الاستعداد لدى الناشيء
الكاتب الدكتور علي القائمي
الموارد التي ذكرناها ترتبط بوظائف المعلمين والآباء ازاء الناشئين . ولكن ثمة مسألة مهمة هي هل بامكانه تقبل مايطرحه الآباء والمعلمون له ام لا ( على ضوء ما علمناه سابقاً بشأن الناشئين ) . ان الاجابة عن هذا السؤال هي بالايجاب وقد عرفت النصوص الاسلامية قلب الناشيء انه مثل ارض خالية ومهيئة للزراعة تقبل كل بذرة تلقي فيها واذا زاد سنة تصلبت تلك الارض واصبحت غير قابلة للزراعة . ولهذا السبب ينبغي القيام بتربيته بصورة جادة.
ان مسألة تربية الناشيء ظريفة لانه ليس بطفل يتأثر بالضغوط والتهديدات ولاهو بكبير يدرك جميع المصالح والاسرار . ولكن وفقاً لمضمون رواية الامام الكاظم ( ع ) فان شخصيته يمكن ان تتبلور والتعليم له يشبه النقش على الحجر .
وعلى هذا الاساس فان ما يبذل من جهد تربوي بشأنه لا يذهب هدراً .
انواع الاستعداد
هناك انواع استعداد متعددة لدى الناشيء منها :
- الاستعداد الفطري : تكون الفطرة نشطة جداً في مرحلتين من العمر احدهما في مرحلة الصغر والأخرى في مرحلة الفتوة . وتثير الفطرة لدى الانسان الميل الى السمو والتحرك نحو المقدسات . ان الرغبة بالطهر ، الغربة بالرشد والكمال ، حب الحقيقة ، الرغبة في الجمال ، الرغبة في كمال والطهارة وصفاء النفس ، الرغبة في العدل والقسط والحريات وغيرها تعتبر كلها علائم للرشد وارضية لتربية الناشيء .
- الاستعداد الحياتي – البدني : يكون الناشيء من الناحية البدنية في وضع يمكنه ان يكون محركاً وعاملاً لاثارة الحافز لتحركه وبنائه . وتكون طاقته البدنية في حالة تزايد ويكون له طوله وهيكله بالشكل الذي يقربه من عالم الكهولة . ولديه قابلية تحمل الوظائف واستيعابها . وقد وصل الى مرحلة اشد حسب التعبير القرآني ويمكنه ان يتحمل عبء المسؤوليات البدنية .
- الاستعداد الذهني : ينال الناشيء في السنتين او السنوات الثلاث الاولى من مرحلة الفتوة رشد الذكاء او العلم الخام ويصل ذكاؤه الى ذروته . وتكون قابلياته في حالة نمو وتفتح وتكون قوة ذاكرته في كامل النمو . وتحصل لديه قابلية الاستدلال بالشكل الذي يتمكن من الدفاع عن نفسه وفكره بمنطق قوي . وتكون قابلية التخيل والتصور ، قابلية التفكير والتعقل وقابلية حب الاطلاع والاستفهام لديه قوية وهذا هو رأس مال واداة لتقبل التربية .
- الاستعداد النفسي : تتوفر لدى الناشيء الارضية اللازمة لتقبل التربية ويكون فهمه وادراكه في حالة نمو بصيرته في حالة تبلور ويكون من اهل حب الاطلاع والاستفهام . وتكون ارادته في حالة تقوية وتبلور واستقلال ورغبته في الحرية من القيود في ذروتها . ضميره حي بصورة كاملة ويؤنبه حين حصول مخالفات ، وحب السمو والحصول على الرشد والكمال لديه في حالة تصاعد دائماً وهذا الاستعداد هو أداة للتربية .
- الاستعداد العاطفي : يشعر الناشيء بمخاوف متنوعة ويريد التخلص منها ويشعر بالاضطراب ويحب ان يتخلص من شره . ويصاب بالغضب مما يؤدي الى ضجره احياناً ويشعر بالندم بعد الغضب , يريد المحبة والمحبوبية مما يسبب حصول مراعاة ويعيش حالة خجل وحياء شديد نسبياً ، ويعجب بالجمال ويلتذ به ، وخاصة جمال الخلق وهذه نعمة للمعلم في التربية .
- الاستعداد الغريزي : لقد كبر الناشيء الآن ووصل الى مرحلة البلوغ ( الحلم ) ويريد الاشباع الغريزي وحتى تكوين الاسرة . وهذه الرغبة يمكن ان تعتبر بمثابة جسر تربية للذكور والاناث ، اي ان الآباء والمعلمين يمكنهم اعتماداً على هذه الرغبة تربيتهم ومن خلال الفات النظر الى الظروف والامكانات التي يحتاجها الأفراد المهيؤون للزواج حتى يصلوا الى الهدف يمكنهم بناء الاستعداد اللازم لديهم لتقبل التربية .
- استعداد الضمير : ان الضمير هو مظهر للفطرة والنفس والانسانية وشكل من اشكال الوعي الذاتي يراقب حالات وسلوك الانسان مثل شرطة باطنية ويبعده عن الزلات . ولو ارتكب الناشيء مخالفة وصدرت عنه زلة حتى لو كان في عزلة وبعيداً عن انظار الآخرين فان ضميره يؤنبه وهذا عامل سيطرة على حالاته وسلوكه واعماله ويمكن ان تكون تربيته ممكنة على هذا الاسا س.
