في الغذاء, اللباس, اللعب والتسلية
الكاتب : الدكتور علي القائمي
لقد قالوا في التربية إنها صناعة, وذلك لأنها تحدث انقلاباً في فكر وجسم الإنسان حيث تعده للقيام بمسؤوليات جديدة أهم من مسؤولياته السابقة. تصنع من المادة الخام التي تمثل استعدادات لا غير, إنسانا ربما يكون أعلى من درجات الملائكة ومن المقربين لله تعالى وحبيباً وخليلاً له تبارك اسمه.
إن التربية لها تأثير على نوع التفكير والأعمال والسلوك والنشاطات الفردية والاجتماعية للإنسان, فالإنسان في بداية حياته يكون متعلقاً تعلقاً شديداً بالماديات واللذات المادية, ويمكن إعداده ليهتم بالمسائل المعنوية لكي يحصل على القيمة والكمال المطلوب وليصل إلى هدفه.
إننا لا نريد عن طريق التربية أن نبعد الإنسان عن الماديات ونهتم فقط بالمعنويات, بل الغرض هو أن نحدث توازناً وارتباطاً بين إراداته المادية وغير المادية, يكون اتجاهه دنيويا وما عداها لا يعني شيئاً بالنسبة له أو أن يكون اتجاها أخرويا محضا نريد دنيا وآخرة, مادة ومعنى.
التربية والتعليم
إن الوصول إلى هذا الغرض يحتاج إلى أمرين:
الأول: أن يعلم الإنسان أنه تقع على عاتقه مسؤولية عظيمة أعظم من أن يكون همه وغمّه منصباً على الأكل والنوم وتهيئة الغذاء واللعب.
وثانياً: يجب أن تكون لديه سعة نظر لكي يعلم بأن العالم أعظم وأوسع مما يتصور ويرى.
مما لا شك فيه أن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة ينشط فيها عقله وتفكيره فيصل إلى سن التمييز والتشخيص فإنه سوف يدرك أنه يجب أن يتحمل مسؤولية كأمه وأبيه, فلا يستطيع أن يبقى عضواً مشلولا في العائلة أما عن نطاق ومجال مسؤولياته أن يراعى التدريج في ذلك.
في التربية نستفيد من فرصة التمييز والتشخيص وكذلك من مرحلة الصبا والشباب لكي نعدّه لتحمل وقبول المسؤوليات الجديدة, فيجب توجيهه وتوضيح الخطأ من الصواب له وتوعيته لكي يمارس أعماله وفي أي مجال, وما هي الوسائل والمعدات التي يجب أن يستفيد منها.
أما في مجال نطاق المسؤولية وحدودها فيجب أن يعلم بأن حدود مسؤوليته عظيمة وتقاس بمقدار سعة نظره ونظرته إلى الكون، ويجب أن يعلم بأن الإنسان لا تقع على عاتقه مسؤولية أسرته وأولاده فحسب بل يكون مسؤولاً أيضا عن الآخرين ولهم في عنقه حق, ويجب أن يقوم بخدمة المحرومين والمستضعفين وبشكل عملي وليرفع محروميتهم واستضعافهم.
وعلى هذا الأساس فإن سعي الإنسان يجب أن لا يقتصر على نفسه بأن يهيئ لنفسه ولعائلته الغذاء واللباس ووسائل الراحة وكأنما خلق ليأكل وينام ويلبس, فكل ذلك وسيلة للسير إلى هدف أسمي والوصول إلى أهداف عالية, وهو مسؤول تجاه هذا السير وهذا الهدف.
أهمية سعة النظر:
قلنا إن الوصول إلى مثل هذا الهدف يحتاج إلى سعة نظر, والغرض هو إنه يجب أن لا يرى المرء المسائل كلها في إطار إرادته الفردية والشخصية, وإن الدنيا محدودة بسعة حياته العائلية وأن كل أغراضه وأهدافه تنصبّ في إطار أكله ونومه يجب أن يبعد عن نفسه حب الدنيا وليعلم بأن هناك الدار الآخرة بعد هذه الدنيا, وهذه الدار هي الباقية. أن من الخطأ الفاضح أن تكون لذّات الإنسان محدودة في نطاق هذا العالم الزائل بحيث يبدل هذه اللذات الزائلة بالمعنويات الباقية .
يجب أن تعلم أبناءنا بأن هذه الدنيا فانية, ولا يملك الخلود فيها سوى الله سبحانه وتعالى, فكل شيء فانٍ, ولكل شيء عمر محدود, والحياة أجيال تتعاقب بالتناوب وكل جيل يقضي أياماً معدودة, فيسعى ويزرع ويحصد وأن القسم الأعظم من حصاده يكون متعلقا بدار البقاء والخلود.
أن الغرض من الحياة في هذا العالم هي أن نزرع, ويجب أن نسعى وكأنما سنبقى إلى الأبد وفي الوقت نفسه يجب أن نعمل لآخرتنا وكأنما سنموت غدا, حيث سنقف في محكمة العدل الإلهية.
الأصل هو أن الحياة ماضية وفانية فيجب أن نعيش فيها بدون تكلّف ونتحلى بالكمال والسمو في الطبع وان ننصف الآخرين من أنفسنا, وكل ذلك يحتاج إلى سعة نظر بحيث يكون الإنسان يحس بما يعانيه الآخرين, فيسعى لنفسه ويقضي حاجات ذوي الحاجة, يفكر بنفسه وكذلك بسعادة المجتمع وليعلم بأن حياة الفرد جزء لا يتجزأ من حياة المجتمع.
ويجب أن يعلم بأن السعادة في هذه الدنيا لا تقتصر على الاستفادة من اللذات والمواهب, فهناك قيم معنوية, والحياة في هذه الدنيا في بعض الأوقات تكون مصحوبة بالمصائب والحرمان, فلا يفرح لإقبال الدنيا ولا يحزن على إدبارها.
في مجال الغذاء والتغذية
لا يستطيع الإنسان أن يتخلص من قيود الغذاء والبطن لأن الحاجات البدنية تقتضي أن يتغذى الإنسان ليصبح قوياً وعلى أثر ذلك يقوم بمسؤولياته, يجب أن يهيئ الطعام ويأكل ويطعم الآخرين لكي يقوموا بمزاولة أعمالهم مطمئني البال لا يعانون من الم الجوع.
يجب أن يكون هذا الحب بشكل لا يجره إلى وادي الذنوب والخطايا, أو يجعله غافلاً عن القيام بمسؤولياته.
ومما لا شك فيه أننا لم نصل إلى تلك الدرجة من الإيمان بحيث نستطيع أن نستغني عن متطلبات البدن, وأن نضحي به رخيصاً في المواقع التي يلزم فيها ذلك وفي طريق الهدف السامي للحياة لكن المسألة المهمة هي أن لا نهتم به اهتماما كبيراً فنتعلق به تعلقاً بحيث نترك مسؤولياتها الأصلية أو لا نعير لها أي اهتمام, يجب أن نهتم بأبداننا لكي نستطيع بواسطتها الوصول إلى طرق الخير والسعادة لنا ولمجتمعنا.
تربية البنت على الزهد في الحياة:
في تربيتنا للبنت نسعى بأن نخلق منها إنساناً زاهداً, لا بذلك المفهوم الذي تترك فيه الدنيا, بل يجب أن لا تكون أسيرة للمظاهر الدنيوية والحلي وأدوات التجميل.
إن الحياة تعتبر وسيلة لإدارة شؤون الناس وليست غاية وهدفاً, لأن المعدات والوسائل المادية نستطيع أن نجعلها سلماً للصعود والوصول إلى درجات السمو والرفعة, لا أن نكون عبيداً لهذه الوسائل والمعدات.
نريد من بناتنا أن يكن زاهدات بحيث يمثلن مظهراً لحياة أسرة الإمام علي عليه السلام ولا يعني ذلك إننا ندبر عن النعم ولا نهتم بها, بل أن للتنعم أهدافاً سامية, منها: الوصول للكمال المطلوب المقاصد الرفيعة وإذا واستطعنا أن نحقق هذا الأمر المهم لدى الأفراد فإننا نستطيع الحصول على أمر مهم في التربية.
إن الذي يجب أن نعلمه للبنت هو أن لا يكون الغذاء وطرق تهيئة تسبب وقوع الذي يهيئه بالذنب سواء أكان الأب أو الأم أو الزوج, وأن نغلب هوى النفس الذي يدفعنا لتناول أفضل الأطعمة, وإذا ما دفعنا الهوى إلى ذلك فيجب على أقل تقدير أن لا تكون عملية تهيئة الطعام من الحرام.
أن الأصل في التغذية هو رفع الجوع وهذا الأمر يجب أن يتم عن طريق الحلال والاستفادة من الطيبات.
النقطة الأخرى التي يجب أن نعلّمها للبنت هي أنه من الضروري تحمل الفقر والجوع والحرمان الناتج من قلة الغذاء حيث أن هذا الأمر في بعض الأحيان نابع من عدم القدرة وفي بعض الأحيان ينتج من اهتمام الإنسان بالفقراء والإغداق عليهم فتنخفض ميزانيته وهذه قمة الكمال. وفي بعض الأحيان فتحمّل الفقر وعدم الاستطاعة وذلك لكي نصعد إلى القمة من السمو ولنصل إلى مراحل الكمال.
وأخيراً فإن البنت يجب أن تدرك بأن الهدف الرئيسي في الحياة ليس الغذاء والأكل, بل أن الأكل وسيلة للحياة من أجل القيام بالمسؤوليات.
في مجال اللباس
أن اللباس في الوقت الذي يكون فيه وسيلة لحفظ البدن من الحر والبرد وستر وتغطية جسم الإنسان فإنه يعتبر زينة ووسيلة لإبراز المظهر ورعاية الآداب والرسوم, وفي بعض الأحيان فإن الموارد الأخيرة سبب في انزلاق الإنسان.
أن الالتزام بالعادات والرسوم الوطنية في اللباس بالإمكان أن يجعل عبأ الحياة ثقيلاً, والحركة بطيئة.
هناك ضوابط وأمور يجب الالتزام بها في اللباس وهي أن يكون المعيار فيه الشرع أو العرف أو العقل وفي مجتمعنا فإن الشرع هو الحاكم مع الأخذ بنظر الاعتبار الآداب والعرف.
أما بصدد لباس البنات فيجب الاهتمام, ومراقبة النقاط التالية وتربية البنات عليها:
الأول: أنه ليس من اللائق أن تلبس البنت لباس الولد في سن التمييز ويكون شأنها شأنهم, فإن هذا الأمر لا يقرّه مذهبنا.
يجب أن يكون اللباس بشكل يوفر الراحة للبدن لا أن نعذب أجسامنا بسبب الاهتمام بالموضة وما أشبه.
يجب أن نسعى لأن يكون اللباس بمثابة ستر وحجاب للبنت, وعلى هذا الأساس يجب الامتناع عن الألبسة التي تجسّم.
لباس البنت في المجتمع أو في حضور الأب والأخ يجب أن لا يكون ضيقاً فتبدو من خلاله معالم الجسم.
لا بأس باللباس الجميل للبنت, ولكن ليس بالشكل الذي يكون فيه الابتذال واضحاً ويؤثر على أخلاق البنت عندما تلبسه فتشعر بالدلال.
يجب أن يكون اللباس عاديا في خارج المنزل بحيث لا يجلب النظر ويثير الشهوة.
- يجب أن يكون طابع الحجاب على ملبس البنت منذ المرحلة الأولى للطفولة.
وأخيراً يجب أن تفهم البنت بأن شخصيتها وعظمتها مرهونة بإيمانها وتقواها لا بلباسها وأدوات زينتها.
في مجال اللعب والحركة:
إن الحياة من وجهة نظر البعض لعب, مبرمج ومدروس, والموفقية فيه لمن يملك المهارة والعقيدة والإيمان وفي اللعب في الحياة يجب أن تتبع فنوناً خاصة يكون حاصلها النصر والسعادة, أما فيما يتعلق بلعب الأطفال والبنات فيجب أن تكون وسيلة وأرضية للوصول إلى ذلك الهدف السامي, في الوقت الذي يشبع غريزة الأطفال, ويجب أن لا يكون اللعب فيه هدراً للقوى الإنسانية وممارسات لا طائل من ورائها.
هناك أمور يجب مراعاتها في لعب الأطفال وهي:
أن لعب الأطفال من سن 5-6 سنوات يجب أن يكون بشكل بحيث لا نفرق بينهما أي بين البنت والولد, أما ما بعد هذه السن فيكون اللعب على أساس المسؤوليات الاجتماعية.
يجب أن يكون نوع اللعب فيه تحقيق قضايا لها مدخلية في مستقبل الرجل والمرأة.
إذا ما حاولت البنت أن تلعب بلعب البنين فإننا لا نحطم فيها هذه الروح ولكن نحاول إرشادها وإقناعها بتغيير رغباتها.
إن اللعب يجب أن يكون تحت رقابة ومتابعة حتى لا تكون له آثار سلبية تسبب الانحراف والسقوط.
وفي الموارد التي يقوم بها الأطفال بأعمال بيتية يجب أن يكونوا تحت رقابة الوالدين.
يجب أن نسعى لإبعاد البنات عن اللعب التي تحتاج إلى الخشونة.
ويجب هداية الأطفال إلى الألعاب التي تسبب لهم معرفة أنفسهم, وفيها عبرة لهم ويقظة وروح تحسس, وإبداع وابتكار وروحية عمل وسعي.
في التفرية ووقت الفراغ
إن أبناءنا وبالأخص البنات وبالرغم من الهوايات التي توجد عندهم في عملهم وسعيهم ولعبهم إضافة إلى الوقت الذي يستغرقه إلى المدرسة والقيام بالوظائف المدرسية التي تستغرق ساعات من نهارهم وليلهم, بالرغم من كل ذلك إلا أنه يبقى لديهم وقت لا يدرون أين يقضونه وكيف يقضونه. فعدم الدراية في هذا المجال تسبب في بعض الأحيان أخطاراً وعواقب غير حميدة.
إن المهم هو ملء الوقت والفراغ على أسس معقولة, كالهوايات, والأعمال الفنية وما أشبه أن ضرورة الحياة تقتضي بأن يستفيد الإنسان من اللذائذ والطيبات بشكل معقول, فيوفّر على روحه وبدنه نوعاً من الطراوة والسرور. ونحن لا نريد للفرد أن يعيش العزلة في حياته منذ بداية سن الصبا والشباب وتكون حياته مقتصرة على العبادات والذكر والأوراد والدعاء بحيث يغفل ما وهبته الحياة من مواهب فلا يستفيد منها. إننا لا نقصد في كلامنا هذا أن تكون البنت راهبة زاهدة في الدنيا. فالتمتع في ملاذ الدنيا تعتبر من لوازم الحياة. فهي تحتاج أن تكون بعيدة لساعات عن مسؤولياتها الرسمية وأن لا يكون العمل الرسمي كل ما يشغلها وفي الوقت نفسه يمكن الاستفادة من بعض الفرص لنعلمها الأعمال الفنية والمسائل الذوقية التي لها أثر في تلطيف غرائزها وبعث الطراوة في روحها.
العادات والتقاليد:
مما لا شك فيه أن لكل مجتمع عادات وتقاليد ورثه الجيل الجديد من أجداده القدماء, وإن الكثير من أفراد المجتمع مقيدون برعاية هذه العادات والتقاليد.
أما نظر الإسلام في ذلك فهو أننا في مواجهة ما ورثه القدماء ووصل على النسل الجديد, فنقوم بتقييم الموروث مع أوضاع الجيل الجديد, ونرى هل أن قبول الموروث فيه فائدة أم لا؟
فإذا كان الموروث في المستوى المطلوب فنقبله ونعمل به, وأما إذا لم يكن في المستوى المطلوب فننبذه ونضربه عرض الجدار ولو كان موروثاً من قبل 2500سنة.
إن البنت يجب أن تعلم بأنها مسؤولة تجاه ما تقول وما تفعل, ولا يحق لها أن تمد رجلها خارج غطاء الآداب والمقررات المشروعة, أن العادات والتقاليد القديمة لا يمكنها أن تنجينا من الابتلاءات, وأن العذر القائل بأن الآخرين تركوها لنا أو أتوا بها إلينا عذر غير مقبول.
تربية حب الذات:
إن الكثير من المساعي في مجالات الحصول على الغذاء, اللباس اللعب والترفيه وما أشبه نابع من حب الإنسان الخارق لذاته, فهو يحب نفسه إلى درجة إنه ينكر الحقائق والواقعيات ولا يقيم لها أي اعتبار.
تعتبر التربية من وجهة نظر البعض فناً, فهي توقظ الإنسان من غفلته بواسطة أساليبها الظريفة.