الأم ملجأ الطفل

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

 

الأم، يعني بمفهوم الطفل المكان الآمن الذي يلجأ إليه كلما يشعر بالخطر، فيبعث فيه الاعتماد بالنفس والحرارة والقوة. فهو يتصورها إنسانة قوية لا تقهر، وهي الملجأ في كل الأمور والحالات، قد تكون أم امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، وأضعف من طفلها، إلا أنها أمامه شخصية يمكن الاعتماد عليها واللجوء إليها كلما يشعر بالخطر، وهذا الشعور مهم وضروري للطفل، فهو يبعث القوة وهدوء البال.

الحاجة إلى الأمن:

يعرف الطفل أمه في الشهر الثالث من عمره، ويدرك أن حياته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحياتها، فعندما يكتشف الطفل وجود أمه يتعلق بها، حتى يصل به الأمر، انه لا يذهب إلى حضن غيرها وإذا ما ابتعدت عنه قليلاً يبكي ويصرخ معترضاً.

وتتضح أهمية حاجة الطفل إلى أمه عندما يبلغ عامه الثاني، وتزداد هذه الأهمية وتصل أعلى مراحلها عندما يبلغ الطفل عامه الخامس والسادس.

قد تستخدم الأم مربية لابنها، وقد يقبل الطفل ذلك ظاهرياً، إلا أنه وبعد عدة أيام نجده يشكو ويتحجج وبالتالي يبدأ بالبكاء مطالباً بأمه.

أثبتت التجارب،أن الطفل وحتى سن الثالثة، يعتبر أن أمه هي الملجأ، إلا أنه وبعد هذا السن عندما يدرك ويفهم تتغير هذه النظرية في ذهنه، فيلجأ إلى الأب لحل المشاكل الصعبة وخاصة المشاكل التي تتطلب إلى قوة، من المهم أن يشعر الطفل أن حياته آمنة، وهذا يساعد على نمو الطفل وتكامله، وان الأمان على عدة أنواع:

الأمان العاطفي:

يجب أن يعتقد الطفل بأن أبويه يحبانه، وأنه ابن أمه، تحبه وتعزه، وإذا لم يكن أحد في الدنيا يحبه، فإن أمه تحبه وتعشقه، ولأنها تحبه فهي تشتري له كل ما يحتاج من ملابس ولعب وتهيئ له كل ما يريد.

يرتبط اعتماد الطفل على نفسه بإحساسه الأمني والعكس صحيح، فقد يؤدي عدم الاطمئنان العاطفي حدوث عيوب جسدية ونفسية على الطفل، يخاف، يشعر بالحقارة، منزوياً، وإن مثل هؤلاء الأطفال يرون عيوبهم فقط.

 

 

الأمان النفسي:

قد لا يرضي تعامل الأم طفلها، وخاصة إذا ما يقارن نفسه بالآخرين، فتخلق عنده هذه الحالة اضطراباً نفسياً وقلقاً عاطفياً، حتى يصل به الأمر أن يرى الدنيا سوداء ومعتمة، فالطفل بحاجة ماسة للأمان النفسي. يمزق موت الأم فؤاد الطفل وتخلق عنده متاعب جمة، خاصة في الصغر، وإن موت الأب يكون سبباً في تعلق الطفل بأمه أكثر وأكثر، ويكون حساساً ورقيقاً، فتزداد بذلك وظائف الأم.

الأمان مقابل العوامل الطبيعية:

يلجأ الطفل إلى أمه كلما وقع له حادث كالزلزال والصاعقة أو حتى عندما يواجه حيواناً صغيراً، فعلى الأم في هذه الحالة أن تحمي صغيرها.

الشجار:

يحتاج الطفل إلى من يلجأ إليه ويدافع عنه عندما يتشاجر أو يضربه أحد الأطفال أو أراد أن يزرقه الطبيب مصلاً. فالأم التي لا تستطيع أن تحمي طفلها في مثل هذه الحالات تسقط من نظره ولا يستطيع الاعتماد عليها.

الأمان في حالة النوم والوحدة:

تزرع الأم في قلب ابنها الطمأنينة والأمان، فهو يعتمد عليها في كل صغيرة وكبيرة، حتى في حالة نومه، يستيقظ الطفل من نومه ليرى وجه أمه الباسم، وعندما يداهمه المرض ويرقد في فراشه يريد أن تكون أمه بالقرب منه، فيجب عليها أن لا تخدع ابنها وتتركه وحيداً في حين انه يتصور أنها في البيت أو في الغرفة المجاورة، في حين أنها ذهبت خارج المنزل لتقضي أمراً ما، فإن ذلك ولا شك سيسبب متاعب جمة لها ولابنها.

أهمية إقناع الطفل بالأمان:

يتجسد دور الأم الأمني في تحضير المأكل والملبس لطفلها وتدفع عنه الأخطار التي تهدده، مرضه، وحدته، عندما يضربه أبوه، ظلم الآخرين. لا يجد الطفل في نفسه شجاعة الشجار مع الآخرين، أو أن يقول شيئاً يدافع فيه عن نفسه، فيلجأ إلى حضن أمه ويهدأ من روعه، فإن حضنها هو بيت الأمان، هو الحصن المنيع، فهو يريد دائماً المحافظة على ذلك الحصن، ويريد أن يحس بذلك ويلمسه بيديه، يراه بعينيه، يريد أن يرى أن أمه تعمل وتتحرك وتتشاجر من أجله، فقد يستطيع الطفل تحمل الجوع، إلا أنه لا يستطيع تحمل سكوتها عندما يعتدى عليه، قد يستطيع ارتداء ملابس رثة، إلا أنه لا يستطيع أن يراها مكتوفة الأيدي عند وقوعه في الشدائد والمحن.

خطر تلاشي الأمن:

يؤدي تلاشي الأمن إلى مخاطر جمة لحياة الطفل، كالقلق، التشويش، الخوف، الاضطراب، وقد يصل الاضطراب درجة لا يستطيع الطفل عندها حل مسألة بسيطة، عندما يرى الطفل أن بيته أصبح متشنجاً وأن أمه في قلق مستمر قد يؤدي إلى عدم استطاعته النطق بصورة طبيعية، عندما يرى الطفل أن أبويه عصبيين ومضطربين يحس بالخطر ولا يستطيع عندها أن يفترق عن أمه لحظة واحدة، فهو يخاف أن تذهب ولا تعود إليه، يخاف من كل شيء، لذا إننا نلاحظ أن مثل هؤلاء الأطفال يمتنعون عن الذهاب للمدرسة. نستنتج من ذلك أهمية وظيفة الأم كم هي صعبة ومعقدة وثقيلة.

الملاحظات التي يجب مراعاتها:

يقع على عاتق الأم زرع الطمأنينة والأمان في قلب ابنها، فتجعله يشعر بأنها معه وتدافع عنه، في الوقت الذي لا تجعله يتعلق بها كلياً، حتى لا يؤثر ذلك على استقلاله الفكري وعلى الأم أن لا تؤكد على عيوب طفلها، بل على نقاط القوة كي يستطيع عندها إصلاح نقاط ضعفه التي يعاني منها، وهذا مهم لنمو شخصية الطفل، ولكي يكون بناء الطفل سالماً، يجب أن لا نؤكد على العواطف والأحاسيس، بل على العقل والتفكير العلمي وإلا سيؤدي ذلك إلى خسائر جسدية ونفسية.