة من البساطة وما طرأ عليها من أسباب الراحة والسهولة.
فمن جملة الصعوبات التي تعاني منها التربية هي انعدام الإمكانيات وعدم توفر الفرص، وعدم الاستعداد لمواجهة العوامل المضادّة والموانع القائمة، والأجواء غير المناسبة، والانعكاسات التربوية السيئة، والثقافة المتدنية، والآداب المغلوطة، والفن الرخيص، والصيغ الفكرية المستعارة، والأمثلة المنطوية على صورة فاسدة.
إلا أن ذكر هذه المعوقات لا يعني القنوط والانسحاب من ميدان أداء المهام التربوية، بل يحتم علينا التحلي بمزيد من اليقظة لنكون قادرين على مواجهة هذه المصاعب.
ونشير في ختام المطاف إلى أن تحمل المشاق لإزالة العوائق التربوية يعتبر بذاته عملاً كبيراً أنطلاقاً من أهمية نفس العمل التربوي.
إن سعادة المجتمع لا تتوقف على ما لديه من خيرات ومصادر طبيعية وحصون وعساكر، وإنما هي رهينة بما لديه من أفراد نشأوا على الأخلاق وحسن التربية، وترعرعوا على الإيمان والفضيلة وذلك لأنهم هم الذين يجلبون لشعبهم المجد والعظمة، وهم الذين يخلقون لمجتمعهم المكانة والعزة.