وفاة الأم

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

يشكل وفاة الأم مصيبة وحزناً كبيراً للطفل أكبر من وفاة الأب. فلا يفقد الطفل بوفاتها مربيته فحسب بل مؤنسه ومحل أسراره. ولذا يصعب عليه تحمل الفاجعة وتزداد لوعته وأساه عندما يشعر بالوحدة والإهمال تلفّانه، ويمكن أن يثير وفاة الأم عصبية ويستفزه لارتكاب الجرائم، والتهجم على الآخرين، واللجاجة فالعلاج الوحيد لمثل هذا الطفل هو الاهتمام به والحنو عليه أكثر والأهم هو ملء الفراغ الناشئ عن وفاة أمه بمن يستطيع أن يشغله ويكسب ثقته واعتماده عليه.

مشاعر الطفل عند وفاة أمه:

يمتلئ الطفل عندما تفارق أمه الحياة شعوراً بالوحدة واضطراباً لفقد المدافع والحامي ويتذكر في عالم خياله أنّ أباه همّ بضربه يوماً ومنعته أمه فإذا عاود الأب محاولة ضربه ثانية فمن الذي سيقف أمامه ويمنعه؟

ويتصور أحياناً بأن شيطنته هي السبب في موت أمه ولأنه عصاها أو خالف أوامرها وإلا فما كانت لتموت، وهنا من الضروري أن نصلح طريقة تفكيره الشاذة.

تغيّر سلوك الطفل:

يشعر الطفل بالتحرر عندما تتوفى أمه المتعصبة والتي كانت تمنعه عن كثير من الأفعال أما الآن فلا يجد من يمنعه وسيقوم بأعماله التي كانت ممنوعة عليه. ويمكن أن يكون السبب في تغيير سلوكه هو إحساسه بالضياع لفقده من يلجأ إليه، فلا يجد من يستقبله عند عودته من المدرسة، وليس هناك من يناغيه ويمسح على رأسه ويدلل عندما يستسلم للنوم مما يؤدي إلى عناده ولجاجته. وتسوء الحالة أكثر وتهيج أحزانه عندما يتعرض للمعاقبة، فينادي أمه ويستغيث بها. عندها تصبح مسؤولية المربين مضاعفة في التربية.

الأمنيات الخيالية:

كثير ما ينتمي الطفل أن تعود الحياة إلى أمه ويتصور أن بكاءه وصراخه الشديد سيبعث الروح في جسدها الخامد وسوف ترجيح إليه، ويدعو أحياناً ويتضرع إلى الله بيديه الصغيرتين طالباً منه عودتها فلما يرى أن دعوته لا تستجاب وأن أمنيته لا تتحقق تتزلزل معنوياته وتتعرض نفسه إلى صدمة شديدة. هنا يبرز دور المربي لتوضيح مفهوم الموت وتبسيطه له والإسراع لنجدته من الانهيار.

 

 

سلوان الطفل:

لا يجب إكراه الطفل على نسيان وفاة أمه وعدم السماح له بذكرها وذكر محاسنها على خلاف ما هو شائع، بل يجب أن يناغيها، ويستشعر وجودها ولا يخفي أحاسيسه بالخوف من موتها ويبدي عواطفه تجاهها ويجب أن نشاركه في ذلك. فلا تمنعوا الطفل من البكاء واطلقوا عنانه للبكاء والعويل فإن ذلك أثره المهدئ لنفسه ومن جانب آخر يحرك عنده المشاعر الإنسانية ويقويها.

معنى الموت:

يعتبر الموت بالنسبة للأطفال عالماً من الألغاز والأسرار يثير في ذهنه آلافاً من الأسئلة[1] لماذا ماتت؟! ولماذا لا تعود إليها الحياة؟! وماذا تصنع في القبر؟! وما تأكل هناك؟! وكيف تتلافى حر الصيف وبرودة الشتاء ؟! و...الخ.