- الاستعداد الاجتماعي : توجد لدى كافة الناشئين رغبة في الصداقة والحياة الاجتماعية والرغبة في المعاشرة للخروج من العزلة . ويريد الناشئ ان يتواجد مع الناس ويحظى بمقبولية اجتماعية ويريد ان يحترم . وهكذا رغبة هي وسيلة للتربية والرشد ويمكن في ظل ذلك تعليمه الفنون ذات الصلة بالحياة الجماعية.
- الاستعداد الاخلاقي : ان الاخلاق هي جزء من القضايا الاجتماعية في التقسيم العلمي للبحوث والناشيء يستطيع بسبب الرشد التمييز بين الحسن من السيء والحسن من القبيح والاوامر من النواهي . وهو يحب ان يتزين بالفضائل ويتجنب الرذائل . يحب ان تصبح الصفات الاخلاقية ملكة لديه ويحصل لديه شكل من اشكال السيطرة على النفس فيما يتعلق بالذنب ، مخالفة للاهواء النفسانية ، زهد وحتى انتظام في الاخلاق وتترشح تلك الاوصاف لديه في حالة تشجيعه من قبل الوالدين والمعلمين وتعتبر هذه من الجوانب الايجابية لدى الناشيء .
- الاستعداد السياسي : ان الناشيء فرد دخل الساحة الاجتماعية حديثاً . ولديه رغبة في الحرية والاستقلال السياسي والعضوية في اقامة تنظيمات . وهو يحب الدفاع عن كرامته وكرامة اسرته ووطنه ولديه تحمس للحرب والقتال ومن اهل الحماس الثوري ويلتذ بوحدة الامة وتسره الخطوات التنفيذية الصحيحة وغيرها وكل هذه تمهد لرشده وتربيته .
- الاستعداد الثقافي : يفكر الناشيء بتقييم فكره ونهجه ولديه رغبة قوية في المعرفة ويحب التعرف على الآداب والتقاليد والشعائر والمناسك ( وان لم يكن ملتزماً بها ) ويود التعرف على الادب والشعر والفن ويحب القيم ويريد العلم ومعرفة فلسفة الحياة ويود الابتكار والاختراع واستخدام الابتكار وقلة التخيل والتصور في الامور وكل هذه هي ارضية لتربيته ورشده .
- الاستعداد الديني : الشعور الديني لدى الناشيء حي . وهذه الحالة تتحول بالتدريج الى حماس ديني ويدفعه الى دراسة الدين والتشكيك فيما تعلمه . ويحصل لدى الافراد ( وخاصة لدى الاناث ) في سنين الفتوة رغبة في اداء الوظائف ، رغبة في الارتباط مع اللانهاية ، رغبة في العلاقة مع الله ومناجاته ، البكاء وهي ادوات لرشدهم وتكاملهم .
- الاستعداد الاقتصادي : يعتبر الناشيء نفسه شخصاً عظيماً ورشيداً ويجب ان يكون لديه استقلال في الحقل الاقتصادي ويكون لديه عمل ودخل ويتمكن من تنظيم معيشته ويحب العمل والحرفة بشرط ان لايتخلف عن اللعب والمعاشرة وان لايعيقه العمل عن المعاشرة والصداقة . ويتمنى ان يصبح ذات يوم صاحب مؤسسة ومركز انتاجي وهكذا وضع هو ارضية لتقبله التربية .
- الاستفادة من الاستعداد : من المهم ان يستفيد الآباء والمعلمون من هذه الحالة والامكانات ويتقبلوا استعدادهم وحتى تعطشهم لتقبل التربية . ويوجب وجود هذه الحالة ام يكون الآباء والمعلمون متفائلين ازاء بناء وتوجيه هذه الجيل وان لاييأسوا من المجاهدة في هذه الطريق . ان يشاهدون حالات حادة وشديدة من اولادهم وهذا الامر يجب ان لايرعبهم ولا شك ان الناشيء سيأتي الى الطريق ذات يوم ويتخلى عن سلوكه الطفولي وصفاته السابقة غير المناسبة .
التذكير بمسألتين
لغرض اكمال البحث في هذا القسم نرى من الضروري التذكير بمسألتين هما :
1. معرفة ان مرحلة الطفولة هي مرحلة تكوين الشخصية ومرحلة الفتوة هي مرحلة ترسيخها . ولهذا السبب يجب ان لايترك الناشيء وشأنه ويجب ان لا يسمح برسوخ الاخلاق والسلوك السيء لديه ، بل يجب الاتيان به الى الطريق بالكلام الحسن والرفق والمداراة .
2. ان حل الناشيء لمشكلته بنفسه يرتبط بالقضايا التالية :
- اسلوب تربية الوالدين والمعلمين .
- افعاله مع اقرانه واصدقائه .
- نظراته لذاته والتي يحصل عليها طيلة مدة الحياة .
- مستوى محبوبيته ومقبوليته من قبل الكبار والمقبولية الاجتماعية.
وعلى اي حال فان هناك امكانية للتربية من وجهة نظر العلم ومن وجهة نظر الافكار الاسلامية كذلك بشرط ان نكون معلمين لهم تتوفر فينا الشروط .
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين