غضب الأطفال
الكاتب الدكتور علي القائمي
تقديم
يعتبر الغضب نوعاً من الانفعال العاطفي الموجود عند الإنسان بقلة أو كثرة ويرافقه في كل مراحل حياته وبأنماط مختلفة من الشدة والضعف. يعتقد بعض علماء النفس أنه عبارة عن غريزة طبيعية في أعماق الإنسان وذات منشأ عضوي، وحالات شدته وضعفه مرهونة بافرازات الغدد الداخلية.
تبرز هذه الحالة في حياتنا بين الحين والآخر وتؤدي إلى احداث تغيير في سلوكنا وتبدلاً في نمط حياتنا، ويشعر الإنسان من خلال وجودها بقدر فائقة يمكنه توظيفها على طريق اهدافه ومراميه.
إن وجود هذه الظاهرة بشكل متزن وخاضع للسيطرة يعد أمراً ضرورياً بالنسبة للإنسان؛ إلا أنها إذا تجاوزت ذلك واتخذت طابع الافراط تصبح نوعاً من البلاء والمعاناة التي تسبب له مختلف المصاعب ولاشك أنها إذا بلغت هذه الدرجة صارت تستوجب الاهتمام بها ومعالجتها، إن أكثر ما يؤذي الأبوين والتربويين هو هذا النوع من الغضب المفرط.
أنواع الغضب
يقسم الغضب من حيث المنشأ إلى نوعين؛ احدهما وغريزية وجميع الناس فيه سواء، ولا يخلو منه إنسان لأنه في مثل هذه الحالة لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
النوع الآخر الغضب المتأتي عن وضع جسدي خاص، أو نتيجة لافرازات غير طبيعية في الغدد الداخلية، أو لأسباب اكتسابية، وهذا النوع من الغضب لا يمكن كظمه بسهولة بل لابد من معالجته بواسطة العوامل التربوية أو الأساليب الطبية.
يتصف الطفل الشديد الغضب بجملة من السمات منها عدم القدرة على النوم العميق، أو صعوبة النوم ليلاً، وكثيراً ما يقترن نومه باختلاق الذرائع وإيذاء الآخرين، يخاف من كل الأماكن، ويهب من النوم فزعاً لأدنى صوت وأقل ضوضاء، يؤلمه مفارقة الأب أو الأم ويحاول البقاء قريباً منهما على الدوام.
الجانب الإرادي للغضب
يمكن أن يحصل الغضب بشكل إرادي، ومن يريد أن اثارة الغضب في نفسه بإمكانه أن يتذكر ما يعانيه من حرمان وضعف واخفاق وتمييز؛ وإن يضع نفسه في موضع يستثير غضبها فيكون مهيئاً للهجوم على المواطن المثيرة لغضبه.
وكذلك يؤدي العزم على إيذاء الآخرين أو إلحاق الأذى بهم إلى إثارة الغضب أيضاً، ولكن لابد من القول أن الغضب ليس إرادياً في كل الحالات، ولا نعلم سبب بروزه في جميع الظروف فقد ينتابنا أحياناً بشكل لا إرادي، ولا نفهم سبب وملابسات نشوءه إلا بعد فواتها.
وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نطلب من الطفل أن لا يغضب أو أن يكظم غضبه لأنه غير قادر على كبت الغيظ والغضب بسبب قدرته المحدودة.
كما أنه لا يعلم بكيفية ظهوره حتى يعمل على منعه. والشيء الوحيد الممكن عمله هو حثه تدريجياً على التحكم بزمام نفسه، والامتناع عما يوجب الاضرار بها وبالآخرين.
حالاتهم
يتصف الأشخاص الذين تنتابهم سوْرة الغضب بحالات تتجسد على هيئة الحقد، الزعيق، والبغظ، والاهانة، والتذمر، واستعمال العنف ضد الآخرين وضربهم أو ضرب نفسه أحياناً، والوحشية، وسوء الظن وغير ذلك. وقد يتلفظ الإنسان بكلمات نابية ضد نفسه وضد الآخرين بسبب الغضب، فيصف نفسه بالغباء، ويعض ضفته، ويلطم رأسه بشدة ويضرب نفسه حتى يزول غضبه.
الأعراض الظاهرية
نوبة الغضب هذه حينما تنتاب الإنسان ولا سيما الطفل تظهر عليه الأعراض التالية: تشنج البدن وارتعاشه، لكنه في اللسان، التقيؤ، الإسهال، احمرار الوجه أو شحوب اللون، شدة ضربات القلب، ظهور الزبد على الشدقين، انهمال الدموع من العينين، انتفاخ الأوداج، ارتفاح حرارة الجسم، اضطراب مؤت في الجسم ومسار الحياة، تحفز القوى واستجماعها في عضلات اليد لانزال ضربة بالشخص أو الشيء المقابل، التأهب للهجوم، جحوظ العينين و ... الخ، وقد تؤدي حالة الغضب الحادة إلى الإغماء وضعف القلب على الرغم من سلامته.
سمات سلوكهم
يتصف الشخص الغاضب بسمات تلك الحالة، فيثير النزاع ويتسبب في إزعاج الآخرين، فيقوم بالتدمير ومضايقة الآخرين ويعمد إلى إثارة الاضطراب، ويتضح نم خلال مجمل أوضاعه أن قوة ما تدفعه إلى الإيذاء والتدمير والإزعاج والتخريب و ... الخ.
وحالة الغضب هذه ربما تؤدي به حتى إلى الاستهزاء بالمقابل، وإطلاق الضحكات الساخرة بحقه وتعنيفه وإثارة غضبه أو حتى تعذيبه والانتقاص من شخصيته، وقد يبادر في بعض الحالات إلى الانتقام والإتيان بعمل يشعر من جرائه بالخجل.
يعبر الطفل الرضيع من غضبه برفع يديه ورجليه والبكاء بكل قوته، وفي السنوات اللاحقة يسعى إلى تقليد حركات الأم والأب والأخ والأخت لغرض التنفيس عما يكابد من الغضب. والطفل عادة لا يتناول الطعام، أثناء الغضب للتعبير عن سخطه وقد يرتعش جسمه ويأخذ بالصراخ من شدة الانفعال.
الحالة الجسمية والنفسية
إذا كان الشخص في حالة غضب فهو ليس في وضع طبيعي من الناحيتين الجسمية والنفسية، فالبدن تطرأ عليه التغييرات التي ذكرناها مضافاً إليها فقدان الاحساس؛ فهو لا يشعر بالضربات التي تصيب بدنه ولا يشعر بالألم.
أما من الناحية النفسية والذهنية فيمكن القول أن الشخص حينما تعترية نوبة الغضب يصبح وكأنه فاقد العقل وذلك لأن سلامته الفكرية وقواه النفسية تتعرض للانهيار فلا يعد يدرك ماهية سلوكه وما ينطوي تحته من تأثيرات سلبية على حياته، وهذا ما يحدو به إلى توجيه ضربات خطيرة للآخرين.
وكثيراً ما توقعه الكلمات البذيئة التي يتلفظ بها في مواقف مخجلة في ما بعد، وكذا الأعمال التي يقوم بها في حالة الغضب، يضطر لاحقاً إلى دفع ثمنها أو تحمل العقوبات المترتبة عليها، أو الاعتذار منها على أقل تقدير.
دور الاشخاص المحيطين به
للأشخاص المحيطين بالطفل دور فاعل في إثارة غضبه وفي تسكينه أيضاً. فالطفل حينما يغضب يبادر أبوه أو أمه أو غيرهم إلى القيام بما يوجب سكون غضبه أو عدم إلحاق الأذى بنفسه وبالآخرين. إلا أن البعض – ومع الأسف – يقوم بإثارته وتهيئة موجبات غضبه.
وانطلاقاً من هذه الرؤية فإننا نعتقد أن الآباء الأمهات وجميع الأشخاص الذين يتعاملون مع الطفل بشكل أو بآخر يجب أن يكون لديهم الوعي الكافي في مجال التربية، وأني عرفوا أهمية مواقفهم وتأثيراتها على الطفل.
موقف الوالدين
وفي كل الأحوال نؤكد على أن موقف الوالدين هو موقف التوجيه والتهدئة. وعليهم أن لا ينسوا بأن رعاية الطفل وتوجيهه وتقويم سلوكه ليس بالأمر الهيّن، وأنهم إذا ما تركوا الطفل وشأنه فلن يكون إنساناً نافعاً، ليس هذا فحسب، بل سيتحول إلى كائن خطير وأدنى من الحيوان منزلة.
يجب أن نولي الاطفال بالرعاية والتوجيه المستمرين، منذ نعومة أظفارهم، وعدم السماح لهم بالعبث والتخريب، وإلحاق الأذى بأنفسهم وبالآخرين.
وكذلك لابد من الحؤول دون استثمار الطفل لغضبه كسلاح يحرج به الوالدين في سبيل تحقيق مطالبه، وعلى العوائل التي لديها أطفال صغار أن تضع هذه المسألة المهمة في رأس برامجها التربوية.