فمن الضروري تلقين الطفل مفاهيم عن الموت والحياة أثناء مراحل نموه ورشده ونشرح له بلغة بسيطة وطفولية بأن الموت يعني نهاية للحياة في الدنيا وبداية لها في عالم آخر. فلا يمكن للميت التنفر من الآن فصاعداً، ولا يحس الأشياء، ولا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلا إلى الدعاء وعمل الخيرات وبالتالي فالموت مسألة عادية والكل يموت ولكن تختلف الآجال وأنه ليس هناك نهاية للحياة.

ولا شك أن شرح تلك المفاهيم تتفاوت بتفاوت عمر الطفل وعلى الأم أن تبين لطفلها أسباب موت الأقرباء في سنينه الأولى.

تلقين الفكر الديني:

يضطرب الطفل عندما تموت أمه، ولذلك فإن تلقينه بالفكر الديني والتوضيح له بأن الموت ليس فناءً بل حياةً بشكل آخر سيساعد على تسكينه وتهدئة عواطفه ويقضي على حالة القلق عنده وبالأخص عندما يفهم بأن هناك حياة يعاقب فيها المسيء ويثاب المحسن.

عدم إبعاده عن البيت:

لا تختلقوا الأعذار الواهية لإخراج الطفل الذي فقد أمه من البيت ليقضي أياماً مع خالته أو عمته لأن آلامه وحزنه وهمومه ستجدد ثانية حالما يعود للمنزل فلذلك الأفضل له أن يشارك أعضاء الأسرة عزاءهم ومصيبتهم ويشاهد المناظر المختلفة ويأنس بمفاهيم الموت ولو قليلاً.

 

انتخاب الزوجة الثانية:

يجب ملء الفراغ الناشئ عن فقدان الأم، بامرأة حنونة تضفي على البيت دفئاً وحرارة وتملأ عاطفة ومحبة وتهيء الأجواء المناسبة لإزالة حالة الاضطراب والخوف عند الطفل. فانتخاب زوجة ثانية وسلوكياتها وحالاتها الأخلاقية له أهمية بالغة في حياة الطفل، وبعبارة أخرى يجب أن تكون زوجة الأب ملائمة للرجل والطفل في آن واحد فعليه انتقاء زوجة مثقفة تطفح بالعواطف والأحاسيس الإنسانية.

واجبات زوجة الأب:

تقع على زوجة الأب مسؤوليات جسيمة في مقابل الزوج والطفل اليتيم، فعليها أن تملأ فراغ الزوجة المفقودة للأب وأن تلعب دور الأم الحنون للطفل المفجوع. فستخفّ آلام الطفل عندما يلمس الحنان والعطف من الزوجة الثانية. فكيف ستكون حياته فيما لو كانت زوجة الأب متعصبة ومتشددة تعامله بخشونة لتثير حزنه وأساه الكامن في قلبه؟!

ملاحظات لزوجة الأب:

يعتبر الموت مصيبة لا يمكن لأحد الفرار منها. ولا يستطيع أي فرد أن يدّعي بأنه بعيد عن الموت ولا يطمئن حتى الشباب من الأزواج لعدم تيتم أطفالهم.

تحلّين اليوم مكان الأم وبجانبك طفل يتيم، لا ذنب له في وفاة أمه ويستحق كل رأفة ورحمة، إنه يفتقر إلى مزيد من المحبة والعاطفة، وتقع عليه مسؤولية كبيرة في الاهتمام به وتسليته ولكن ليس إلى الدرجة التي تؤدي إلى نشأته مدللاً عشوائياً.

لا تؤذيه باللسان، والحقد والكراهية وتفرغي حنقك عليه بالأخص على مشهد من أقرانه فإنك إنسانة وهو إنسان ولكن اقل منك عمراً، إنه طفل بلا ناصر ويحتاج إلى المداعبة، فقد أمه يعني دنياه بأكملها، متعطش إلى الحنان، يفتقر إلى العاطفة والرحمة، فاضفي عليه حنانك ومحبتك ولا تكترثي بتحريك الجهّال الحاقدين.

 


 

[1] - والكبار أيضاً {المترجم}.