دور الأم في كشف العالم الخارجي للطفل

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

يولد الطفل غريباً عن الدنيا حوله ومحصوراً بذهنياته، ويعيش في دنيا محدودة ومقفلة، متعلقاً بقريب وحيد يعني أمه، يتعرف عليها وعن طريق حواسه بصره، سمعه، ملامسه، ويبدأ بالمقارنات، وعند مساعدة أمه يتحرر ذهنه من القيود والمحدودية.

يكون الطفل دائماً في حالة تعلّم ويسعى لجمع المعلومات عن أطراف وأكناف الدنيا حوله. ولا شك أنه سيستعين بأول شخص قريب منه، يعني أمه، ليكتشف ويتعرف على ما يدور حوله.

أهمية التعلّم للطفل:

يتعطش الطفل لكشف الدنيا المحيطة به ولديه حب الاستطلاع والسعي لاقتباس المعلومات والاطلاع، مما يشكل أهمية لحياته المستقبلية، فيجب تمكين الطفل التعرف على الدنيا حوله لكي يستطيع أن يخطو الخطوات المناسبة في جميع جوانب حياته.

يكتسب الطفل بالتأكيد الصفات والملكات وتترسخ فيه عندما يكون في شهره الأول وحتى الثالثة من عمره والتي يتلقنها من أمه مباشرةً. ولقد أثبت "اللورد بروكام" عن طريق التجربة أن ما يتعلمه الطفل في الفترة من الشهر 18 وحتى الثالثة عن الدنيا حوله وعن استعداداته الذاتية والطبيعية وسائر الأجرام والأشياء أكثر مما يتعلمه في طول حياته [1] .

الأم كاشفة العالم الخارجي:

يكتسب الطفل عادة عن طريق أمه ثقافة مجتمعة وعنها يفهم الحياة وفلسفتها الاجتماعية، فهي أول شخص يتعرف عليه ومنها يتعلم كافة الأشياء بدءاً من كيفية غسل اليدين والوجه وآداب المعاشرة والتعامل مع الناس وانتهاء بمعرفة الله والأصول والفروع. وهي التي تعرف له العالم والحوادث الواقعة. فيه وتفسرها وتوجهه فيها. تكشف له حقائق المجتمع وتلقنه عاداته، تقاليده، طريقة تفكيره الاقتصادي والاجتماعي، مثالياته وقيمة وآماله، ويرتبط تعلم الجوانب الدينية والأخلاقية وحتى الفنية "الذوقية" ارتباطاً وثيقاً بالأم.

فتخطئ الأم حينما تتصور أن تربية الطفل الثقافية تنحصر بالمدرسة والمجتمع فقط. لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن للمدرسة دوراً مهماً في تلقين الطفل تراث مجتمعة الثقافي ولكن دور الأم هنا أهم وأعمق وبالأخص ذلك النوع من التراث الذي يتعلق بالعادات والتقاليد. فتنتقل أغلب الأساطير والخرافات، الحكايات، الأسرار، المسائل الاجتماعية، وتحولات أحوال المجتمع عن طريقها إليه.

ما الذي تعلّمه الأم للطفل؟

يمكن للأم أن تعلم طفلها مسائل كثيرة ومتنوعة، سنذكر في ما يلي أهمها والملح منها.

يجب على الأم تعلّمه ما يلي:

المفاهيم الأساسية، تنظيم المعلومات وبرمجتها، التعرف على العالم وفهم العلاقات بين أجزاء الوجود، تعريف الواجبات والحقوق، الجوانب الاقتصادية، إدارة البلاد، مفاهيم عن الاتّحاد والتعاون، تقارن القوى الاجتماعية، الجوانب العسكرية، الجوانب القانونية، المؤسسات، الحركات والأحزاب، النظم الاجتماعية، مفاهيم الزمان والمكان من الشهر والسنة والأسبوع والأيام وعالم الكم والكيف ومن الموقع الجغرافي والوقائع المحلية، الأدب والفن، فوائد الأشياء وأضرارها، الهيكلية الإدارية، القضايا الداخلية للبلد، نظام الحكم، التنظيم في المعامل والمصانع، العمل في المحال التجارية، العسكرية، الدينية، الطبية، ومفاهيم الفقر والغنى، المرض والموت، العلاقات السببية، دور الرجل والمرأة و... الخ.

