الأمهات المستقيلات
الكاتب الدكتور علي القائمي
تعتبر تربية أطفال متزنين ومعتدلين من وظائف الأم الأساسية، فيحتاج الأطفال إلى أحضان الأم والمراقبة ويمكن للآخرين القيام بهذه المهمة ولكن لا يمكن لهم أن يحلوا محل الأم ويملؤوا فراغها، لأن التجانس والموائمة مع الطفل تستلزم صبراً وجلداً لا يتوفران لدى المربية والخادمة.
لذا يجب على الأم مباشرة التربية شخصياً وخاصة من الأمور والاحتياجات الضرورية له والتي يمكن لها القيام بها ولا توكلها إلى الغير.
ليس اليتيم دائماً من ماتت أمه أو فقدها بل اليتيم من كان له أمّاً لا تقوم بشؤونه ولا تتحمل أعباء مسؤوليتها تجاهه وتهمله. فما أكثر الأطفال الذين لهم أمهات ولكنهم يتامى.
ويتيم ذلك الطفل الذي تكون أمّه لا صبر لها ولا طاقة، ولا تجد المجال الكافي لملازمته، ولا تستطيع كبح جماح ميولها، أو تتعذب من عقدها عندما تنظر إليه لأنه غير شرعي فتشرد أفكارها، أو يطاردها القانون ويلاحقها لجرائمها أو لديها نقص عاطفي أو مبتلية بالجنون أو غائبة عن طفلها بسبب زواجها الثاني وغير متزنة ولا متعادلة وبالتالي مغرورة تعبد ذاتها. ولذلك ليس لها دور مهم في حياته.
ضرورة محبة الأم وقيمومتها:
يفتقر الطفل إلى حنان الأم من جانب ويحتاج إلى سيطرتها وقيمومتها من جانب آخر. علينا أن نذكّر في الجانب الأول أنه عندما يحرم الطفل العاطفة والحنان لا يمكن له أن يمنحها للآخرين. ونذكّر في الجانب الثاني أن قيمومة الأم وسيطرتها في تربية الطفل من أجل ترسيخ مفاهيم الانضباط في ذهنه بشرط عدم الاستبداد ورعاية المنطق والعدل فيها.
لا تتوفر هذه الحالة عند المربية أي لا يمكن لها التوازن بين قطبي المحبة والتحكم، وتعتبر الأم التي لا تمنح حنانها ومحبتها للطفل أماً مستقبلة وستفقد أبّهة شخصيتها إذا لم تأمر وتهيء وتطبق القواعد الانضباطية.
فقدان الإحساس بالأمومة:
تفقد بعض الأمهات ولأسباب كثيرة أحياناً إحساسهنّ بالأمومة ويهملن أولادهن مما يؤدي إلى نشأتهم سيئي الخلق، بلا وئام وبنظرة متشائمة إلى الحياة، ويتحرق قلب الأم عندما تشاهد جراحاً سطحية على جسم الطفل وتغفل عن جراحاته العاطفية والروحية لعدم إمكانية لمسها. فإذا كانت الأم لا تبالي بأحاسيس الطفل ومشاعره وتوكله إلى نفسه أو إلى الخادمة لتأمين احتياجاته فقد أصابت المقتل في فكره وشعوره بشكل يصعب فيه تدارك عواقبه وتلافي آثاره. فلم تقم بواجب الأمومة وفقدت الإحساس بها من تلهو عن الطفل بأعمال أخرى وتدعه في أيدي الخادمة أو المربية . فليس لها أن تدعي الأمومة التي لا تعير أي أهمية ولا تسعى إلى تربية طفلها والتي تقصر في إبداء الحنان والعاطفة اللازمتين له. وتخالف الفطرة وقانون الحياة التي تفقد عاطفة الأمومة وتترك أطفالها لأي سبب كان.
تعاني مثل هذه الأمهات من أمراض نفسية وعصيبة وإلا فكيف نفسّر إحساسهن بالنفور والاستغراب من أطفالهن ؟! وليس بعيداً أن يرجعن إلى أنفسهن يوماً ويلتفتن إليها ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن لا يجدن الفرصة الكافية لإعادة بناء الطفل وصياغته، وستلاحقهن لعنة الضمير والوجدان طيلة أعمارهن.
نماذج من الأمهات المستقيلات:
نعكس لكم صوراً مختلفة لاستقالة الأم من وظائف الأمومة. فالأم التي تعجز عن تنفيذ البرامج الانضباطية للأطفال وتحول ذلك على الأب هي أم مستقيلة، وتفرّ من مسؤولية الأمومة تلك الأم التي تبعث بطفلها إلى رياض الأطفال بحجة تربية بصورة أفضل بينما تبحث عن الفراغ وراحة البال، في الحقيقية لكي تتخلص منه ومن شيطنته.
