الأم في دور الأب
الكاتب الدكتور علي القائمي
يطلق على الطفل الذي يفقد أبويه أو أحدهما كما هو معروف لفظة يتيم. ولكن ليس ذلك يتيماً فقط من وجهة نظر العلم وإنما أي طفل يفقد حنان أبويه واهتمامهما به ويحرم الاتصال المستمر بهما يكون يتيماً أيضاً.
فسيكون يتيماً على هذا الأساس أي طفل لديه أم أو أب لا إباليان، فاسدان، مشغولان ولاهيان، ويصبح أولاد الأمهات أو الآباء الذين لا يجدون فرصة للاهتمام بشؤون أطفالهم يتامى، فالطفل الذي لا يرى أباه صباحاً ومساءً لأنه يذهب مبكراً لعمله ويعود متأخراً أو الطفل الذي انفصل أبواه ولايسألون عنه فإنه يعتبر يتيماً ويشعر الطفل اليتيم لأي سبب كان بالغربة والعذاب ويكون مضطرباً وكثيباً ويبرز آلامه وما يختلج في صدره على شكل عناد وانزواء ولجاجة.
مسؤولية الأم الصعبة:
تكبر مسؤولية الأم وتصبح صعبة ومعقدة في مقابل الطفل اليتيم. وتستطيع أن تنقذه من محنته وتخلصه من المشاكل، وستعظم همومه وآلامه عندما تجعله يتعذب منها أيضاً. تتحمل الأم في هذه الحالة نوعين من المسؤوليات، يتعلق القسم الأول بها كأم وقدوة ومثال للمحبة والعاطفة، ويشمل القسم الثاني مسؤوليات الأبوة في جوانب الانضباط التربوي وجدية الأوامر والنواهي . يعتبر تركيب العاطفة والانضباط والتوالف بينهما مهمّة معقدة ودقيقة. وسيكون لها طبقاً لذلك شخصيتان متفاوتتان في مقابل الطفل وستحتاج إلى جهد عظيم لمزج الشخصيتين في شخصية واحدة.
فقدان الأب:
لا شك أن أي طفل سيحزن ويتألم لموت أبيه وفقده ولكن السؤال هو ماذا ستفعل الأم عند ذلك وكيف ستخبر الطفل بموت أبيه؟
تختلف الآراء والطرق العملية في ذلك حيث يطرح بعضهم موضوع سفر الأب، والآخر ذهابه إلى المستشفى و... من هذا القبيل تستطيع الأم أن تطرح موضوع موت الأب بصراحة للأطفال الذين تجاوزوا السابعة من العمر مع التأكيد له بأنها ستسعى لتربيته وسوف لا تدخر جهداً لذلك حتى يكبر ويقف على قدميه. فإن اختلاق المعاذير والتبرير للطفل عند موت أبيه سيبعث على أن يفقد ثقته بأمه ويتصور الموت غولاً رهيباً في ذهنه وسيعتقد أن أمّه كذّابة ومراوغة. فيجب أن يعلم الطفل في هذا العمر ما هو الموت وما هي الحياة؟
يكون إدراك قضية الموت للأطفال دون السابعة مسألة مستعصية ولكن عاطفة الأم وحنانها سيملآن الفراغ الناشئ عن موت الأب بسهولة ويسر مما يجعله يتحمل المصيبة.
تقوية معنويات الطفل:
تقع على عاتق الأم مسؤولية مهمّة أخرى بحق الطفل وهي تقوية معنوياته وشحنه بالأمل وتوجهه بأنه قد كبر ويستطيع بمساعدتها أن يدير شؤونه ويقوم بواجباته.
يمكن للأم تسكين اضطراب قلب الطفل بصبرها وجلدها وتزيل خوفه وتطمئنه بحمايتها له وتعلمه بتصرفاتها دروس الصبر وتلقنه الصلابة والاستقامة، وستقوي معنوياته بمواساتها له وستشحن بالأمل. يجب على الأم بعد وفاة زوجها أن تعرّف الطفل على أقاربه الرجال أمثال أخواله وأعمامه وتهيء المجال لاتصاله المستمر بهم وتخلق جواً عادياً وفرحاً يبعث على الاطمئنان.