يحصل الطفل على كل تلك المعلومات عن طريق المطالعة، الصور، الرسوم، والأفلام.

خلق الحالة الاستفهامية لدى الطفل:

ليتعرف الطفل أكثر على العالم من حوله يمكن الاستفادة من الأرضية الاستفهامية لديه، قد لا يطرح الطفل أية أسئلة عن مواضيع مهمّة وضرورية فيأتي عند ذلك دور الأم والأب في تهيئة الاستفهامات وإلقائها في ذهنه ومن ثم تشجيعه على تعلمها واستيعابها.

قد لا تستطيع الأم أن تجيب على جميع الأسئلة التي يطرحها الطفل ولكن عدم إجابته وإهماله ليس صحيحاً تربوياً، بل يجب تقوية الروح الفكرية والعلمية عنده والحفاظ عليها حية ثرية ولا نقتل الرغبة للتعلم لديه، فإن زجر الطفل وعدم الإجابة على أسئلته تجعله ينطوي على نفسه ولن يجرؤ على السؤال، ويمكن أن يقرّ قراره في تعلم ما يريد ويستفهم الآخرين عنها وسيحصل على أجوبتها ومن هنا تبدأ التربية السيئة. نريد القول إن الهروب من أسئلة الطفل له عواقب وخيمة، فعلى الأم أن تجيب على آلاف الأسئلة التي تدور في خلد الطفل وتخفف ثقل وطأتها عليه فزجر الطفل يبعث على اللاابالية وكذلك قول لا أدري أو الأجوبة المجملة، وتقتل عنده حب الاستطلاع (إن الأمر لا يعنيك وستفهم الموضوع عندما تكبر و... الخ).

لا تبدي أية خشونة أو قسوة عند الإجابة على أسئلة الطفل ولا تجعلي حب الاستطلاع لديه يبقى بلا نتائج.

ملاحظات في تعريف العالم:

يمكن أن نتطرق هنا إلى مسائل متعددة، أهمها ما يلي:

1-   عند تعليم الطفل موضوعاً معيناً علينا مراعاة خلفيات الطفل وتوافر الشروط اللازمة لديه. ويجب أن يكون التعليم مطابقاً ومتزامناً لمقتضيات نموه العقلي.

2-   يجب أن يكون ما يتعلمه الطفل واضحاً وثابتاً لكي لا يحتاج إلى التعليم ثانية لأنه يستلزم الهدم والبناء وإعادة النظر في ما تعلمه مما يشكل صعوبة فائقة للمعلم.

3-   لا ينحصر طريق التربية في التعليم بالتقبيل والملاطفة والحنان بل يجب الاستفادة من بعض الحيل التربوية وفرض المعلومات عليه وتعريفه بالمسائل والمشاكل القائمة.

4-   علّموا الطفل المعلومات الضرورية له بصراحة لأنه سيتعلمها من الشارع شئنا أم أبينا وستؤثر سلباً على حياته عندما يتعلمها من الآخرين.

5-   لا تلجأوا إلى القسوة وتوخوا الهدوء والطمأنينة عند تعليم الطفل لما يدور حوله وعدم فقد الأعصاب والوعيد بالصراخ عند إجابته عن أسئلة اللجوجة فإن له عواقب وخيمة في نفسه وروحه.

ضرورة التأكيد على البنت:

تزداد أهمية تعرف البنت على العالم والحياة لكونها ستصبح أماً في المستقبل وثانياً لأنها ليست كالولد في علاقاته الاجتماعية الواسعة لكي تكتسب المعلومات الضرورية، فإن لم تقم الأم بتعليمها فستتعلم ما يضرها من الآخرين لذا يجب على الأم أن تشرح لابنتها الشؤون التي تتعلق بالمرأة وتبين لها وظائفها الحالية والمستقبلية فهي مكمن أسرارها.

 


 

[1] - الأخلاق ص 48 صاموئيل اسمايلز.