وتستقيل الأم من مهامها عندما تجعل طفلها تحت رحمة المربية من أجل حفلاتها وسهراتها المستمرة.
أسباب الاستقالة:
يكون توكيل مسؤولية الأطفال للمربية أو الخادمة والهروب من عبئها وإلقاؤها على كاهل الآخرين غالباً لطلب الراحة والترفية عن النفس ولا ترغب أحياناً أن يزول أصباغ أظفارها ولا تريد أن يتأثر جمال يديها هندامها. والفرق الشاسع واضح بين طريقة التفكير هذه وبين مسؤوليات الأمومة. فالأم التي لا ترضع الطفل حفظاً على صدرها من الترهل، والأم التي تبحث عن الانطلاق وتستخدم المربية أو الخادمة للمنزل من أجل تسهيل عملية ذهابها وإيابها ليست أمّاً بل شخصاً لاابالياً مغروراً.
أضرار تربية المربية:
يعتبر توكيل تربية الطفل للمربية نوعاً من المكنة في التربية وتحويل مسؤولية للخدامة نوعاً من الرعي وتسمين العجول فلا فرق بينه وبين إعطاء مسؤولية الخراف ليسرح بها الراعي في المراتع ويسمّنها. فلا عواطف ولا حنان ولا محبّة وستكون نتائجها كما يقول المثل اليوناني (إذا وكّلت تربية طفلك للخدم والعبيد فستكون عما قريب صاحب عبدين).
فمهما كانت المربية على خلق حسن وحنكة وتجربة في اختصاصها فإنها لا تستطيع أن تقوم بوظيفة الأمومة وتحلّ محلها ولا يمكن لها أن تلبي كافة احتياجات الطفل التربوية. فلا تتعب ولا تملّ الأم من التحدث إلى طفلها.
وإنّ اشتراكها الفعّال والمباشر في تربيته يهيئ المجال المناسب لإسداء المحبة والحنان إليه لأنها لا تتصنع ذلك.
فكأن الطفل عندما يشاهد العواطف الكاذبة والحب المصطنع للمربية لا يستسيغه ولا يود الافتراق عن أحضان أمه عندما ينام وادعاً فيه ليلاً إلا إذا تعوّد ذلك أو يئس من إقناع أمه به. وعجباً كيف تستطيع الأم سماع صراخ طفلها وبكاءه واستغاثته وعذابه ثم تستمر هي في غيّها غير عابئة وتتابع نظام حياتها المتخبطة.
شروط المربية الصالحة:
إذا لم يكن باستطاعة الأم تولي أمور الطفل لأسباب مختلفة وتترك ذلك للمربية فعليها أن تنتخب المربية الصالحة وتسعى بدقة وتفحص حيث تتوفر فيها الشروط التالية:
- يجب أن تكون مختصة ومخلصة ويمكن الاعتماد عليها من الناحية الأخلاقية والفكرية.
- تفهم لغة التخاطب مع الأطفال ولها تجارب في التربية.
- تتحلى بالصبر والقدرة على التحمل، وتتلذذ بالعيش مع الطفل.
- لا تعاني من المشاكل في حياتها الخاصة أو أن تكون مشاكلها قليلة، لأنها ستعكس ذلك على الطفل وستظهر آثاره عليه.
- تراعي المسائل الصحية وتتمتع بثقافة عامة وبمستوى دراسي مناسب.
- تتحدث بالحسنى وبالطيب من القول.
- غير مصابة بالأمراض المعدية، وغير سيئة الأخلاق ولا عصبية المزاج.
- عديمة الانحراف والشذوذ الأخلاقي.
- تعتبر الطفل إناً لها وتناديه (ولدي).
فعندما لا تقدر الأم القيام بمسؤوليتها فعليها على الأقل كتكفير للذنب أن تنتخب مربية صالحة وتستثمر أموالها لخلق جوّ آمن للطفل لتربية الجوانب المادية والمعنوية لديه.
ومن المهم أن نذكر هنا ملاحظتين مهمتين في التربية:
1- يجب أن تكون المربية شابة وفي حدود عمر الأم.
2- عدم توكيل الطفل إليها بصورة مفاجئة بل بالتدريج لكي يتعود الطفل عليها شيئاً فشيئاً ولا يتعرض إلى صدمة نفسية.