دور الأم كأقران الطفل
الكاتب الدكتور علي القائمي
يميل الطفل في مراحل نموه إلى إبراز نفسه واختيار قدراته وممارستها. ويحبّ في جميع مراحله أن يغتنم الفرص ليختبر نفسه يزهو بكفاءاته في حال نجاحه ويقوي في نفسه الثقة والإقدام ويجبر نقاط ضعفه ويعالجها عند ظهورها. لا يمكن التعبير عن هذه الحالة بالكلمات ولكنها أحاسيس تتفاعل في عقل الطفل وضميره.
الحاجة إلى الأتراب:
يهيء محيط الأتراب أفضل الأجواء التي يمكن للطفل فيها اختيار نفسه وتقييم قدراته وإمكاناته. يلعب مع هذه الفئة ويطفئ من خلال الضحك، والقفز، والركض، والثرثرة، نار عطشه الروحي والنفسي ويجد ثانياً المجال المناسب لصرف طاقته الإضافية والتي تنتج من العمل المنظم لأجهزة بدنه الداخلية وثالثاً يقوم باختيار وتقييم نفسه ويعطي لرشده ونموه زخماً وتألقاً وسرعة.
يحتاج الأطفال في جميع أدوار حياتهم إلى فئة من الأتراب تشكل المجتمع الخاص بهم. تبرز هذه الحاجة عندهم بصورة تدريجية في المرحلة من سنةٍ إلى ثلاث سنوات.
يتلذذ الطفل بمشاهدة لعب الآخرين ومحاكاة حركاتهم ويودّ أن يكون بينهم .
ضرورة الأقران لنمو الطفل:
تغذي الحياة بجانب الأطفال والأفراد في نفس مستواه العقلي والثقافي الحاجة النفسية للطفل وتكون ضرورية لنموه البدني، النفسي والاجتماعي، ويوفّق الطفل عن طريق الاشتراك في نشاطاتهم لفهم العلاقات الاجتماعية ويتعلم مفاهيم مثل التعاون، التكاتف، الدفاع عن الحقوق، التخطيط، البرمجة، الدفاع، الهجوم، النصر والهزيمة و... الخ.
نعلم من الناحية البدنية ضرورة الركض والحركة في تقوية العضلات وضرورتها لحفظ التوازن والتعادل الجسمي للطفل. ويجد من جانب آخر الفرصة المناسبة لإظهار وتفريغ حالاته العصبية والإحساسية مما يسبب شعوره بالرضى والهدوء النفسي. يكون الطفل في الواقع محتاجاً للعب مع أقران أقوياء ويتلذذ بذلك وسيخلق عنده النظرة الواقعية للحياة.
والخلاصة سينضج الطفل اجتماعياً وجسمياً أسرع عندما يكون بين أقرانه وأترابه ولا يمكن للأم مهما كانت واعية ومثقفة وأعمالها محسوبة حساباً دقيقاً وموفقةً في التربية أن تملأ فراغ الأقران وتؤدي دورهم. وستعلم على هذا الأساس أن اضطرت يوماً أن تلعب دورهم مدى المصاعب والمشاكل التي ستواجهها.
الأم وانتخاب الأقران:
يكون تأثير فئة الأقران والأصدقاء وروحهم الاجتماعية في الطفل بناءو إيجابياَ ويمكن أحياناً أن يلعب دوراً هدّاماً في حياته ولذا فعلى الأم أن تساعده في انتقاء أصدقائه وتتدخل بصورة غير مباشرة في انتخابهم. فما أكثر الأطفال الذين يجرون الطفل بصحبتهم نحو الفساد والضياع ولا يكون نتيجة معرفتهم إلا التعاسة والبؤس والشقاء.
فيجب على الأم أن تمنع من هذه الصداقات. وتدعو أصدقاءه إلى المنزل من أجل التعرف عليهم وانتخاب الأفضل منهم، والاتصال بهم ومراقبتهم وإصلاح سلوكهم وتصرفاتهم، ولو أن هذه العملية تستلزم صرفاً للوقت والجهد المضاعفين ولكن الفوائد التي تعود منها ترجح على المصاعب وما تصرفه من وقت وجهد فيها.