الامتناع عن الإفراط في المحبة:
يحتاج الطفل في الوقت ذاته إلى المحبة والعاطفة كما يحتاج إلى القواعد والمقررات لتكون الأساس للسيطرة والتحكم به والتي كان الأب سينفذها ويطبقها عندما كان على قيد الحياة فيجب الآن، وقد فقد على الأم أن تقوم بدوره، وعليها أن تعلم جيداً أن الإفراط في المحبة يفلت زمام الأمور عن يدها ويهيء الأجواء لجرّ الطفل نحو الانفراط واللاإنضباط.
تنفيذ البرامج الانضباطية:
يشعر الطفل الذي فقد أباه بالتحرر من القيود ويسعى إلى إلقاء مسؤولياته وواجباته جانباً. فسينفرط الطفل ويتحلل إذا لم تنفذ الأم البرامج الانضباطية للسيطرة عليه.
يستلزم تنفيذ البرامج الانضباطية الدقة والموازنة فالتصعب الحاد أو السلاسة فيها سيجعل التقدم في عملية التربية للوصول إلى الهدف صعباً بل مستحيلاً. ويمكن أن يؤدي إلى خلق روح العناد والتصلّب عند الطفل في مقابل الأم أو سينجم عنها تكوّن روح اللامبالاة وعدم الاعتناء لديه. لا بأس بالاستدلال وبيان العلل عند تنفيذ البرامج الانضباطية ولكن لا ضرورة لذلك دائماً فليس منطقياً منع الطفل بالاستدلال وبيان الأسباب عندما يقوم بعمل تحفّه المخاطر فسيعود عليه بالضرر الفادح بل المنطقي والعملي هو احتضانه وحمله بعيداً عن منطقة الخطر.
يمكن أن تحل الأم محل الأب وتلعب دوره كمثال أسوة للانضباط ولكن عليها أن لا تغفل عند تنفيذ البرامج الانضباطية عن المشاعر والعواطف المرهقة له.
فلا بأس بتحديده وتقييده ولكن ليس إلى درجة تجرح فيها مشاعره وعليه أن لا تحقّره وتستصغره ولا تسمح لنفسها بالضحك والاستهزاء به عند تطبيق البرامج الانضباطية فلا يتوقع الطفل منها ذلك.ويجب الامتناع عن العصبية المفرطة حين معاقبته، لا نعني التساهل معه طبعاً. فيرفض علم التربية المهادنة وعدم الانتقاد في التربية فيجب تنفيذ البرامج التربوية والقواعد ولا تقع تحت تأثير عواطف الأمومة ورأفتها وتشجع على العمل الإيجابي وتنهى عن السلبيات ولا تنسى في نفس الوقت أن تغض الطرف عن بعض الخطلات والأخطاء وبالأخص عندما تكون خطأته الأولى.
تعيين الوظائف والمسؤوليات:
تعيين واجبات ومسؤوليات الطفل يعتبر من أهم مسؤوليات الأم بالنسبة إليه بعد وفاة والده. فيجب أن تحدد وتعين مسؤوليته في البيت وتطالبه بالقيام بها بطريقة مقبولة ومستساغة إليه لينفذها باعتزاز وشوق, ولا شك فإن تشجيعه عليها سيترك آثاره الإيجابية عليه.
التحكم في تنفيذ المسؤوليات:
يعتبر مراجعة الواجبات المدرسية للطفل من مسؤوليات الأم، حيث تستمر على ذلك للفترة التي لا يشعر فيها الطفل بوظائفه فلا ضرورة للتدخل فيها عندما يبدأ بالاهتمام بواجباته ويقوم بها.
استقلالية الطفل:
ليس صحيحاً ولا منطقياً المحدوديات والقيود الشديدة والغير محسوبة عند تطبيق البرامج الانضباطية لأنها ستؤدي إلى تحطيم شخصية الطفل، ولكن الحدود والقيود القائمة على أساس التعاليم الدينية ستكون إيجابية وبنّاءة. فلا بأس باحترام استقلالية الطفل ونزعته إليها ما دامت لا تؤثر سلباً عليه أو على الآخرين ولا تنفي القواعد الانضباطية، وذلك ما يجب أن يراعى حين تفويض المسؤوليات إليه، يجب على الأم أن تفوّض إليه المسؤوليات وتمنحه الحرية الكافية للقيام بها ولا تحدده إلا حينما تحيط الأخطار به أو بمن حوله. ويجب احترام هذه الحرية والاستقلالية حتى في مسألة مصروفه الجيبي وكيفية صرفه فلا تأمر ولا تمنع ولكن توجهه وتعلّمه وتراقبه في كيفية التصرف بنقوده.