الأم في دور الأقران:
عندما لا ترغب الأم أن يتصل الطفل ويتجانس مع المحيط الذي ليس له فيه صديق، أو المحيط الملوث والموبوء ولا تراه في مصلحة تربيته، فسيكون الطفل محروماً ويحتاج إلى العون والمساعدة أكثر، وتصبح مهمة الأم في مثل هذه الأوضاع صعبة ومعقدة وبالأخص إذا لم يكن في المنزل طفل آخر يلعب ويلهو معه، فعليها أن تملأ هذا الفراغ وتحل محل الأصدقاء، وكما ذكرنا سابقاً يحتاج الطفل إلى مقايسة نفسه بالآخرين ليمكنه عن هذا الطريق تقييمها والتعرف عليها. فمن واجب الأم أن تلعب دور الطفل أحياناً وتكون إلى جانبه لبعض الوقت، تلعب معه وتقص له القصص وتملأ الفراغ حوله وتجعله يشعر بالرضى.
ولعلّ ذلك هو السرّ في بعض وصايا الإسلام للوالدين في أن يتصابا عند اللعب مع أطفالهم [1].
الفوائد من تصابي الأم:
تقدم الأم في تصابيها ولعبها مع الطفل فوائد عظيمة إليه ذلك لأن الأم سوف تلعب معه بهدفية وبعقل وتفكير. وتستطيع أن تجعل ألعاب الطفل ونشاطاته هادفة وموجّهة، توازن عنده الروح العدائية وتهذبها، تعطي لمساعيه معنى وتجعلها مفيدة، وتبعث على أن يفهم الحياة بصورة أفضل بل ويكتشف بعض الأشياء، تستطيع الأم من جانب آخر أن تمنح الهدفية لألعابه أن تقطع جذور الانحراف عنده وتذوّب النزعات الشيطانية في نفسه.
الأضرار من تصابي الأم:
لا تستطيع الأم ومهما تكن حاذقة وبأيّ درجة تتصابى فيها أن تقوم بدور الطفل بصورة كاملة ذلك لأن مسالة العمر موضوع له أهمية كبيرة في التربية، انها ومهما هبطت في مستواها الفكري والسلوكي ففي النهاية لا يمكن لها أن تصبح طفلاً. وحتى إذا وفّقت إلى ذلك فإن حجمها وتقاسيم وجهها ليست طفولية ولا تقنع الطفل. ومن جانب آخر فإن الأم شخص واحد وهو يحتاج إلى شخصيات متنوعة بعاداتها وتصرفاتها ولهجاتها ليشبع نهم حب الاستطلاع لديه، ولذا سيضطر الطفل الذي يعيش مع أمه فقط على هذا الأساس إلى أن يترك أخلاقه الطفولية ويتكابر وسيؤدي ذلك إلى إضرار أخرى.
واجب الأم للقيام بهذا الدور:
تضطر الأم في مثل هذا الوضع الصعب والحساس أن تسلك أسلوباً يضيق بعض مطاليب الطفل وتجعله يبرز انفعالاته وإحساساته، عليها أن تبحث عن ما يحبّه وما عنده من الرغبات والأماني وماذا سينتج من ألعابه، وما هي الألعاب التي يحبها، وما هو السلوك الأفضل الذي يبعث فيه النشاط والحيوية، و... الخ.
على الأم أن تتجنب في اللعب مع الطفل أن تكون هي الفائز الوحيد دائماً وتسعى ليفوز هو أحياناً عليها كي يتذوق طعم النصر. وتأخذ بنظر الاعتبار مستواه الفكري وسطح فهمه في الكلمات والاصطلاحات التي تستعملها. لأن استنتاجاتها من المسائل مهمة له. وبعبارة أخرى يجب أن تعيش عالمه وتفكر بعقله وتفكيره. تتفاوت ألعاب الأطفال بتفاوت أعمارهم فمثلاً لعبة إخفاء الوجه بمنديل أو باليد بصورة متناوبة تكون ممتعة جداً للطفل في سنته الثانية وسيفهم منها أن بإمكانه إزالة المنديل، وعلى أية حال فإن نجاحه ورضاه مهم لحياته وليس رغبة الأم ووجهة نظرها الخاصة.